AR EN

استفتاء كردستان العراق | التحديات والفرص

وحدة الرصد والتحليل
06 سبتمبر 2017
تحميل نسخة pdf

المقدمة

تبدو حكومة إقليم كردستان العراق مصممة وماضية في إجراء الاستفتاء من جانب واحد حول انفصال الإقليم، "الذي يضم ثلاث محافظات في شمال العراق، ويتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1991، ويعيش فيه 4.6 ملايين نسمة"، عن العراق، في موعده المحدد 25 أيلول/سبتمبر المقبل، رغم رفض الحكومة "المركزية" العراقية باعتباره مخالفاً للدستور العراقي، وغياب التأييد الدولي، ومعارضة دول الجوار (تركيا وإيران وسوريا) التي تقطنها أقليات كردية، وتخشى من عدوى الانفصال الكردي، وتشكيل ما تسمى كردستان الكبرى على حساب أمنها القومي، بل ظهرت أصوات من داخل إقليم كردستان معارضة لإجراء الاستفتاء بحجة عدم دستورية الجهة الصادر منها قرار إجراء الاستفتاء، وغياب التوقيت المناسب، وضرورة إحداث إصلاحات داخل الإقليم تحرره من هيمنة العوائل المتحكمة في سلطاته.

وقد سبق أن قوبل إعلان حكومة الإقليم، في السابع من حزيران/يونيو 2017، عزمَها على إجراء الاستفتاء حول انفصال الإقليم، بتحذيرات دولية من احتمالية حدوث حرب أهلية أو إقليمية، بحسب ما لوحت بعضها، واعتبار واشنطن بأنه سيشتت جهود مكافحة تنظيم داعش.

ثمة ملفات شائكة قد تحوْل دون حصول الإقليم على التأييد؛ منها الخشية من تفكك الدولة العراقية وإعادة تشكلها دويلاتٍ على أسس عرقية وطائفية؛ كردية في الشمال، وشيعية في الجنوب، وسنية في الوسط، وعدم التوصل إلى تفاهمات للملفات الشائكة، وأصعبها قضايا كركوك والمناطق المتنازع عليها في المادة 140 من الدستور العراقي، والنفط والماء، والانعكاس على دول الجوار.

تناقش هذه الورقة التحديات التي تواجه إجراء الاستفتاء في موعده المقرر وفرص تنفيذه.

مع اقتراب موعد الاستفتاء ما زالت قيادة إقليم كردستان العراق تقاوم الضغوط الدولية المطالبة لها بتأجيل  استفتاء الانفصال عن العراق المقرر في 25 أيلول/سبتمبر المقبل، أو إلغائه، على الأقل في هذه الفترة، وتصر قيادة الإقليم على إجرائه في موعده المحدد، وزاد من إصرارها قرار مجلس محافظة كركوك العراقية  المطالب بشمولها في الاستفتاء، على الرغم من رفض الحكومة المركزية في بغداد لهذا الاستفتاء ونتائجه.

فقد قال بارزاني، رئيس الإقليم، لوزير الدفاع الأمريكي ماتيس: إنه "لن يؤجّل الاستفتاء دقيقة واحدة". واجتمع بارزاني بعدد من قادة الأحزاب السياسية الكردية للتباحث بشأن تقرير مصير الإقليم، لكن حركة التغيير، والجماعة الإسلامية الكردستانية، قاطعتا الاجتماع، مطالبتين بأن يكون برلمان إقليم كردستان المرجع لقضية الاستفتاء بعد دراسة الوضع الداخلي للعراق، وحتى الظروف الإقليمية والدولية.

ويسعى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحزب غوران (حركة التغيير)، إلى ضمان عدم تهميشهما مستقبلاً؛ من خلال تنازلات سياسية من الحزب الديمقراطي الكردستاني المهيمن على سلطة الإقليم مقابل أن تحشدا جماهيرهما للاستفتاء.

التحديات

ثمة تحديات داخلية، سواء على المستوى الداخلي لإقليم كردستان أو على المستوى الداخلي العراقي، بالإضافة إلى التحديات الخارجية.

1- التحديات الداخلية لإقليم كردستان

على الرغم من أن غالبية أكراد إقليم كردستان العراق، إن لم يكن جميعهم، ناضلوا من أجل الانفصال عن العراق وتأسيس دولة خاصة بهم، فإن المشاكل السياسية والاقتصادية التي برزت خلال الفترة الماضية بشكل أكبر خلقت تبايناً حول موعد الاستفتاء والجهة الصادر عنها، ومستقبل الإقليم أو الدولة الجديدة إذا ما استمرت سيطرة عائلتي البارزاني والطالباني وحزبيهما على الإقليم، واستمرار تأجيل تجديد شرعية المؤسسات الدستورية وتراجع الموارد الاقتصادية. وقد جددت حركة التغيير والجماعة الإسلامية، بعد اجتماع لقيادة الحزبين في السليمانية (4 أيلول/سبتمبر 2017)، مطالبتها بـتأجيل الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان، وضرورة تشريع قانون بشأنه في البرلمان.

- تأجيل تجديد شرعية رئاسة الإقليم والبرلمان

على الرغم من انتهاء ولايتي مسعود البارزاني، رئيس الإقليم، في عام 2013، وانتهاء مدة تمديد برلمان الإقليم له لمدة سنتين، انتهت في آب/أغسطس 2015، رفض البارزاني التنحي عن السلطة، وإجراء انتخابات للبرلمان، وقد تناقلت أنباء عن موافقة القيادات الكردية على إجراء الاستفتاء عقب اجتماع مع البارزاني الذي تعهد بإجراء انتخابات برلمانية، لكن هذه القوى ترى في عدم إجراء الانتخابات مؤشراً قاتماً لمستقبل الإقليم بعد الاستفتاء.

- سيطرة عائلتين على سلطات الإقليم

 تثير سيطرة عائلتي البارزاني والطالباني على سلطة إقليم كردستان العراق بواسطة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة رئيس العراق السابق جلال الطالباني، مع رجحان الغلبة لعائلة البارزاني وحزبها الديمقراطي الكردستاني، وتطالب بعض المكونات الكردية عائلة بارزاني بالتنحي عن رئاسة كردستان وإفساح المجال لغيرها، وإنهاء تقاسم الحزبين لسلطات الإقليم، وإشراك بقية المكونات في إدارته.

- تراجع الإيرادات واستشراء الفساد

بني اقتصاد كردستان العراق على عائدات النفط، التي تشهد تراجعاً حاداً في أسعارها خلال السنوات الماضية بعد ارتفاعها منذ عام 2003 ومساهماتها في تنمية الإقليم.

وتسبب الفساد المستشري في أجهزة الإقليم المدنية والعسكرية وسوء الإدارة، في أزمة اقتصادية حادّة، بالإضافة إلى الخلافات مع بغداد، ومحاربة تنظيم الدولة، وقد انعكست آثارها السلبية على اقتصاد الإقليم ومستوى معيشة المواطنين، وتتمثل التحدي فضلاً عن ذلك بالحاجات التي قد يولدها انفصال الإقليم، وتداعيات صراع السلطة والثروة التي قد تكرر مأساة تجربة انفصال جنوب السودان.

2- التحديات على المستوى العراقي

ترفض الحكومة المركزية العراقية إجراء الاستفتاء على انفصال كردستان خشية من التبعات السياسية والاقتصادية على العراق ومستقبلها السياسي، في ظل تأزم العلاقة بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم حول رواتب الموظفين، وميزانية الإقليم، وعدم التوصل إلى حل للملفات الشائكة المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، وإنتاج النفط وتسويقه، وتوسع سيطرة قوات البيشمركة على مساحات في محافظة نينوى وديالى في أثناء محاربة تنظيم الدولة، ورفضها تسليم هذه المناطق للجيش العراقي.

3- التحديات على المستوى الدولي

على الرغم من أن الاستفتاء وتأسيس دولة كردية يتناسب مع تطلعات سياسات ومصالح بعض القوى الدولية التي تريد إضعاف كل من إيران وتركيا، ومحاصرة نفوذهما في المنطقة، لم تعلن تلك القوى تأييدها لإجراء الاستفتاء، إذ تحفَّظ بعضها على توقيته، وأخرى اشترطت موافقة الحكومة العراقية، باستثناء موقف الاحتلال الإسرائيلي الذي يؤيد الاستفتاء، ودعوات بعض الأصوات الإعلامية الخليجية لتأييد انفصال كردستان نكاية بكل من إيران وتركيا وموقفها من الأزمة الخليجية.

 وقد رفضت الأمم المتحدة إجراء إقليم كردستان الاستفتاء منفرداً دون موافقة الحكومة العراقية، وقالت إنها لن تقوم بأي شيء من شأنه دعم الاستفتاء، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت في الاستفتاء تشتيتاً للجهود الدولية في مكافحة تنظيم داعش، ومن ثم فإن نتيجة الاستفتاء ستفتقر إلى الشرعية الدولية، ويزيد الموقع الجغرافي الحبيس لكردستان العرق من حاجتها إلى تفهم وتعاون دول الجوار والشرعية الدولية.

دول الجوار

موقف دول جوار العراق التي تقطنها أقليات كردية متطابق في رفضها إجراء استفتاء كردستان العراق للانفصال عن العراق، ومع قرب موعد الاستفتاء المقرر في 25 أيلول/سبتمبر لوحظ خلال الأسابيع الأخيرة تقارب في العلاقات التركية الإيرانية، والتنسيق بين الدولتين المتنافستين على النفوذ في المنطقة، حيث زار رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية تركيا للمرة الأولى منذ 45 عاماً، والتقى خلال الزيارة نظيره التركي، وكذلك الرئيس التركي، وتعد الزيارة بطابعها العسكري دلالة لإدراك الدولتين لمدى خطورة الاستفتاء كخطوة لتأسيس دولة كردية على أمنها القومي، خصوصاً في ظل التطورات التي يشهدها شمال سوريا، والدور الدولي الداعم للقوات الكردية فيها.

- تركيا

ترتبط تركيا بعلاقات إيجابية سياسية واقتصادية مع إقليم كردستان العراق، وخاصة رئيسه مسعود البارزاني المؤيد لموقف تركيا من حزب العمال الكردستاني، ولأول مرة رفع علم كردستان العراق في مطار أتاتورك الدولي في 26 شباط/فبراير 2017 في أثناء زيارة البارزاني لتركيا، لكن الموقف التركي واضح جداً في رفضه لإجراء الاستفتاء، ومحذر من تنفيذه، وقد وصفت تركيا قرار مجلس محافظة كركوك العراقية بشمولها في استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق، بأنه انتهاك خطير لدستور البلاد.

وقالت تركيا إنها أبلغت الحكومة المركزية العراقية وسلطات الإقليم برأيها، وعبرت عن قلقها حيال القرارات التي اتخذها الإقليم.

كما ذكّرت تركيا بقرار المحكمة الإدارية العراقية في 17 آب/أغسطس الجاري، بخصوص عدم وجود أي صلاحية لمجلس محافظة كركوك، وللإقليم الكردي، فيما يتعلق بوضع المناطق المتنازع عليها.

- إيران

تخشى إيران، مثل تركيا، من تداعيات الاستفتاء على تطلعات الأكراد فيها إلى الانفصال عنها أو الانضمام لكردستان العراق مستقبلاً، كما تخشى إيران من علاقة الولايات المتحدة بكردستان العراق وتعاونهما العسكري، واحتمالية استخدام أمريكا لأراضي الدولة الكردية الوليدة مستقبلاً ضدها، ومحاصرة نفوذها الإقليمي. وتتوقع إيران قيام تحالف رسمي بين كردستان ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضدها.

موقف الولايات المتحدة والدول الغربية

لم يحظَ استفتاء إقليم كردستان العراق بحماسة واشنطن المعهودة علانية مثل موقفها من انفصال جنوب السودان، حيث تحفظت الولايات المتحدة الأمريكية على الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان العراق، وعدته أنه قد يصرف الانتباه عن أولويات أكثر إلحاحاً؛ مثل هزيمة تنظيم داعش، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان لها: "نقدّر تطلعات إقليم كردستان العراق المشروعة لإجراء استفتاء الانفصال"، لكن إجراءه قد يصرف الانتباه عن الحرب ضد داعش، وأضاف البيان أن واشنطن "تشجع السلطات الكردية في العراق للتواصل مع الحكومة المركزية العراقية بشأن القضايا المهمة"، ومن ضمن ذلك العلاقات بين أربيل وبغداد وفق الدستور العراقي. كما أرسلت واشنطن وزير الدفاع، نهاية آب/أغسطس الماضي، إلى أربيل لمحاول إقناع البارزاني بتأجيل الاستفتاء.

وقد عبرت الولايات المتحدة والدول الغربية عن مخاوفها من أن يثير الاستفتاء نزاعاً مع بغداد والجارتين تركيا وإيران، اللتين تضمان تجمعات سكانية كبيرة من الأكراد فيهما، ومن أن يحول الانتباه عن قتال مسلحي تنظيم الدولة في العراق وسوريا، وسبق للاتحاد الأوروبي أن أبلغ رئيس إقليم كردستان العراق رفضه انفصال الإقليم عن العراق في الوقت الحالي.

لكن مواقف الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة للأكراد، خصوصاً في سوريا، تنبئ عن حقيقة مواقفها ورغبتها في الضغط على إيران وتركيا.

الفرص

ثمة فرص محدودة أمام قيادة إقليم كردستان لإجراء الاستفتاء في موعده المقرر في 25 أيلول/سبتمبر،  أهمها استغلال فرصة اللحظة؛ لأنها تعتقد أن الاهتمام الدولي بقضيتها قد يشهد تراجعاً بعد الانتصار على تنظيم الدولة، حيث تهدف قيادة كردستان العراق من إجراء الاستفتاء من جانبها فقط، وغير الملزم للحكومة العراقية، إلى استغلال الظروف التي تمر بها دول المنطقة من ضعف، بما يمكنها من امتلاك تفويض شعبي يقوي موقفها في أثناء تفاوضها مع الحكومة المركزية في بغداد على الانفصال، وحسب مسعود البارزاني رئيس الإقليم فإن "هدف الاستفتاء هو استطلاع رأي الأكراد، وبعده سيبدأ الحوار مع بغداد"، ورغم معرفتهم بعدم مشروعية الاستفتاء، وصعوبة الحصول على تأييد دولي، يراهن أكراد العراق على التدرج في إنشاء دولتهم وتقبل الدول لاحقاً باعتبارها أمراً واقعاً.

وتراهن قيادة إقليم كردستان العراق على استقرار الإقليم خلال الفترة الماضية، وعلى تفهم بعض دول الجوار لموقفها بناء على تعاونها في محاربة حزب العمال الكردستاني، وما خلقته المصالح التجارية خلال الفترة الماضية، والتي ستتضاعف بعد الانفصال وبناء الدولة.

السيناريوهات

 من استعراض مواقف القوى الإقليمية والدولية يتضح أن الغلبة في استشراف سيناريوهات مستقبل الاستفتاء وإجرائه أو تأجيله، هي لمصلحة التحديات التي قد تعيق تنفيذه على حساب الفرص المحدودة لإجراء الاستفتاء في موعده، ومع ذلك يصر رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، على إجراء الاستفتاء من جانب واحد دون موافقة الحكومة العراقية كما ينص الدستور العراقي، مراهناً على الوقت وعدم تفويت الفرصة، على الرغم من رفض دول الجوار وتحذيرها، وغياب مواقف دولية معلنة تؤيد إجراء الاستفتاء، ومن ضمنها الموقف الأمريكي الذي عارض إجراء الاستفتاء في الوقت الراهن ودون حسم قضايا الخلاف مع الحكومة المركزية في بغداد، مما يحصر احتمالية إجراء الاستفتاء في موعده في السيناريوهين التاليين.

السيناريو الأول

إجراء الاستفتاء في موعده

تأكيدات قيادة إقليم كردستان العراق على موقفها المتمسك بإجراء الاستفتاء في موعده المقرر في 25 أيلول/سبتمبر القادم، بالإضافة إلى قرار مجلس محافظة كركوك العراقية بشمولها في استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق، خصوصاً بعدم وجود احتكاك على الأرض، أو تهديدات بين أكراد الإقليم والمعارضين للاستفتاء، وباعتبار الاستفتاء غير ملزم، وإنما يريده الأكراد ورقة للتفاوض مع الحكومة العراقية وخطوة في طريق انفصال كردستان عن العراق استغلالاً للظروف التي تمر بها المنطقة من المحتمل إجراء الاستفتاء في وقته رغم الرفض المحلي والدولي، وهذا السيناريو المرجح، خصوصاً وقد سبق تأجيل الاستفتاء، وسيحظى خيار الانفصال بالغالبية في حال تم الاستفتاء.

السيناريو الثاني

تأجيل الاستفتاء

قد يؤدي غياب التوافق الداخلي بين مكونات إقليم كردستان العراق، وإصرار حركة التغيير والجماعة الإسلامية على تأجيل موعد الاستفتاء، وترى أن يصدر قرار تنظيمه من برلمان الإقليم المجمد نشاطه، وفي ظل رفض ومعارضة الحكومة العراقية ودول جوار العراق والمجتمع الدولي، والضغوط التي تمارس على قيادة إقليم كردستان العراق، فمن المحتمل أن تنجح في إثناء قيادة الإقليم على إجراء الاستفتاء في موعده وتأجيله مقابل مقايضة ترضي الأكراد. وتشترط قيادة الإقليم لتأجيل الاستفتاء الاتفاق على موعد جديد مع الحكومة العراقية بضمانة دولية، وهو ما لا تستطيع الحكومة الموافقة عليه.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية