AR EN

الصوفية الوظيفية .. الفكرة والأدوار

وحدة الدراسات والأبحاث | سهام الدريسي
17 فبراير 2017
تحميل نسخة pdf

التمهيد


عقب انعقاد مؤتمر (مَن هم أهل السنة والجماعة؟) بين 25 و28 أغسطس/آب 2016، بالعاصمة غروزني (الشيشان)، وموجة الاستنكار التي تمخضت عنه؛ لمواقف بعض علماء الدين المسلمين، تجلى واقع التشرذم والانقسام بين أهل السنة.

تميّز هذا المؤتمر بإقرار التمايز والأفضلية للظاهرة الصوفية في إطار الفكر الديني، وإقصاء متعمَّد للتديُّن السلفي، في سياقات سياسية متوترة إقليمياً ودولياً كافية لاستثارة الفتن والصراعات باسم المقدّس، ويمكن عدُّ هذا المؤتمر نتاجاً لأجندات غربية وعربية ممنهجة لتفكيك الجوهر الفقهي للإسلام، وإخضاع هذا الدين لمنطق المصالح السياسية والتوجهات المؤدلجة، ولذلك أصبح من الضروري- حسب البيان الختامي للمؤتمر- إعادة إنتاج الظاهرة الصوفية بصفتها نمط التديّن الأكثر مشروعية لتمثيل الإسلام (الحقّ)، والأكثر تواشجاً ليس فقط مع المخزون الثقافي للمسلمين، بل مع التيارات العلمانية.

ولعلّ هذا المؤتمر امتداد للخطاب الغربي (للحرب على الإرهاب) الذي لطالما انحاز لترسيخ التديّن الصوفي داخل المجتمعات الإسلامية بصفته رهاناً استراتيجياً، وبديلاً للتشدّد الديني، مقابل التشكيك في المرجعية السلفية، ولا سيما أنّ أغلب مراكز الدراسات الغربية، وبعض النخب العربية، تعد الإسلام (الصوفي) الخيار (الديني) الأفضل لإضفاء القدسية/الشرعية على الحكام، والجدير الأمثل بسياسات الاحتواء والهيمنة الغربية على المنطقة، ومن ثم تمثّل كلّ مبادرات التقسيم والتصنيف الإقصائي لبعض مكونات الأهل السنة والجماعة سياسات ناعمة لإضعاف المنطقة العربية، وعزل دول ذات ثقل استراتيجي- مثل المملكة العربية السعودية- من خلال وصم مرجعياتها الدينية بالتشدد والتشجيع على الإرهاب.

وفي السياق ذاته، نلحظ تزايداً لنفوذ الحركات السياسية الإسلامية في المشهد الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى انتشار التنظيمات المتطرفة المسلحة التي تستبيح القتل باسم الدين الإسلامي، وتكتمل صورة التشظي والصراع حول (الشرعية الدينية) برجوع الطرق الصوفية إلى الفضاء العام، حيث تحاول هي، أو يُدفع بها للانبعاث من جديد لتكون قوة دينية ذات دينامية اجتماعية وحضور سياسي داخل المجتمع المسلم.

ولعلّ هذا التسابق بين العديد من التيارات الدينية لامتلاك المجال السياسي وإخضاعه لا يعكس فقط الحضور الطاغي للمعطى الديني (الإسلام) بصفته تعاليم وممارسة يومية ومحدداً أساسياً للهويّة في عصر العولمة، بل أيضاً يُظهر سعياً ذا مرجعية إيديولوجية لاحتكار التديّن وتوظيفه سياسياً.

ولكن على ما يبدو فإن الاهتمام المتزايد بخطورة الحركات المسلحة مثل (تنظيم الدولة) جعل العديد من المحللين السياسيين والباحثين في المجال الأكاديمي يتجاهلون الدور المركزي الذي تمارسه الطرق الصوفية في صمت، والذي تبشِّر به وتشجّع عليه العديد من مراكز البحث الغربية وصناع القرار العرب (نخبة وسياسيين)، ولذلك ستهتم هذه الورقة بالكشف عن أشكال التوظيف السياسي للحركات الصوفية في الواقع الراهن، وأبعاده؛ من خلال اتباع مسار تطوّر الفكر والفعل السياسي الصوفي تاريخياً، الذي استوجب قراءة تاريخية بالتوازي مع التحليل النقدي والعميق لما يمكن أن نطلق عليه (الصوفية الوظيفية).

ويجدر بالذكر أنّ المضمون الروحاني للتصوّف لم يمنع مشايخه وأتباعه من الانخراط الفعّال والمؤثر في السياقات السياسية، فلطالما وُظّفت هذه الطرق الصوفية لتكون فاعلاً أساسياً في تثبيت موازين القوى في العالم الإسلامي أو قلبها، خاصة في أوقات احتداد الصراعات حول السلطة؛ لما تتميّز به من تأثير عميق في وجدان المسلمين، وشدّة تغلغلها في النسيج المجتمعي، وارتباط طقوسها بالمخزون الثقافي للأغلبية المسلمة.

تهدف هذه الورقة إلى دراسة (الصوفية الوظيفية) بما يتضمنه هذا المفهوم من عدِّ الطرق الصوفية جماعاتٍ دينيةً تضطلع بوظيفة عمليّة متوارَثة ومتواصلة تاريخياً، تتمثّل في خدمة مشاريع وأجندات ترتبط بالسلطة الحاكمة. وللكشف عن هذا البعد الوظيفي البراغماتي للطرق الصوفية، ستقسَّم هذه الورقة إلى ثلاثة محاور أساسية: أوّلها المقدمة الديمغرافية للصوفية، وثانيها تاريخ الفكر السياسي الصوفي، أمّا ثالثها فسيكون الصوفية السياسية في العصر الحديث. 

قم بتحميل الملف لقراءة المزيد ..


التعليقات

اشترك في القائمة البريدية