AR EN

إيران .. مَن الرئيس القادم؟

وحدة الرصد والتحليل
08 مايو 2017
تحميل نسخة pdf

مقدمة

  تشهد إيران، في التاسع عشر من شهر مايو/أيار، الدورة الثانية عشرة من الانتخابات الرئاسية، التي ستُعقد بالتزامن مع الدورة الخامسة لانتخابات المجالس البلدية والقروية والانتخابات التكميلية لمجلس الشورى في بعض المدن، وتعد الانتخابات الرئاسية القادمة من أهم الدورات الانتخابية، حيث من المتوقع أن يصعد فيها المرشد الثالث للجمهورية خلفاً لعلي خامنئي، البالغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً، وتجري هذه الانتخابات في ظل تفاقم مشاكل الاقتصاد الإيراني، وتوتر علاقات إيران الإقليمية والدولية، وتتزامن مع تبني الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب سياسة متشددة تجاهها، على عكس سلفه أوباما، ولا سيما توجهه لمراجعة الاتفاق النووي مع طهران.

  وافق مجلس تشخيص مصلحة النظام على ترشيح 6 شخصيات فقط، من بين أكثر من ألف وستمئة متقدم لخوض الانتخابات المقبلة، وهم: الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني؛ ونائبه إسحاق جهانكيري؛ ومنافسه الأبرز إبراهيم رئيسي، المقرب من المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي؛ بالإضافة إلى محمد باقر قاليباف رئيس بلدية طهران؛ ومصطفى هاشمي طبا وزير الصناعة السابق؛ ومصطفى مير سليم رئيس الشورى المركزية لحزب المؤتلفة الإسلامي.

 واستبعد (مجلس تشخيص مصلحة النظام) الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد من قائمة المرشحين، الذي كان قد أعلن عدم ترشحه نزولاً عند نصيحة المرشد له، قبل أن يعدل عن رأيه ويرشح نفسه.

تحاول هذه الورقة معرفة فرص مرشحي التيارين المحافظ والإصلاحي للفوز بالرئاسة، ومدى قدرة الرئيس حسن روحاني على المحافظة على الرئاسة لولاية ثانية، وما القضايا المؤثرة في نتائج الانتخابات، وانعكاساتها على السياسة الخارجية. 

المتنافسون على الرئاسة

يبدو أن (مجلس تشخيص مصلحة النظام)، المخول بالمصادقة على أهلية المرشحين لانتخابات الرئاسة، حرص على حصر المتنافسين بستة مرشحين فقط، مناصفة بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، اللذين يضمان داخلهما عدداً من الأحزاب والهيئات، والمرشحون هم: إبراهيم رئيسي ومحمد باقر قالیباف ومصطفى مير سليم يمثلون التيار المحافظ، ومرشحو التيار الإصلاحي الرئيس حسن روحاني ونائبه إسحاق جهانغيري، وأيضاً مصطفى هاشمي طبا.

ويشترط الدستور في المادة (115) أن يُنتخَب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين، وأن يكون مؤمناً ومعتقداً بمبادئ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمذهب الرسمي للبلاد (المذهب الجعفري الاثنا عشري)، وتنص المادة (117) على انتخاب رئيس الجمهورية بالأكثرية المطلقة لأصوات الناخبين (50 %+1)، وفـي حال عدم إحراز هذه الأكثرية من قبل أي من المرشحين في الدورة الأولى، يعاد إجراء الانتخابات مرة ثانية في يوم الجمعة من الأسبوع التالي، ويشترك فـي الدورة الثانية اثنان فقط من المرشحين، وهما اللذان أحرزا أصواتاً أكثر من الباقين فـي الدورة الأولى.

إبراهيم رئيسي

 ولد رئيسي في مشهد عام 1960، ودرس في الحوزات العلمية في مشهد وقُم، قبل انضمامه إلى القضاء مباشرة بعد ثورة 1979، وفي 2016 عين المرشد خامنئي، إبراهيم رئيسي، الحاصل على الدكتوراه في الحقوق، رئيساً لمنظمة (آستان قدس رضوي)، المسؤولة عن مؤسسة دينية ميزانيتها مليارات الدولارات، وتمتلك36  شركة ومعهداً، وتدير تبرعات لأقدس ضريح في البلاد في مدينة مشهد.

  تولى إبراهيم رئيسي العديد من المناصب؛ فقد كان نائباً لرئيس السلطة القضائية عشر سنوات، قبل أن يعين في 2014 مدعياً عاماً لإيران، وتولى سابقاً مدعي عام العاصمة، ومدعي المحكمة الخاصة برجال الدين، ويعد عضو مجلس خبراء القيادة لدورتين، ومساعد رئيس السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الرقابة والتفتيش.

يعد إبراهيم رئيسي المنافس الرئيسي للرئيس الإصلاحي المنتهية ولايته حسن روحاني، وعلى الرغم من كونه من التيار المحافظ، فإنه يتقدم بصفته مرشحاً مستقلاً، وهو مدعوم من الجبهة الشعبية للقوى الثورية المبدئية، وكانت سُربت أخبار بكونه المرشح لخلافة المرشد علي خامنئي، وستزداد فرصه لخلافته في حالة فاز بالانتخابات الرئاسية، ومن ثم يكرر تجربة علي خامنئي في أثناء رئاسته للجمهورية عندما نُصب مرشداً أعلى خلفاً للخميني.

  وأثار لقاء المرشح إبراهيم رئيسي بمبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استياء وسائل الإعلام الإصلاحية، وبعض الشخصيات الرفيعة، التي عدَّت اللقاء تدخلاً روسياً مرفوضاً، خصوصاً في ظل الشكوك المثارة حول تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية.

 ويعاني رئيسي من تهم موجهة ضده، منها تنفيذ إعدامات بحق خصوم النظام، نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

حسن روحاني

الرئيس الإيراني الحالي، من مواليد عام ١٩٤٨، من محافظة سمنان، درس الشريعة الإسلامية، وحاصل على دكتوراه في القانون، فاز في الانتخابات الماضية 2013 منذ الجولة الأولى؛ بحصوله على 50.71%.

يعد أكثر المرشحين حظاً بالفوز بالانتخابات، خاصة إذا تمكن في الجولة الأولى، بسبب انقسام جبهة المحافظين الصوتية بين مرشحيها، وقد تصبح مهمته أصعب في الجولة الثانية لتوحد المحافظين خلف مرشح واحد.

استطاع الوفاء بوعده في التوصل إلى تسوية لملف بلاده النووي، وبعدما ولد القناعة لدى المرشد الإيراني ومؤسساته الثورية وقع الاتفاقية مع دول 5+1، لكنه أخفق في تحقيق إنجازات اقتصادية، وهي أبرز إشكالية يوجهها له منافسوه، بالإضافة إلى عدم قدرته على تحسين ملف الحريات؛ كما وعد أثناء حملته الانتخابية.

تولى حسن روحاني العديد من المناصب، منها؛ عضو في البرلمان خمس دورات، ونائب لرئيسه ثلاث دورات، وعضو في مجلس خبراء القيادة ثلاث دورات، ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمجمع التشخيص، وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي أربع دورات. ويحسب روحاني على تيار الاعتدال، الذي يصنف نفسه على أنه تيار وسطي.

محمد باقر قاليباف

رئيس بلدية طهران، ولد في عام 1961 في مشهد المقدسة لدى الشيعة، حاصل على دكتوراه في الجغرافيا السياسية، وقائد الشرطة (2000–2005)، وقائد سلاح الجو للحرس الثوري (1997–2000).

شارك باقر في الحرب الإيرانية العراقية، كما شارك في الانتخابات الرئاسية في دورتي 2005 و2012، وحل في المرتبة الرابعة والثانية على التوالي. ويحسَب قاليباف على التيار المحافظ، ويعد المنافس الأول للمرشح (رئيسي)، ومن بين أقوى المرشحين الثلاثة الأوائل للرئاسة، وقد حل في الانتخابات الماضية بالمركز الثاني بعد الرئيس حسن روحاني، وفي انتخابات 2005 الرئاسية حل في المرتبة الرابعة.

ويقدم باقر نفسه على أنه إداري متميز، وقد وعد بتوفير "خمسة ملايين فرصة عمل، ومضاعفة العائدات مرتين ونصفاً" للإيرانيين في حال انتخابه، وانتقد بحدة في الأيام الأخيرة روحاني، ورفض الانسحاب لـ(رئيسي).

إسحاق جهانغيري

النائب الأول للرئيس حسن روحاني، من مواليد 1957، من محافظة كرمان، دكتوراه في الإدارة الصناعية، ونائب في مجلس الشورى الإسلامي لدورتين، ومحافظ مدينة أصفهان (1992-1997)، تولى منصبي وزير الصناعة والمناجم (2000–2005)، ووزير المعادن (1997–2000).

يحسب جهانغيري على التيار الإصلاحي، وهو قريب من تيار الاعتدال الوسطي، من المحتمل أنه رشح لانتخابات الرئاسة تحوطاً لاحتمالية رفض (مجلس تشخيص مصلحة النظام) ترشح الرئيس حسن روحاني، ولذا قد ينسحب لمصلحة روحاني، على الرغم من نفيه بأنه ليس ظلاً لروحاني، حيث قد يتقاسمان الأدوار لاستغلال فرص المشاركة الانتخابية، للرد على خصومهم وترجيح فرصهم.

مصطفى ميرسليم

  ولد عام 1947 في العاصمة طهران، حاصل على شهادة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة بواتييه الفرنسية، رئيس الشورى المركزية لحزب المؤتلفة الإسلامي، وتولى منصب وزير الثقافة في الولاية الثانية من رئاسة هاشمي رفسنجاني (1993 - 1997)، وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام. تولى العديد من المناصب في الحكومة الإيرانية.

عمل مصطفى خلال توليه وزارة الثقافة على تضييق القيود على الصحافة والسينما، ورغم كونه محسوباً على التيار المحافظ، فإنه يتبنى بعض الآراء الوسطية، ويعد مصطفى مير سليم أول مرشحي الانتخابات الرئاسية في إيران.

مصطفى هاشمي طبا

من مواليد طهران، وزير أسبق للصناعة والمناجم، والرئيس الأسبق للجنة الوطنية الأولمبية، ومساعد الرئيس الإيراني في حكومة رفسنجاني، ويحسب هاشمي طبا على التيار الإصلاحي.

العوامل المؤثرة في الانتخابات الرئاسية الإيرانية

توجد عدة عوامل مؤثرة في قرار الناخب، ومن قبله المرشد الإيراني ومؤسساته الثورية (الدولة العميقة) تجاه المرشحين لرئاسة الجمهورية، أبرزها الملف الاقتصادي، ومستقبل ملف البرنامج النووي، وعلاقة إيران بالقوى الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى شخصية المرشح.

- الملف الاقتصادي والبرنامج النووي

الاقتصاد الإيراني يرتبط مستقبله بتسوية ملف طهران النووي بشكل رئيسي، وعلاقاتها الخارجية، وبأمور أخرى متعلقة بالكفاءة الإدارية، ومكافحة الفساد، ورفع يد الحرس الثوري عنه.

ملف الاقتصاد هو الذي أوصل الإصلاحي روحاني إلى الرئاسة، بعد العقوبات المشددة التي فرضت في عهد سلفه المحافظ أحمدي نجاد، وفي هذه الجولة يسعى منافسوه المحافظون للظفر بالرئاسة على حسابه.

يكاد يجمع الإيرانيون على تدهور وضع اقتصادهم، وقد تعمد المرشد الإيراني- على ما يبدو- انتقاد أداء حكومة الرئيس روحاني لملف الاقتصاد، في توقيت حساس قبل الانتخابات، وشكك بأرقام الحكومة المتعلقة بإنجازاتها الاقتصادية، ودعا خامنئي المرشحين إلى الاعتماد على موارد الاقتصاد المحلي لا التعويل على استثمارات الخارج، وركز المرشحان المحافظان؛ إبراهيم رئيسي ومحمد باقر قاليباف، دعايتهم الانتخابية على إخفاق إدارة الرئيس روحاني الاقتصادي، متعهدين بتحقيق تنمية وخلق فرص وظيفية.

في المقابل دافع المرشحان؛ الرئيس روحاني ونائبه، عن إنجازاتهم الاقتصادية، مذكرين بما كانت عليه القيود المفروضة على بلادهم.

 الاقتصاد هو العصب الذي يلامس احتياجات المواطنين والمؤسسات، ولذا يعد عاملاً رئيسياً في تحديد خيارات الناخبين، وقد ركزت الحملات الانتخابية على الاقتصاد لا على السياسة الخارجية.

