AR EN

ازدياد دور الميليشيات في العراق وانعكاساته على العلاقات مع السعودية

وحدة الرصد والتحليل
14 فبراير 2017
تحميل نسخة pdf

مقدمة

لا تزال التحركات العسكرية على الحدود السعودية العراقية من كلا الجانبين يلفُّها الغموض، خاصة من حيث طبيعة أهدافها، ومدى جدية هذه التحركات؛ ففي منتصف 2016م أجرت المملكة العربية السعودية، وعدد من الدول الإسلامية، مناورات عسكرية واسعة في شمال المملكة سميت "رعد الشمال"، وهو ما سبق تحركَ ميليشيات الحشد الشعبي نحو منطقة النخيب بالقرب من الحدود السعودية، وإجراءها مناورات بالذخيرة الحية، الشهر الماضي، بحسب ما نقلته وكالات أنباء دولية.

وقد شهدت العلاقات بين السعودية والعراق في الآونة الأخيرة حالات عديدة من التأزم؛ إذ عدَّت الحكومة العراقية تصريحات السفير السعودي السابق في العراق، ثامر السبهان، حول دور الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية؛ تدخلاً غير مقبول في الشؤون الداخلية العراقية، وهو ما أفضى إلى استبدال السفير السعودي، على الرغم من كونه أول سفير سعودي بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين التي امتد انقطاعها قرابة 25 عاماً.

الجانب السعودي أيضاً عدَّ تصاعد الدور العسكري لميليشيات الحشد الشعبي أمراً خطيراً، وجاء ذلك في أكثر من تصريح لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير، حيث وصف الحشد الشعبي بالطائفي، مع التأكيد أن عدداً من الضباط الإيرانيين يديرون هذه الميليشيات، وقد اتخذت ردود الأفعال العراقية على تصريحات الجبير مسارَين؛ مساراً رسمياً استنكر فيه رئيس الوزراء الأوصاف التي أطلقها الجبير، ومساراً آخر عبَّرت عنه الميليشيات المسلحة بالتهديد برد عسكري على المملكة.

وفي الوقت الذي يبدو فيه أن المواجهة بين السعودية وإيران قائمة في أكثر من جبهة، فإن تطورات الوضع الداخلي في العراق، المتعلقة بتزايد نفوذ الميليشيات المسلحة التي تديرها إيران وتعاظم سلطتها، والرفض السعودي التام لدور هذه الميليشيات، قد تكشف عن تغير في العلاقات السعودية العراقية مستقبلاً، فما العوامل التي قد تدفع بالعلاقات نحو التحول أو الاستمرار في وضعها الراكد؟ وهل أمام المملكة من فرص للحد من النفوذ الإيراني في عراق الجوار؟

الحشد الشعبي وخطر دولة الميليشيات

بينما دعا وزير الخارجية السعودي، منتصف عام 2016م، إلى ضرورة تفكيك ميليشيات الحشد الشعبي لكونها مسؤولة عن تأجيج الحرب الطائفية في العراق، بدت ردود فعل الجانب العراقي مدافعة عن سلوك الحشد؛ فرئيس الوزراء حيدر العبادي رأى الإساءة إلى الحشد الشعبي إساءة إلى العراقيين جميعهم، أما الخارجية العراقية فقالت، على لسان متحدثها، إن الحشد الشعبي هيئة رسمية شكِّلت من متطوعين يمثلون جميع مكونات الشعب العراقي، وهو جزء من منظومة الدفاع الوطني، يأتمر بإمرة القائد العام للقوات المسلحة، ويحصل على تمويله من ميزانية الدولة. 

هذه الصورة التي رأى فيها المسؤولون العراقيون منظومة الحشد الشعبي مؤسسةً رسمية، كانت تمهيداً لإقرار قانون الحشد الشعبي في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، القاضي "باستخدام القوة لردع التهديدات الأمنية التي يتعرض لها العراق، والقضاء على الجماعات الإرهابية وعلى كل من يتعاون معها"، ومن ثم باتت هيئة الحشد الشعبي تفرض واقعاً ميدانياً في إطار الدولة العراقية.

أُسست هيئة الحشد الشعبي في منتصف عام 2014م؛ على إثر فتوى للمرجع الشيعي علي السيستاني بوجوب مواجهة تنظيم الدولة وطرده من العراق، وقد شُكل الحشد من مجموعة ميليشيات شيعية عراقية مارست عملها العسكري والتدريبي تحت غطاء الحكومة العراقية، التي لم تمانع في ازدياد عدد هذه الميليشيات لأكثر من 70 ميليشيا متفاوتة في حجم التسليح ومناطق الوجود وسنوات النشأة.

وفي بحث سابق نشره (مركز صناعة الفكر للدراسات) حول خلفيات تشكيل الحشد الشعبي، فإن أغلب فصائل الحشد أُسست بعد أحداث الموصل 2014م، أو ظهرت رسمياً في هذا التوقيت، بعد أنْ كانت عبارة عن مجموعات مسلحة تمارس نشاطاتها خارج القانون والأطر الرسمية، وتمارس مهمات حماية مقرات الحركة، أو الحزب الذي تنتمي إليه، أو تنفذ عمليات خطف وقتل أشبه بما كانت تفعله فرق الموت خلال سنوات الاحتلال الأمريكي.

ويضيف البحث أن المتطوع في الحشد الشعبي يتقاضى راتباً شهرياً من الحكومة العراقية من خلال هيئة الحشد الشعبي بواقع أقل من 600 دولار، إضافةً إلى بدل طعام يُقدر بنحو 100 دولار شهري. ووصل تعداد الحشد الشعبي في يونيو/حزيران 2016م "إلى 140 ألف مقاتل، بينهم الآلاف من مكونات متعددة"، من بينهم "124 ألف مقاتل من الفصائل الشيعية، و14 ألف مقاتل من العرب السُّنَّة، إضافةً إلى عددٍ غير معروف من مقاتلين مسيحيين في كتائب بابليون، وآخرين من الإيزيديين والأكراد الشيعة المعروفين باسم الشبك، وتركمان شيعة من كركوك وتلعفر."

الأخطار التي يحملها تمكُّن الميليشيات من أداء أداور حكومية؛ كدعوى إقرار الأمن، وملاحقة تنظيم الدولة، ظهرت ملامحها في انتهاكات ميليشيا الحشد بحق أهل السنة في عدد من المحافظات العراقية، وقد أقرتها منظمة العفو الدولية، إضافة إلى أن النفوذ الإيراني في العراق يمثل جبهة مباشرة وملاصقة للمملكة، وغيرها من الأخطار التي لن تقتصر على العراق، بل قد تطول دول الجوار، وخاصة السعودية، التي تربطها بالعراق حدود شاسعة.

ويمكن تلخيص أخطار هذه الميليشيات على المملكة في الآتي:

  1. انتشار السلاح، وازدياد تجنيد الميليشيا الخارجة عن الإطار الرسمي، التي تتذرع بالاضطلاع بمساندة مؤسسات الدولة الأمنية. فقد اصطبغت خطط التجنيد المستمرة لميليشيا الحشد الشعبي بفكرة إنقاذ الدولة، ومن ثم تحولت بفعل هذه الدعاوى إلى مؤسسة سن لها قانون خاص وموازنة منفردة وصلت إلى أكثر من ملياري دولار في السن؛ وبناء عليه فإن مثل هذه التجمعات المسلحة التي نشأت في ظروف تتيح لها التحرك بحرية، وممارسة أبشع الجرائم، قد تشكل خطراً على دول الجوار، بالأخص في حال تزايد أعداد المنضمين لها.
    وتزداد خطورة تسلح هذه الميليشيات في احتمال اختطاف مؤسسات الدولة، كما حصل في اليمن، بل إن محاولة دمج هذه الميليشيات في المؤسسات الأمنية والجيش لا يقل خطراً عن فكرة اختطافها.
  2. أضحت ممارسات ميليشيا الحشد الشعبي دليلاً على مسار ممنهج من الانتهاكات الإنسانية التي طالت المختلفين مذهبياً مع هذه الميليشيا، وقد تجاوزت هذه الانتهاكات فرضَ النزوح على العُزَّل من بعض المدن التي يقطنها السُّنَّة بحجة ملاحقة العناصر الإرهابية، إلى القتل والتعذيب.
    وقد زادت الدوافعُ المذهبية والطائفية التي تغذت عليها عناصر الميليشيا من حدَّة الممارسات في الداخل العراقي، حتى تعدته إلى تهديد عددٍ من زعماء هذه الميليشيا لبعض دول الخليج.
    وبناء عليه؛ فإن لغة التهديد وانتهاكات الحشد لا تشير إلى توقف مهمة هذه الميليشيات على مواجهة تنظيم الدولة فقط، بل يبدو أن السلوك الطائفي لهذه الميليشيات لن ينحصر أو يتوقف مع الوقت.
  3. دعا قيس الخزعلي، قائد عصائب أهل الحق التابعة للحشد، في تصريح له، إلى نصرة أهل البحرين، والأحساء في المملكة، فيما يبدو أنه يرى أن له ولميليشياته الحق في التدخل والوقوف مع الطائفة الشيعية في الخليج. وهذه التصريحات تنطوي على صفته العسكرية التي تحمل معها لغة القوة، ومن ثم فالمملكة أمام جبهة عسكرية حقيقية قادرة على التصريح عن أهدافها أيضاً.

سيطرة إيران على العراق

بات خط المواجهة بين السعودية وإيران واضحاً في كل من سوريا واليمن ولبنان، في حين يبقى العراق، الذي تكاد تسيطر عليه إيران كلياً، بعيداً نوعاً ما عن المواجهة المباشرة التي طالت الجبهات الأخرى، فقد تمكَّنت إيران، على إثر الاحتلال الأمريكي للعراق الذي مهد الطريق للقوى السياسية الحليفة لها، من التوغل في السلطة، واعتمدت استراتيجيتها على توثيق الصلة بالمراجع الدينية في العراق، وتعزيز مرجعيتها السياسية للقامات العلمية الشيعية بما يكفل تبعيتهم لها.

وعلى الرغم من أن الحكومة الإيرانية وصلت إلى مراحل تُعَدُّ جيدة في تمتين علاقتها بالمراجع الدينية الشيعية، فإن هناك ملفات ظلت محل اختلاف، من أهمها قضية النفوذ الإيراني المتزايد في العراق من قبل مراجع شيعية كبرى أمثال علي السيستاني.

عمدت إيران أيضاً إلى بسط نفوذها من خلال التغلغل في المؤسسات السياسية العراقية، وعلى الرغم من الخلاف الأمريكي الإيراني، فإن المصلحة المستعجلة في سد الفراغ السياسي بعد سقوط صدام، من خلال شركاء رأت فيهم أمريكا حليفاً جيداً، كانوا هم أيضاً حلفاء إيران؛ من حزب الدعوة وغيرهم من السياسيين الشيعة.

لقد بلغ النفوذ الإيراني في التأثير في القرار السياسي داخل المؤسسات العراقية إلى حد سماح الدولة العراقية لقيادات من الحرس الثوري الإيراني بالتحرك بحرية تامة داخل العراق، وإدارة بعض المؤسسات الأمنية من قبلهم، كما هو الحال مع قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

استخدمت إيران أيضاً ورقة الميليشيات المسلحة، إلى جانب النفوذ في أوساط المراجع الشيعية، والتغلغل داخل المؤسسات السياسية، لضمان سيطرتها على كامل مفاصل الدولة العراقية، حيث دعمت بشكل كامل قيام العديد من هذه الميليشيات وتأسيسها، وتدريبها، حتى التمويل الدائم، ولهذه الورقة دور ضاغط على القرار السياسي، وهو ما يتجلى في حالة الحشد الشعبي الذي فُرض على الحكومة العراقية واقعُ استيعابه ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب دور إيران في تغذية الأيديولوجيا السياسية الطائفية في أوساط الميلشيا الخاضعة للتدريب داخل إيران.

نظراً إلى العمق الذي يمثله العراق بفضل موقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية، إضافة إلى نسبة الشيعة في العراق البالغة نحو النصف، والشعور الذي عكسته سياسات نظام صدام ضد الشيعة، إلى جانب وجود مرجعيات دينية كبرى عراقية لها وزنها العالمي داخل الطائفة الشيعية، فإن العراق يعد من أهم مراحل التحول داخل مشروع إيران التوسعي، والمفصل الحساس في حال واجهت إيران مقاومة شديدة من دول مجاورة كالسعودية. 

سيناريوهات العلاقة بين السعودية والعراق

تأتي تصريحات المسؤولين السعوديين حول الدور الطائفي للميليشيات الشيعية والتدخلات الإيرانية الواضحة في المنطقة، في سياق ما تفرضه مجابهة المشروع الإيراني الذي يسعى إلى بسط إرادته، وانتزاع القرار السياسي لعدد من الدول، وفي مقدمتها العراق.

وإن ظل التحرك السعودي تجاه ازدياد نشاط الميليشيات الشيعية في العراق في حدود الاستنكار والرفض، فإن المشروع الإيراني بتغيير الخريطة السياسية العراقية وتوظيفها في خدمته، صارخطرأ وقد يتحقق.

كان إقرار الحشد الشعبي بأنه مؤسسة معترف بها داخل العراق حدثاً مهماً في تحويل بنية المليشيات الشيعية ودورها، هذه الميليشيات التي كانت تمارس تهديدها وأفعالها على نحو ممنهج، ظلت حتى بعد انخراطها داخل المؤسسات العراقية تلقي بتهديداتها على دول الخليج، خاصة السعودية، في فعل يتعدى الأطر الدبلوماسية والوطنية، لذا فانعكاسات استمرار هذه الميليشيات في تبوئها دوراً داخل الدولة ستكون متعدية على الجوار، فضلاً عن أن احتدام المواجهة بين السعودية وإيران مستقبلاً سيدخل العراق في خضم المعركة، وحتى ذلك الحين فمن المتوقع أن تسير العلاقات السعودية العراقية وفق سيناريوهات متحملة هي:

  1. التصريحات المستمرة للمسؤولين السعوديين تجاه تطور وضع الميليشيات الشيعية تشير إلى استمرار الجانب السعودي في استنكاره لتصاعد دور ميليشيا الحشد الشعبي، وإلى إمكانية تغير أدوات التعبير عن رفض الجانب السعودي لسياسات الحكومة العراقية، خاصة مع لغة الاستنكار الشديدة من الحكومة العراقية تجاه أي تصريحات السعودية التي قد تشعل أجواء التجاذب السياسي بين البلدين، ومن ثم قد تلجأ السعودية إلى اتخاذ تدابير دبلوماسية؛ كقطع العلاقات، وحشد الرأي الدولي، في سعي منها لمنع محاولات تمكين الميليشيات الشيعية من الحصول على مكاسب ميدانية وأخرى شرعية، وتقليص دورها، ومحاسبتها. وهذا السيناريو مرهون في حال أحرزت الميليشيات والجيش العراقي تقدمها في الموصل، ونجحت في إخراج تنظيم الدولة منها، وأيضاً ما سيضطر المملكة إلى التحرك، وقد يتحقق هذا السيناريو إذا أظهرت الميليشيات الشيعية تدخلاً جديداً يخص وضع الشيعة في الخليج، وفي حال شرعت المملكة في مثل هذه التدابير، فإنها بحاجة إلى سياسة دولية قادرة على التفاعل بإيجابية مع ملف الميليشيات، وهو ما قد يبدو ملائماً للإدارة الأمريكية الجديدة، التي أبدت سياسة هجومية ضد إيران، وكذلك للحكومة التركية التي ترفض بدورها سياسة الميليشيات وعناصرها الخارجين عن إطار الدولة.
  2. قد تستمر السعودية في استعمال أسلوب التصريحات للضغط على الحكومة العراقية لتقليص دور ميليشيات الحشد الشعبي، وبسبب الملفات الساخنة في اليمن وسوريا فقد لا تقْدِم السعودية على اتخاذ إجراءات ضد الحكومة العراقية، حيث إن خيار قطع العلاقات مع الجانب العراقي قد يقطع الطريق أمام السعودية لتلافي سقوط العراق كلياً في يد إيران، ومعها الميليشيات الشيعية.

وهذا السيناريو هو الأقرب حدوثاً؛ لذا فالسعودية أمام واقع في الداخل العراقي من الممكن أن تعمل من خلاله لإرباك المشروع الإيراني، وتعطيل السيطرة التامة لإيران على العراق، ومن ذلك استغلال الاختلاف بين المرجعية الشيعية الكبرى علي السيستاني وإيران حول ملف سيادة العراق لأراضيه؛ والتنوع القائم داخل التشكيلات السياسية الشيعية، ومن ثم فقد يكون الباب متاحاً لاتخاذ دور جديد للسياسة السعودية داخل العراق.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية