AR EN

العلاقات السعودية الروسية بعد زيارة الملك سلمان

وحدة الرصد والتحليل
27 أكتوبر 2017
تحميل نسخة pdf


مقدمة

بعد عقد على زيارة أول رئيس روسي للمملكة (فلاديمير بوتين في عام 2007)، وصل الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2017 في أول زيارة يقوم بها ملك سعودي لجمهورية روسيا الاتحادية، بعد سنوات من العلاقات السياسية المحدودة والمتأرجحة، ومحاولات تذويب ما خلفته تباينات المواقف السياسية بين البلدين خلال العقود الماضية.

تأتي زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لروسيا في فترة تشهد فيها المنطقة العربية صراعات متعددة، أبرزها تلك التي تجري في (اليمن، والعراق، وسوريا، وليبيا)، ووجدت المملكة أمنها القومي مهدداً، وخاصة من قبل المتمردين الحوثيين باليمن حلفاء إيران، وقد كشفت الأحداث عن فاعلية الدور الروسي وتأثيره في الفاعلين، وخاصة في الساحة السورية، حيث قلب التدخل الروسي  موازين القوى، وثبت نظام بشار بعد أن كاد يسقط رغم دعم الجمهورية الإيرانية وميليشياتها في المنطقة.

إضافة إلى التفاهمات السياسية بين البلدين، فقد احتل ملفا التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، وتنسيق سياسات الطاقة، أهمية بارزة خلال المحادثات، حيث جرت الزيارة في وقت يعاني اقتصاد البلدين من التداعيات المستمرة من تدهور أسعار الطاقة، وكان أول إنجازات الزيارة موافقة روسيا على بيع منظومة صواريخ (إس-400) المضادّة للطائرات، وكان لافتاً أن توافق وزارة الخارجية الأمريكية على بيع السعودية منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الأمريكية (ثاد)، لزيادة مخزونها من بطاريات صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ، بقيمة 15 مليار دولار بعد الإعلان عن صفقة بيع صواريخ (إس-400)، بعد مماطلات واشنطن.

تراقب المملكة علاقة الروس بالإيرانيين والأتراك، وتحاول الحفاظ على مصالحها، وتسعى لضمان الصوت الروسي في مجلس الأمن الدولي.

تناقش هذه الورقة خصوصية زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى جمهورية روسيا الاتحادية وأبعادها، واستشراف مستقبل العلاقة بين البلدين وانعكاساتها على العلاقة مع الأمريكيين والإيرانيين.

خلفية تاريخية

على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان الدولة الأولى غير العربية التي اعترفت رسمياً بالملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود حاكماً للدولة السعودية في عام 1926، وبقاء البعثة السوفييتية في جدة، وزيارة الأمير فيصل- الذي صار ملكاً للسعودية لاحقاً- الاتحاد السوفييتي في عام 1933، فإن  العلاقات بين البلدين سرعان ما تعرضت للركود بسبب علاقة الملك مع الغرب، واتهام موسكو له بالوقوف في صف الإمبريالية، حيث سحبت بعثتها الدبلوماسية في عام 1938، وحاول البلدان إعادة العلاقات، لكن الموقف الروسي المساند للثورة اليمنية في 26سبتمبر/أيلول 1962 (اليمن الشمالي) ضد حكم الأئمة، جعل الدولتين في موقف متناقض، وتنافست الدولتان على بسط النفوذ في جنوب اليمن وعمان. ورغم المحاولات لم تشهد العلاقة بين الدولتين انفتاحاً إلا في عهد الملك خالد عام 1979، ومجدداً أدى اجتياح الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، في ديسمبر/ كانون الأول من ذلك العام، إلى عودة التوتر في العلاقات، ولم يوافق البلدان على استعادة العلاقات الدبلوماسية إلا في عام 1990.  

تعرضت روسيا لكثير من المشاكل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تسببت ببعدها عن المنطقة، إلى أن استعادت حيويتها، ففي عام 2007 التقى الملك عبد الله فلاديمير بوتين في الرياض، كأول رئيس روسي يزور المملكة، لكن حين اجتاحت روسيا جورجيا في عام 2008، لم تعترف السعودية بجمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصاليتين المدعومتين من موسكو، وتوترت العلاقات مرة أخرى بعد الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد مارس/آذار 2011 في سوريا، حيث حيث وقف البلدان على النقيض.

وسبق لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان زيارة روسيا ثلاث مرات؛ حين ولياً لولي العهد؛ اثنتان منها في عام 2015، والأخرى في مايو من هذا العام، والتقى خلالهما الرئيس الروسي في كل من سوتشي وسان بطرسبورغ.

وقد جرى خلال الزيارات توقيع العديد من الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية، إلا أن أغلبها لم يدخل حيز التنفيذ.

العلاقات السياسية والأمنية

شهدت الدبلوماسية السعودية تغيراً في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز؛ حيث اتسمت بالمبادرة بدلاً مما عرفت به من سياسة الحذر والتأني، وقد شهدت العلاقات السعودية الأمريكية تدهوراً في نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما، وتصويت الكونجرس على قانون جاستا، وخطابات الرئيس ترامب في أثناء دعايته الانتخابية الموجهة ضد المملكة العربية السعودية، ولاحقاً تمكنت السعودية من تجديد تمتين شراكتها مع الولايات المتحدة وإقامة علاقات إيجابية مع الرئيس ترامب الذي جعلها مقصده الأول في أول زيارة له.

جرت زيارة الملك سلمان إلى روسيا في وقت كان العالم يترقب موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تجديد المصادقة على التزام إيران بالاتفاق النووي، الذي لاحقاً رفض التوقيع.

وقد وصف الرئيس الروسي فلاديمر بوتين الزيارة بالتاريخية، وأكد أنه لا توجد أسباب جذرية للخلافات مع المملكة العربية السعودية.

فاعلية الدبلوماسية الروسية مصدرها الرئيسي الدبلوماسية العسكرية؛ أي اعتمادها على أدوات قوتها الصلبة، وموقعها الدائم في مجلس الأمن الدولي. وقد استطاعت روسيا أن تعزز مكاسبها الجيبوليتيكية خلال العامين الماضيين في المنطقة، وعززت علاقاتها مع إيران وتركيا من خلال مشاركتها في الحرب السورية، وتقاسم النفوذ ضمن سياسة مناطق تخفيض التوتر، ومن المتوقع أن تنعكس الزيارة على دور المملكة في توحيد المعارضة الروسية ومفاوضات أستانة.

وقد تناولت كلمات الملك سلمان خلال المباحثات تأكيد مطالباته للمجتمع الدولي بتكثيف الجهود لمكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب، وتجفيف منابع تمويله، وضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.

ويرى البلدان وجود علاقة بين الاختلالات الأمنية والجوانب الثقافية، وقال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إن سلطات بلاده فصلت عدة آلاف من الأئمة من العمل في المساجد بعد ثبوت نشرهم التطرف.

وذكر الجبير في مقابلة مع قناة (روسيا 24) التلفزيونية: "لن نسمح بنشر أيديولوجية الكراهية، ولا تمويل ذلك النوع من الفكر".

كما أكد أن الرياض "ستتعاون مع موسكو في مكافحة الإرهاب، خصوصاً أن عدداً كبيراً من متشددي البلدين يحاربون في صفوف تنظيم داعش"، مضيفاً في هذا الصدد: "إنهم يهددون بلدينا والدول الأخرى، ولذلك لدينا اهتمام كبير بالتعاون مع روسيا في هذا الجانب".

العلاقات الاقتصادية

سياسات الطاقة المتعلقة بكمية الإنتاج وانعكاساتها على الأسعار شابت العلاقة بين البلدين في فترات سابقة، وقد ترك استمرار تدني أسعار الطاقة أثراً على اقتصاد البلدين اللذين وجدا من مصلحتهما التنسيق لتلافي الأضرار بما لا يخل في حصص إنتاجهما أو استفادة منتجين آخرين خصوصاً بعد الاتفاق النووي مع إيران، والذي رفعت بموجبه العقوبات عليها، ويعاني الاقتصاد الروسي من العقوبات الاقتصادية الأوروبية المفروضة عليه، مما جعله في أمس الحاجة إلى بدائل تخفف عنه آثار تلك العقوبات، وهو ما يجعل الاقتصاد السعودي محل رهان بالنسبة إلى الروسي، خصوصاً في ظل رؤية المملكة 2030. وقد أشار الرئيس الروسي إلى التعاون بين موسكو والرياض في مجال استقرار أسعار النفط.

حجم التبادل التجاري بين السعودية وروسيا، الذي يعد مؤشراً على مستوى العلاقات، ما زال ضئيلاً مقارنة بإمكانات الدولتين، وأهميتهما على الساحة الدولية، حيث احتلت السعودية- بحسب موقع روسيا اليوم- في العام الماضي المرتبة الـ60 في ترتيب الدول التي صدرت لها روسيا بضائع وسلعاً من حيث القيمة، فيما جاءت روسيا في المرتبة الـ82 في قائمة الدول التي تصدر لها المملكة.

 فقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي، بحسب بيانات موقع (ITC Trade)، نحو نصف مليار دولار، منها 350 مليون دولار صادرات روسيا إلى السعودية، مقابل واردات بقيمة 150 مليون دولار، مقارنة بحجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران الذي بلغ العام الماضي 2.18 مليار دولار.

ويخطط البلدان لزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 10 مليارات دولار خلال العقد المقبل.

وفي إشارة الى الاتفاقات التي وقعتها المملكة مع الولايات المتحدة قال بوتين: نعم، هناك عقود بالمليارات مع الولايات المتحدة، رغم ذلك نأمل بزيادة حجم العقود مع روسيا.

وقال بوتين مجيباً عن سؤال حول العلاقات الروسية السعودية في مؤتمر (فالداي) الدولي: "ظهرت لدى روسيا إمكانيات للتعاون مع السعودية في المجال العسكري".

يشار إلى أن أهم السلع التي صدرتها روسيا إلى السعودية في عام 2016 كانت مواد زراعية وغذائية بنحو 245 مليون دولار، ثم منتجات كيميائية بقيمة 45.5 مليون دولار، أما أبرز السلع التي وردتها المملكة إلى روسيا فكان البلاستيك ومصنوعاته.


خاتمة

العلاقات السعودية الروسية تشهد في هذه المرحلة تقارباً على المستوى السياسي ومكافحة الإرهاب، ورغبة الدولتين في تطويرها، ولكنها ضمن نطاق علاقات الدولتين الإقليمية والدولية، ففي حين تحافظ روسيا على علاقاتها مع إيران وتركيا ضمن استراتيجيتها في المنطقة، ما زالت المملكة العربية السعودية تراهن على علاقتها مع الولايات المتحدة، وتتجنب أي إجراءات قد تفهم على أنها تجاوزت التفاهمات المشتركة بين البلدين.

علاقة المملكة الاقتصادية بروسيا ما زالت محدودة مقارنة بعلاقات السعودية بأي من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن، أو أي من دول شرق آسيا، ولذا لم توقَّع اتفاقات خلال زيارة الملك سلمان لروسيا كتلك التي شهدتها جولته في شرق آسيا، وهو ما يحتم على السعودية تنويع شراكاتها الاقتصادية بما يتناسب مع موقع روسيا على الساحة الدولية السياسية، ومحدودية اقتصادها، بما يخلق مصالح مشتركة تفضيلية على تلك التي تربط روسيا بإيران، ويضمن مواقف روسيا تجاه مصالح المملكة، وخاصة الملف اليمني، ولا يستفز شركاءها الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

أما بالنسبة إلى الناحية الثقافية؛ فعلى المملكة ممارسة دورها بوصفها الدولة المركزية الإسلامية مع تجديد الخطاب الذي تتبناه تجاه مسلمي روسيا الاتحادية.


التعليقات

اشترك في القائمة البريدية