- المؤسسات الإعلامية

 لهذه المؤسسات دور مهم في التأثير في قناعات الناخبين وتوجيههم، في ظل تعددها وتنوعها وصعوبة احتكارها، وكانت وزارة الداخلية ألغت المناظرات التلفزيونية المباشرة، ثم تراجعت وسمحت بها، ومنذ إعلان رئيسي ترشحه تعرض لانتقاد وسائل الإعلام، وكان لها دور في انتخابات 2009، التي شهدت احتجاجات غير مسبوقة قبل أن تتمكن السلطات من قمعها.

- شخصيات المرشحين

شخصيات المرشحين، وماضيها السياسي والحقوقي، ومدى حضورها في المجتمع الإيراني، تعد من أهم العوامل المؤثرة في اختيار الناخبين، وتتعامل مؤسسات الدولة العميقة مع المرشح للرئاسة، طبقاً لمواقفه السياسية، ورضاها عن ولائه لقيم الثورة ومؤسساتها.

- المرشد الإيراني

يعد المرشد الأعلى الإيراني هو المتحكم في تفاعل المؤسسات، والسماح لمن يريد، وإقصاء من لا يريد له دوراً، وتساعده مؤسسات الدولة العميقة التي يتحكم في مقاليدها التيار المحافظ، والمثال الحاضر إقصاء الرئيس السابق أحمدي نجاد من الترشح، بعد عدم التزامه بنصيحته.

السيناريوهات

تركيبة النظام السياسي الإيراني المعقدة، وطبيعة المؤسسات المشرفة على الانتخابات، والخاضعة جميعها لسلطة الولي الفقيه، والتي يتحكم فيها التيار المحافظ، تجعل من الصعوبة التنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية، التي أريد التحكم في إيقاع ضبطها منذ حصر الترشيح بستة مرشحين فقط، وإلغاء كثير من الشخصيات السياسية المشهورة، وفي طليعتها الرئيس السابق أحمدي نجاد ونائبه السابق حميد بقائي، اللذان أعلنا- عقب منعهما من الترشح- أنهما لم يدعما- ولن يدعما- أي مرشح، وهو ما سينعكس سلباً على مرشحي التيار المحافظ، حيث يحظى نجاد بقبول لدى الفئة الشعبوية، المقدر نسبتها 20% من مجموع الناخبين.

تعاني كتلة المحافظين الانتخابية من التشتت بين مرشحيها، في ظل إصرار قاليباف على عدم التنازل للمرشح الأبرز إبراهيم رئيسي، المدعوم من مؤسسات الدول العميقة للمحافظين، ويوصف رئيسي بضعف الخبرة الإدارية، وتوجه له تهم إعدامات المعارضين السياسيين.

  وفي المقابل تتركز كتلة الإصلاحيين الانتخابية حول الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني، الذي تسانده سيرورة الانتخابات؛ فقد فاز رؤساء إيران في ولايتهم الرئاسية الثانية منذ عام 1985، وفي حالة عدم حسم الانتخابات لمصلحة روحاني في الجولة الأولى، فإن فرص فوزه في جولة الإعادة قد تتضاءل.

ويشكل روحاني- على الرغم من عدم إيفائه بوعوده الاقتصادية والحقوقية- الخيار الأكثر قبولاً خلال المرحلة القادمة، لحاجة إيران إلى كسر عزلتها الخارجية، وهو ما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الإيراني، وتوسيع علاقات إيران مع القوى الدولية، ويتوقع البعض بقاء علاقاتها الإقليمية ضعيفة، إذا ما استمرت في عسكرة سياستها الإقليمية لتصدير الثورة.

  قد يكون الرئيس حسن روحاني الوجه المفضل للتعامل مع القوى الدولية، مع إدراك محدودية إمكانية حدوث تغيير في سياسة بلاده الخارجية، في حين سيؤدي فوز مرشحي المحافظين (رئيسي أو قاليباف)، إلى عودة تأزم ملف البرنامج النووي وسياستها الخارجية مع القوى الدولية والإقليمية.

وبصرف النظر عمن يكون الرئيس القادم لإيران، فإن صلاحياته الدستورية لا تمكنه من رسم السياسة الخارجية، وإنما الكلمة الأولى هي للمرشد والمؤسسات الثورية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، الذي زاد من عسكرة السياسة الخارجية في المنطقة العربية، خلال رئاسة روحاني، وهذه المؤسسات هي المتحكمة في تحديد طبيعة تعامل الرئاسة الإيرانية في الإدارة الداخلية والسياسة والخارجية.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية