AR EN

الاحتجاجات في إيران | الأسباب والمآلات

وحدة الرصد والتحليل
05 يناير 2018
تحميل نسخة pdf

مقدمة

انطلقت شرارة الاحتجاجات، في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، من مدينة مشهد، قلعة المحافظين، وذات المكانة الدينية لدى الشيعة، وثاني أكبر مدن إيران من حيث عدد السكان، بمطالب اقتصادية، وبتحريض من المحافظين معارضي الرئيس حسن روحاني، وسرعان ما عمّت عدداً كبيراً من مدن البلاد، منها يزد في الجنوب، وشاهرود في الشمال، وكاشمر في شمال شرقي البلاد، ومحافظة كرمنشاه في غربي البلاد. وشاركت فيها مختلف فئات الشعب الإيراني بعرقياته المختلفة.

وقد بلغ عدد قتلى الاحتجاجات أكثر من عشرين قتيلاً وعشرات الجرحى، والمئات من المعتقلين، وتسببت باندلاع أعمال عنف في مناطق عدة، أحرقت خلالها فروع بنوك وبعض المنشآت وصور المرشد الأعلى خامنئي، فيما قمعت الشرطة المحتجين.

وردد المحتجون شعارات تندد بسياسات حكومة الرئيس حسن روحاني (الإصلاحي) الاقتصادية، وتكاليف الإنفاق على التدخلات الخارجية: "لا غزة ولا لبنان.. حياتي لإيران"، وارتفع سقف الشعارات بالمطالبة بعودة نظام الشاه الملكي، وبـ"الموت لروحاني" و"خامنئي"، والمساس بكينونة نظام ولاية الفقيه، حيث طالبت برحيل المرشد الأعلى علي خامنئي الذي وصفته أنه يتصرف كإله في حين أن المواطنين يتسولون.

وفيما أقر الرئيس حسن روحاني بأحقية المحتجين في التظاهر وحثهم على تجنب العنف، لجأت الحكومة إلى حجب وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة برنامج التلجرام، الأكثر تفاعلاً بين الإيرانيين، ومن ثم تعمدت حشد مناصريها وتسيير مظاهرة مؤيدة لها، وقد تتخذها مبرراً لقمع المحتجين.

وكانت أجنحة النظام المتصارعة رأت في الاحتجاجات في بدايات مطالبها الاقتصادية فرصة لتحقيق أهدافها على حساب خصومها، فقد لمحت حكومة الرئيس حين روحاني، في بداية الاحتجاجات إلى تورط المحافظين بهدف الإطاحة بالحكومة، على لسان النائب الأول للرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري، قائلاً إن تياراً سياسياً- لم يسمه- يتخذ من رفع أسعار بعض السلع الغذائية وبعض المشتقات النفطية ذريعة لتوجيه الانتقادات إلى الرئيس وحكومته؛ من خلال تشجيع الناس على الخروج في مظاهرات ضد الحكومة، وذلك في رد على دعوات خطيب جمعة مشهد والمرشح الرئاسي الخاسر إبراهيم رئيسي، اللذين دعوَا المواطنين للتظاهر ضد سياسة حكومة الرئيس روحاني.

في المقابل وصف المحافظون الاحتجاجات بعد انتشارها وتصاعد شعاراتها التي مست بالمرشد الأعلى ونظام ولاية الفقيه بالمؤامرة الخارجية.

تناقش هذه الورقة "تقدير الموقف" أسباب الاحتجاجات ومآلاتها، ومواقف القوى الدولية منها.

أسباب الاحتجاجات

ثمة أسباب عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية، على مستوى النظام والمعارضة في الداخل والخارج، متراكمة، تشكل في مجموعها مقومات ثورة تصحيحية، سواء بمبادرة من النظام أو قد تنفجر مع الزمن.

ويقر الإيرانيون بأحقية مطالب المحتجين المعيشية والاقتصادية، وغياب القيادة لدى المحتجين، وأن غالبيتهم من العامة ومن فئة الشباب غير المستفيدين من مزايا أجنحة النظام، ومضافاً لهم من ضاقت بهم دائرة النظام. وبحسب الوكالة الفرنسية (AFP) تقر أصوات حتى من داخل الطبقة السياسية المحافظة بأن الإيرانيين لا يملكون مساحة كافية لإبداء شكواهم؛ فقد صرح المتحدث باسم جمعية علماء الدين المجاهدين ذات التوجهات المحافظة، غلام رضا مصباحي مقدام: "دستورنا يقر حق التظاهر، لكن من الناحية العملية ليس هناك آليات لذلك".

-  الأسباب الاقتصادية

يجمع مختلف الإيرانيين، ومن بينهم أجنحة النظام الحاكم، على صعوبة وضع الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني من تفشي ظواهر الفساد والرشوة والمحسوبية، وتبديد الأموال في صرفها على المليشيات والمنظومة الإعلامية ومؤسسات نشر التشيع في العالم، بالإضافة الى سيطرة الحرس الثوري على كثير من المجالات الاقتصادية التي أضرت بالاقتصاد والمستثمرين، ومن ثم إقرار ضمني بفشل نظرية الاقتصاد المقاوم، حيث يعاني الاقتصاد الإيراني من عقوبات مفروضة عليه منذ سنوات. وقد احتل الحديث عنه الاهتمام الأبرز في أثناء حملات الدعاية في الانتخابات الرئاسية، وكان تحسينه الهدف الرئيسي وراء الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول 5+1 (الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن زائداً ألمانيا)، ويقر الرئيس حسن روحاني باستشراء الفساد، ويحمل على استحواذ الحرس الثوري على المشاريع الاقتصادية والخدمية.

من جهتهم يتهم المحافظين بعض أقارب الإصلاحيين، ومنهم أخو الرئيس روحاني، حسين فريدون روحاني، بممارسة الفساد وتكوين إمبراطوريات اقتصادية على حساب المواطنين، وبنت ونجل الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني (فائزة ومهدي) واتهموا أيضاً بتهديد نظام الحكم.

كما حولت المراجع الدينية عائدات إدارة مراقد أئمة الشيعة إلى مشاريع استثمارية، وخاصة في مدينة مشهد التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات.

وقد انطلقت الاحتجاجات بعد تسريبات ما تضمنته موازنة هذا العام 2018، التي تقدمت بها حكومة الرئيس حسن روحاني إلى مجلس الشورى؛ من إجراءات تقشفية رفعت أسعار بعض السلع الغذائية وبعض المشتقات النفطية، إضافة إلى زيادة الإنفاق على الحرس الثوري والقطاع العسكري، والمؤسسات الدينية.

 حيث تقول الحكومة إنها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات تقشّف صعبة لمواجهة التضخّم ومشكلات العملة، ولمحاولة تحسين قدرة إيران على جذب الاستثمارات، وتبلغ نسبة البطالة، وفقاً لما نقلته وكالة رويترز عن تقارير مركز الإحصاءات الإيراني، 12.4% في العام المالي 2017، وهو ما يمثل ارتفاعاً نسبته 1.4% عن العام الذي سبقه، وهناك نحو 3.2 ملايين عاطل عن العمل من القوة العاملة في إيران التي يبلغ عدد سكانها ثمانين مليون نسمة.

وينتشر الفقر بنسبة كبيرة في المدن والأرياف الإيرانية، وتضعه أرقام رسمية في حدود 12 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر المطلق، فيما يعيش ما بين 25- 30 مليون شخص فقراً نسبيّاً.

وتعاني إيران من مشكلة في الإسكان، حيث تنتشر فيها ظاهرة بيوت المقابر التي يحفرها المواطنون للنوم.  وتعود الأزمة الحالية إلى انهيار مؤسسات إقراض غير قانونية ظهرت وانتشرت في عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد.

لا توجد مصادر رسمية عن حجم المبالغ التي تنفقها الحكومة الإيرانية على المليشيات في سوريا ولبنان والعراق واليمن، ولا عن تكلفة الإنفاق على مؤسسات نشر التشيع وإمبراطورية القنوات الإعلامية، لكن من المؤكد أنها مبالغ ضخمة كبدت الاقتصاد الإيراني، وقد لا تقل عن مليار دولار شهرياً، غير تلك المتعلقة بسوريا، التي تقدر بعشرات المليارات منذ تدخلها، بحسب صحيفة (لاستامبا) الإيطالية، مع ملاحظة أن إيران تجني مالياً من نفوذها في العراق. 

-  الأسباب السياسية

منذ سنوات تعيش أجنحة النظام بتياريها المحافظ والإصلاحي، وتلك المتفرعة عنها، صراعات عديدة على أدوات السلطة والثروة، أشدها على خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي أصر رغم اعتلال صحته على زيارة المناطق التي ضربها الزلزال (مدینة سربل ذهاب، غربي محافظة كرمانشاه)، يوم الـ 12 من نوفمبر/تشرين الثاني 2017، في إشارة إلى تمسكه بموقعه.

وشهدت إيران صراعات علنية بين رؤساء سلطات النظام الثلاث، خاصة بين السلطتين القضائية والتنفيذية؛ رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني، وشقيقه علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى أي البرلمان، ويعدان مقربين من المرشد الإيراني، وجرت اعتقالات لأقارب الشخصيات السياسية بتهم الفساد، طالت أخا الرئيس حسن روحاني وأقرباء الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني التي لمحت إلى أن وفاته لم تكن طبيعية، في اتهام غير مباشر للسلطات (المحافظة)، والتي كانت تخشى أن يكون الأكثر حظاً بخلافة المرشد، وهي نفس الدوافع التي يعتقد أنها وراء استهداف الرئيس حسن روحاني، وكان لها حضور في أثناء الانتخابات الرئاسية؛ حيث دفع المحافظون بإبراهيم رئيسي بهدف الفوز بالرئاسة وتكرار خلافة خامنئي للمرشد المؤسس (الخميني).

ولم يعد الصراع بين ثنائية المحافظين والإصلاحيين، بل وصل إلى صراعات داخل التيار الواحد، حيث أقصت اللجنة المخولة بالمصادقة على صلاحية المرشحين للرئاسة، والمحسوبة على المحافظين، الرئيس السابق أحمدي نجاد ونائبه من الترشح، بعد أن تراجع أحمدي نجاد عن قبوله نصيحة المرشد بعدم الترشح.

كما أن الإصلاحيين يعيبون على الرئيس روحاني عدم وفائه بالوعود التي قطعها في أثناء الدعاية الانتخابية، في توسيع دائرة الحريات وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وأبرزهم مرشحو الانتخابات الرئاسية عام 2009، مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، والتي شهدت احتجاجات شديدة مشككة بفوز أحمدي نجاد حينها.

تعالت أصوات معارضة للممارسات الخارجية الإيرانية في إرسال المليشيات ودعم تدخلها في سوريا ولبنان والعراق، نتيجة التكلفة البشرية والمادية التي خلفها التدخل على الاقتصاد الإيراني، على الرغم من موافقة أغلبية النخب الفارسية على السياسة الخارجية، ولكنها تطالب بترشيدها، فيما العامة والعرقيات الأخرى تعارضها.

·  حركات التحرر (الانفصالية)

توجد في إيران عدة عرقيات يتركز وجودها في مناطق محددة، وأبرزها في المنطقتين جنوب غربي إيران حيث العرب (الأهواز)، وشمال غربي إيران حيث الأكراد، ويسعى السكان في هذه المناطق للانفصال عن إيران، ويشْكون من التهميش والتغيير الديمغرافي، ويتبنى بعضهم العمل المسلح وتفجير أنابيب النفط لتحقيق أهدافهم، وتحديداً مناطق وجود الأكراد والعرب.

·  معارضة الخارج

تعيش العديد من حركات المعارضة الإيرانية، بمختلف توجهاتها السُّنَّية والعلمانية، خارج إيران؛ نتيجة سلوك النظام القمعي، وأهداف معارضة الخارج بتغيير النظام، ونفوذها في داخل إيران المحدود، لكنها تمتلك وسائل إعلام قوية، وتتلقى بعض هذه الحركات دعماً مادياً من دول تعادي النظام الإيراني، وأشهر هذه الحركات منظمة مجاهدي خلق، التي استطاعت في السنوات الأخيرة تنظيم مؤتمرات كبيرة في العاصمة الفرنسية مطالبة بإسقاط النظام، وقد حضرها العديد من القيادات السياسية الغربية والعربية، من بينهم رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل، وقد أسهمت في تغطية الاحتجاجات والتحريض عليها بفاعلية.

-  الاجتماعية والثقافية

بعد أربعة عقود من قيام الثورة في العام 1978، تسببت التغيرات في موازين النخب الاجتماعية لحساب المرجعيات الدينية- التي استحوذت على مفاصل الاقتصاد والسياسة، وأصبحت عوائلها تتمتع بغناء فاحش، في مقابل اتساع دائرة الفقر بين شعوب إيران- في كثير من الإحباط والصراع المكبوت، ولذا لم تقتصر الاحتجاجات على الفقراء فقط، أو منطقة جغرافية محددة، بل شملت مختلف المناطق والعرقيات، وشاركت الطبقة الوسطى التي فقد بعضها الميزة الاجتماعية، والأموال في مشاريع الإسكان وأسهم البنوك، والشركات التي أفلست.

كما أن تبني نظام ولاية الفقيه سياسة متشددة قيدت الحريات الثقافية، بل والشخصية، حيث ألزمت شعوب إيران المختلفة بأيديولوجيتها (ولاية الفقيه)، ووصل الحد بها إلى التحكم في أشكال الملابس والسلوكيات؛ كل ذلك خلق حالة امتعاض تنتظر فرصة التعبير عن ذواتها بحرية.

استطاعت الاحتجاجات بشعاراتها التي مست المرشد الأعلى وإحراقها لصوره، أن تسقط قدسية نظام ولاية الفقيه، وتعبر عن حالة عدم الموافقة على نموذج النظام الإيراني (الثيوقراطي)، ورغبتها في نظام ديمقراطي.

وربما ضاعف التغير في ثقافة وتطلعات الجيل الحاضر عن تلك التي كان عليها جيل الثورة، من تقلص مشروعية سياسة النظام وخاصة المتعلقة بإدارته للشؤون الداخلية.

تصريحات المسؤولين الإيرانيين

-   المرشد الأعلى علي خامنئي

قال المرشد الأعلى للثورة في إيران، علي خامنئي، إن العدو يتحين الفرص ليحدث خرقاً في إيران، وإن "الأعداء يعملون معاً لخلق المشكلات للنظام الإسلامي في إيران وللدولة". مضيفاً أن هؤلاء الأعداء يمدون المتظاهرين بالمال، والسلاح، والاستخبارات. وقال خامنئي في التعليق الذي نشره على موقعه الرسمي على الإنترنت إنه سيتحدث إلى الأمة بشأن الوضع الحالي في الوقت المناسب لذلك.

وتؤكد الاحتجاجات للمرشد الأعلى نظرته في تآمر القوى الغربية على بلاده، مما يدفعه للتمسك بسياسة بلاده في التدخل في شؤون دول الجوار، حتى لا تضطر إلى محاربتهم على حدودها.

-    الرئيس حسن روحاني

في اليوم الخامس للاحتجاجات (الأول من يناير/كانون الثاني 2018) اعتبر الرئيس حسن روحاني الاحتجاجات أنها فرصة للتحسين وليست تهديداً للنظام، وأشار إلى أن الشعب يطالب بالشفافية ومكافحة الفساد، وذلك في محاولة منه للتقليل من شأن الاحتجاجات، من جهة، واستغلالها- من جهة أخرى- لتوسيع صلاحياته وتمكينه من تنفيذ برنامجه. وكان نائبه اتهم خصومهم بتحريض المحتجين ضد الحكومة.

 وقال روحاني إذا اقتضت الضرورة فإن الشعب سينزل بالملايين إلى الشوارع دعماً للنظام والثورة، مضيفاً أن حكومته تتعامل مع المظاهرات على أن بعض المتظاهرين لديهم مطالب محقة وليسوا جميعهم مرتبطين بالخارج. وقد شبه بعض المحللين موقف الرئيس روحاني بخطاب زين العابدين رئيس تونس المخلوع، وسلوك بشار الأسد رئيس النظام السوري الدموي، ومن المحتمل أن الإصلاحيين الذين انتخبوا روحاني قد عملوا على ربط الاحتجاجات ضد النظام بأكمله وليس مجرد الحكومة.

-    الجيش والحرس الثوري

اتهم اللواء محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري الإيراني، الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بإدخال عناصر من تنظيم الدولة إلى إيران بهدف تنفيذ تفجيرات وأعمال إرهابية، وذكر جعفري أنه أرسل قوات من الحرس الثوري إلى محافظات أصفهان ولورستان وهمدان لمواجهة "الفتنة الجديدة".

وقال جعفري إن الجاهزية الأمنية حالت دون انتشار وتوسع رقعة ما وصفها بالفتنة، وشدد على أن الفتنة قد انتهت.

من جهته قال القائد العام للجيش الإيراني، اللواء عبد الرحيم موسوي، إن إخماد إيران الفتنة في البلاد يعد هزيمة أخرى لنظام الهيمنة، في حين أعلنت وزارة الاستخبارات أن قوات الأمن استطاعت القضاء على مجموعة مسلحة دخلت إيران أخيراً.

وأعلن الحرس الثوري في بيان أن ثلاثة من أفراده قتلوا في مواجهات مسلحة مع من وصفهم بمعارضي الثورة بالمنطقة الحدودية في بيرانشهر شمال غربي إيران.

أبرز المواقف الدولية

يبدو أن الاحتجاجات فاجأت القوى الدولية، فوقف بعضها محتارة دون أن تعلن موقفاً، وقد تنوعت المواقف المعلنة للدول بين حث السلطات الإيرانية على احترام حق المحتجين بالتظاهر، والأمنيات بعدم الانزلاق نحو العنف، وكان الموقف الأمريكي أكثر جرأة في دعم المتظاهرين وإعلان وقوفه مع مطالبهم، ومن بينها تغيير النظام، في حين التزمت الدول العربية الصمت، وتركت بعضها وسائل الإعلام لتعبر عن أمنياتها في تغيير النظام.

-    الأمين العام للأمم المتحدة

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن أسفه لسقوط قتلى في الاحتجاجات بإيران، وطالب السلطات الإيرانية باحترام حق الشعب الإيراني في التظاهر سلمياً.

-    تركيا

يعد الموقف التركي أكثر مواقف دول المنطقة تفاعلاً، على الرغم من تأخره بحدود أسبوع على اندلاع الاحتجاجات، حيث أصدرت وزارة الخارجية التركية، الثلاثاء 2 يناير/كانون الثاني، بياناً دعت فيه إلى "تغليب الحكمة؛ للحيلولة دون تصاعد الأحداث في إيران، وتجنب التدخلات الخارجية المحرضة التي من شأنها مفاقمة الأوضاع".

وأعربت الخارجية التركية عن قلقها من الأنباء التي تفيد بسقوط قتلى، فضلاً عن تضرر مبان عامة. وأكد البيان إيلاء تركيا أهمية كبيرة للسلم الاجتماعي والاستقرار في "إيران الصديقة والشقيقة". وجاء في البيان: "نؤمن بضرورة تجنب العنف وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، مع الأخذ بالحسبان تصريحات الرئيس حسن روحاني في هذا الإطار، التي أقر فيها بحق الشعب في التظاهر السلمي، لكن دون انتهاك القوانين والإضرار بالممتلكات العامة".

وأبدت الخارجية تمنياتها بتجنب الخطابات والتدخلات الخارجية المحرضة، وعقب البيان الذي يمكن وصفه بالحذر والمتوازن، والمائل لتفضيل التهدئة، أجرى وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني جواد ظريف بحث فيه التطورات الداخلية في إيران.

من جهته أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إيلاء بلاده أهمية للمحافظة على السلم والاستقرار الاجتماعي لإيران، خلال الاتصال مع نظيره الإيراني حسن روحاني، الأربعاء 3 يناير/كانون الثاني الجاري.

-    الولايات المتحدة

يعد الموقف الأمريكي الأبرز بين المواقف الدولية المساندة لحق المحتجين بالتظاهر، وقد تبنى الأمريكي مطالب المتظاهرين، وتوعد بفرض عقوبات جديدة على النظام الإيراني رداً على قمع المحتجين، وقد انعكس الموقف الأمريكي سلباً على زخم الاحتجاجات، وصبت في مصلحة النظام.

حيث دعت الخارجية الأمريكية دول العالم إلى دعم الشعب الإيراني في مطالبته بحقوقه الأساسية، وإنهاء الفساد، وقالت المتحدثة باسم الوزارة، هيذر نويرت، في بيان: إن "القادة الإيرانيين حولوا دولة مزدهرة ذات تاريخ وثقافة غنيين إلى دولة مارقة تصدر أساساً العنف وسفك الدماء والفوضى".

من جهته قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إنه "حان وقت حدوث تغيير"، وعبر عن اعتقاده بأن الشعب الإيراني "جائع" يبحث عن الحرية. وكتب على حسابه في تويتر: "تقارير كثيرة عن احتجاجات سلمية لمواطنين إيرانيين سئموا فساد النظام وإهداره ثروات الأمة من أجل تمويل الإرهاب في الخارج"، مضيفاً: "يجدر بالحكومة الإيرانية احترام حقوق شعبها، ومن ضمنها الحق في التعبير عن أنفسهم.. العالم يراقب".

وقد أعلنت إيران أنها قدمت إلى مجلس الأمن الدولي شكوى ضد تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية.

-    فرنسا

قالت الرئاسة الفرنسية إن الرئيس إيمانويل ماكرون أعرب عن قلقه بشأن التطورات في إيران، ودعا روحاني إلى ضبط النفس.

وأضافت أن الطرفين اتفقا على تأجيل الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لطهران هذا الأسبوع.

وقالت الرئاسة الإيرانية إن الرئيس حسن روحاني طالب نظيره الفرنسي، في اتصال هاتفي، باتخاذ إجراءات قانونية ضد جماعة إيرانية تحتضنها فرنسا، وصفها بالإرهابية، في إشارة إلى جماعة مجاهدي خلق. الجدير بالذكر أن الخميني كان يقيم في فرنسا قبل أن يعود إلى بلاده عقب انتصار الثورة.

-    بريطانيا

وصفت المطالب التي يرفعها المتظاهرون في إيران بأنها مشروعة ومهمة، ودعت السلطات الإيرانية إلى "نقاش جاد" بشأنها، وقال بوريس جونسون، وزير خارجية بريطانيا، إن بلاده "ترقب الأحداث في إيران من كثب".

-    دول الجوار

التزمت الدول العربية، وخاصة دول جوار إيران، الصمت تجاه احتجاجات إيران، وفتحت بعض دول الخليج العربي المجال لقنواتها وناشطيها في مواقع التواصل الاجتماعي لتغطية الاحتجاجات، وإعلان مؤازرة ما أسمته الربيع الإيراني، وهو الموقف الذي تبناه أنصار الربيع العربي، ويأمل المتضررون من سياسة إيران أن تحول الاحتجاجات شتاءها إلى ربيع ثوري، بعد أن كاد العام المنصرم 2017 يكون عاماً إيرانياً، نظراً لبسط إيران نفوذها في بعض دول المنطقة (سوريا والعراق ولبنان)، وإلى حد ما في اليمن، التي تقود السعودية تحالفاً عسكرياً يقاوم النفوذ الإيراني فيه. وقد حولت الاحتجاجات إيران إلى مستوردة للثورة بعد عقود من سياسة تصديرها لدول المنطقة العربية، والخوف من تكرار النموذج السوري.

 فيما اتسمت تغطية قناة الجزيرة بالحذر، ويبدو أنها آخذة في حسبانها علاقة دولة قطر بإيران في هذه الظروف التي يعد فيها المجال الجوي الإيراني المنفذ الوحيد لمطار الدوحة.

التداعيات

ضربت الاحتجاجات الصورة الذهنية التي حرص النظام الإيراني على تقديم ذاته بها، كنموذج مستقر وقوي في منطقة ملتهبة، يمتلك النظام ديمومة البقاء وإمكانيات التأثير في المنطقة، وخصوصية نظامه السياسي (ولاية الفقيه)، المنضوي تحت لوائه ربع مليار شيعي في العالم، مما يخوله أداء دور مركزي على المستويين الإقليمي والدولي.

لذا من المتوقع أن تفرض الاحتجاجات على النظام الإيراني مراجعة حساباته الداخلية، وسياسته الإقليمية، ومن ثم التركيز على الداخل الإيراني اقتصادياً، ومصالحه، والتمسك بالمكتسبات الخارجية وبأقل تكلفة.

-   العراق

من المحتمل أن تشهد الكتل الشيعية السياسية والعسكرية، صراعاً خلال المرحلة القادمة، وتحديداً في الانتخابات النيابية إذا لم تؤجل؛ نتيجة ضعف القدرة الإيرانية على ضبط التفاعلات بين الكتل الشيعية، بسبب ما ستفرضه الاحتجاجات على صانع القرار الإيراني من اهتمام بالشؤون الداخلية، ورغبة قيادات مليشيات الحشد الشعبي في ممارسة السياسة من خلال الانتخابات.

قد يوثق كل من رئيس الوزراء حيدر العبادي ومقتدى الصدر تحالفهما، وينفتح على العلاقة مع السعودية أكثر.

-   سوريا

قد تكون الاحتجاجات تأخرت كثيراً بحصولها بعد أن تمكنت إيران وحلفاؤها، بدعم روسيا، من الحد من تهديد قوى الثورة السورية في تهديد نظام بشار الأسد بالسقوط، وتمكينه من إعادة بسط قواته على أجزاء واسعة، إلا أنه من المؤكد أن الاحتجاجات قد وضعت سياسة إيران الخارجية تحت المجهر، وستفرض تقليص الإنفاق على الخارج.

-   لبنان/ حزب الله

ليس من المتوقع أن تحدث الاحتجاجات تداعيات سلبية على حزب الله، نظراً إلى أهمية موقعه ودوره في الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة العربية.

-   اليمن/ جماعة الحوثي

تعيش جماعة الحوثي (أنصار الله) حليفة إيران، والتي لا تزال تفرض سيطرتها على العاصمة صنعاء منذ اجتياحها وانقلابها على الرئيس عبد ربه منصور هادي، المعترف به دولياً؛ حالة عزلة، خاصة بعد قتلها لحليفها الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بعد إعلانه فض شراكة حزبه معها. ولأن الدعم الإيراني اقتصر على الدعم العسكري والفني دون صرف أموال كبيرة على جماعة الحوثي، خاصة بعد سيطرة جماعة الحوثي على موارد الدولة، فمن المحتمل ألا تتأثر كثيراً بتداعيات الاحتجاجات، وسيقتصر الدعم الإيراني على التدريب، واستغلال ملف اليمن في مقايضاتها مع السعودية.

سيناريوهات المآلات

-    الأول سيناريو الاحتواء والمعالجة الجزئية

اتسم تعامل النظام الإيراني مع الاحتجاجات خلال الأيام الأولى بالحذر الشديد، والخوف من تكرار النموذج السوري على مستوى تصاعد الاحتجاجات أو قمعها الوحشي كما حدث في تعاملها مع المتظاهرين عام 2009، ولأن مستوى الاحتجاجات حالياً لا يشكل خطورة على نظام الجمهورية الإيرانية، فقد تجنب استدعاء قوات حرس الثورة لقمع المتظاهرين.

ولذا من المحتمل أن يتبنى النظام سياسة مزدوجة رسمية وشعبية، تتبنى الأولى مراجعة بنود الموازنة العامة للدولة للعام الحالي 2018، وتقديم تنازلات تستجيب فيها لبعض مطالب المحتجين، وتراهن الأخرى على الاستخدام المقنن للعنف من قبل أجهزة الأمن، بالإضافة إلى حشد مؤيدي النظام للتظاهر دعماً له، وربما لاستغلالها لاحقاً في قمع المحتجين كتفويض شعبي.

ويتميز هذا السيناريو المرجح بالمعالجات الجزئية التي تمكن النظام من احتواء الاحتجاجات.

العوامل المساندة للسيناريو

غياب القيادة القادرة على إدارة الاحتجاجات واستثمارها في تحقيق الأهداف السياسية، وغياب شعارات جامعة للمتظاهرين بمختلف انتماءاتهم العرقية والثقافية تطمئن الغالبية المرجحة، وتحشدها للشارع، بالإضافة إلى ضعف الفاعلين الخارجيين، وقبضة الأجهزة الأمنية الشديدة.

 ويعزز هذا الاحتمال غياب مصلحة القوى الدولية، وتحديداً الأمريكية، في إسقاط النظام الإيراني الذي قد ينتج عنه تراجع صفقات الأسلحة الضخمة، وضعف مسوغ الوجود العسكري الأجنبي في دول المنطقة التي ترى مصلحتها في استمرار النظام الإيراني ولكن ضعيفاً.

-   الثاني سيناريو استمرار الاحتجاجات وفقدان السيطرة

المشاكل التي تعاني منها الشعوب الإيرانية ودفعتها للاحتجاجات متنوعة في مجالات عدة، وهي قديمة متجددة، ويصعب على حكومة الرئيس روحاني تلبيتها على المدى القريب والمتوسط، سواء الاحتياجات الاقتصادية أو الحقوق السياسية ومطالب المواطنة المتساوية، كما أن الصراع على صلاحيات رئيس الجمهورية وتدخلات الحرس الثوري في الشؤون السياسية والاقتصادية، وصراع أجنحة النظام على خلافة المرشد الإيراني علي خامنئي، عوامل قد تدفع في استمرار الاحتجاجات ومحاولة بعض أجنحة النظام استغلالها في إقصاء خصومه، ومن ثم قد تؤدي إلى استمرار الاحتجاجات، وقد تستغل مجموعة داخل النظام الظروف في إحداث انقلاب داخل النظام، بدافع الشعور بخطورة التحديات التي تواجه نظام ولاية الفقيه، وتربص الأعداء، أو قد تفقد السلطة السيطرة على الاحتجاجات أو على مناطق تقطنها أقليات، ويعد هذه الاحتمال غير مرجح في هذه المرحلة.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية