AR EN

المنتظر بعد جولة الملك سلمان في الشرق الآسيوي

وحدة الرصد والتحليل
08 أبريل 2017
تحميل نسخة pdf

مقدمة

انتهت جولة العاهل السعودي الملك سلمان في عدد من الدول الآسيوية، ابتداء من ماليزيا وإندونيسيا وبروناي، وانتهاء باليابان ثم الصين المحطة الأخيرة للملك السعودي، هذه الزيارة التي استغرقت قرابة العشرين يوماً، وشارك فيها ما يقرب ألف مشارك، بينهم مسؤولون وأمراء ورجال أعمال؛ قادتها الخيارات السياسية التي انتهجتها المملكة في السير نحو خطة التحول الاقتصادي المرتكز على الحصول على إيرادات اقتصادية غير نفطية، وكذلك الرفض القاطع لسياسة إيران في المنطقة بشكل كامل، التي تنظر إليها المملكة على أنها عدوانية وضد استقرار المنطقة، وقد اتضحت أهداف الزيارة من كون دول ماليزيا وإندونيسيا، وكذلك اليابان والصين، هي من الدول المتطورة اقتصادياً في القارة الآسيوية، إلى جانب أن ما نسبته 70% من صادرات المملكة من النفط يذهب إلى الدول الآسيوية.

ومما أكد أولوية تعزيز التعاون مع هذه الدول في الجانب الاقتصادي توقيعُ أكثر من 80 اتفاقية خلال هذه الزيارة، وذلك قد يفتح السوق السعودية أمام شركات هذه الدول للاستثمار.

وعلى الرغم من أن الاهتمام السعودي بالعلاقات الاقتصادية مع هذه الدول نال الجانب الأكبر؛ فزيارة الملك سلمان لدول القارة الآسيوية لم تخل من الحديث في ملفات سياسية تضمنتها المحادثات وتطرق إليها العاهل السعودي في مجمل خطاباته التي كرر فيها الدعوة إلى الوقوف في وجه التطرف، ونبذ العنف، ورفض تدخل بعض الدول في شؤون جيرانها؛ في إشارة إلى سياسات إيران.

وإن ذهبت نتائج هذه الجولة نحو بث الاطمئنان تجاه وضع اقتصاد المملكة في المستقبل على إثر الوعود والاتفاقيات التي خرجت بها الزيارة، فإن تأثر هذا التطور في العلاقات يعد أمراً وارداً في ظل وجود تحديات اقتصادية وسياسية قد تدخل ضمن أجواء العلاقات بين المملكة ودول الشرق الآسيوي، فإلى أين يمكن أن تسير العلاقات تحت وقع نتائج جولة الملك سلمان؟ وأي مدى من التطور يمكن أن تشهده هذه العلاقات؟

 دوافع نحو التقارب

العلاقات بين السعودية ودول الشرق الآسيوي هي من العلاقات التي اتسمت بتطور متصاعد بالنسبة إلى حالة المملكة، على الرغم من حداثة علاقات المملكة ببعض الدول الشرق آسيوية، ومع أن الصين كانت من أواخر دول الشرق الآسيوي التي ربطت علاقاتها الرسمية بالمملكة فإنها الشريك الاقتصادي الأول للمملكة اليوم، حسب ما نشرته هيئة الإحصاء السعودية.

أهم ما يميز العلاقات السعودية الشرق آسيوية هو التسارع الكبير في تطور هذه العلاقات، فالمملكة من جانبها ظلت ملتزمة بتزويد دول الشرق بالطاقة، على خلاف كثير من دول المنطقة التي أحاطت بها ظروف سياسية وأمنية، كما وجدت الدول الآسيوية في السوق السعوديةِ مناخاً مفتوحاً وراغباً في استيراد كثير من المنتجات، وعمل العديد من الشركات، حيث بلغ عدد مشاريع الشركات الصينية في المملكة قرابة 175 مشروعاً خدمياً وصناعياً عام 2015، حسب ما أكده وزير التجارة السعودي، ومن ثم فهناك أرضية خصبة، وسنوات من التعاون مع الشرق الآسيوي، من الممكن أن تدفع بها مجموعة من العوامل نحو مزيد من التقارب وتحقيق شراكات استراتيجية في مجالات متعددة.

1- الاستثمار في رؤية 2030

رؤية المملكة في التحول الاقتصادي الذي سيمنح المملكة- حسبما ورد في الرؤية- قدرة صناعية تنافسية في الأسواق العالمية، واكتفاء نسبياً في المجال الصناعي والعسكري؛ يبدو أنها ستعطي طابعاً جديداً لعلاقات المملكة بغيرها من الدول، لا سيما أن الرؤية السعودية بحاجة إلى تفعيل التواصل مع أصحاب التجارب الاقتصادية المتطورة؛ لجلب استثمارات ناجحة تنهض بالرؤية، وتحقق طموح المسؤولين السعوديين، وهو ما ظهر في تبادل الزيارات بين السعودية والصين، حيث بلغت ثلاث زيارات رسمية بين البلدين بعد إعلان الرؤية، وكذلك اليابان التي زارها الأمير محمد بن سلمان قبل زيارة الملك الأخيرة.

وتشير هذه الزيارات إلى اهتمام قادة البلدين بالملف الاقتصادي، خاصة بعد ظهور الرؤية السعودية، حيث أتى توقيع الاتفاقيات بين المملكة وهذه الدول في سياق الرؤية، فقد ضمت الاتفاقيات الموقعة اتفاق المشاركة في مشاريع البنى التحتية، وقعها من الجانب السعودي رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع؛ الجهة المشرفة على صناعة البتروكيماويات، وجرى توقيع اتفاقيات في إطار صناعة طائرات من دون طيار، وكذلك مذكرة تفاهم في مشروعات الطاقة الإنتاجية، كل ذلك يشير إلى تقاطع مباشر مع رؤية 2030.

إلى جانب ذلك أيضاً فقد كان الاتجاه السعودي مرة أخرى نحو الشرق الآسيوي لتحريك العجلة في بعض جوانب الرؤية، التي تضمنت تحويل شركة أرامكو إلى عملاق اقتصادي يعمل في أنحاء العالم، حيث وقعت الشركة خلال جولة الملك الأخيرة اتفاقية مع شركة النفط والغاز الوطنية الماليزية، تعد أضخم اتفاقية للشركة خلال جولة الملك، حيث ستستثمر أرامكو ما نسبته 50% من مشروع (رابيد) النفطي جنوبي ماليزيا، وتبلغ قيمة هذا الاستثمار 7 مليارات دولار، ووقعت الشركة كذلك اتفاقية مع مؤسسة نيبون اليابانية للنفط والطاقة.

لقد قاربت الرؤية السعودية بين تصورات المسؤولين في المملكة وقادة الدول الآسيوية حيال تطور العلاقات بين المملكة وهذه الدول، فقد وصف العاهل السعودي التطورات الاقتصادية بين السعودية والصين بأنها فرصة لتعزيز الروابط بين البلدين، وسمى التعاون القائم بين البلدين بالاستراتيجي، لذا فإن إمكانية تحقيق تقدم في تسيير عمل الاتفاقيات المبرمة قد يعطي انفتاحاً أكبر أمام السعودية، ومعها دول الشرق الآسيوي، لتوطيد العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية.

2- حاجة الشرق الآسيوي المتزايدة إلى النفط

لما كانت المملكة صاحبة التأثير الأكبر اليوم في السوق النفطية؛ من حيث التحكم في توفير الكميات اللازمة من النفط في السوق، وامتلاكها احتياطات نفطية كبيرة، بالإضافة إلى الاستقرار الضامن لتصدير الملايين من براميل النفط يومياً؛ فقد كان متوقعاً أن تحظى السعودية ودول الشرق المتطورة بعلاقات مميزة، غير أنه- بحسب خطة التحول الاقتصادي- لن تكون المملكة قادرة في وقت قريب عن الاستغناء كلياً عن واردات النفط، وستظل خلال السنوات القادمة الإيراد الأول لموازنة الدولة.

في الجانب الآخر تمثل المملكة المورد الأول للنفط لكل من الصين واليابان، والجدير بالذكر هنا أن اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين ذكرت أن إنتاج النفط في البلاد قد ينخفض، وأنها لا تزال في حاجة إلى تلبية الطلب على النفط في أسواقها من الخارج بنسبة تقارب 70% حتى عام 2020. وإذ تظل كل من الصين واليابان من الدول الأعلى استهلاكاً للنفط، فإن التعاون السعودي مع هذه الدول ليس جديداً، بل يتوقع أن تزداد التفاهمات السعودية مع هذه الدول، خصوصاً في مجال الطاقة.

3- الحذر حيال السياسة الأمريكية

صاحَبَ فوز الرئيس ترامب في الانتخابات الأمريكية التكهن حيال تصريحاته التحذيرية الموجهة للصين، وكذلك خطاباته تجاه الأوضاع في المنطقة العربية، وهو ما خلق أجواء من الحذر لدى دول المنطقة، ومنها المملكة، فلم تخل لغة الرئيس ترامب من مزاعم صارمة اللهجة أطلقها معبراً أن الصين في سياساتها التجارية (تغتصب) الولايات المتحدة، في تبنٍّ لسياسة متشددة في التعامل مع الصين، فضلاً عن التنافس الذي خلقته معدلات النمو في الاقتصاد الصيني أمام الاقتصاد الأمريكي، فقد أنشأت الصين منطقة التجارة الحرة في شنغهاي إلى جانب إعلانها في عام 2013 مبادرة )حزام واحد، طريق واحد)؛ سعياً نحو تعزيز الاستثمار والتبادل التجاري مع عدد من الدول الآسيوية ومنطقة المحيط الهادئ.

وعلى الرغم من العلاقات التاريخية بين المملكة والولايات المتحدة، فقد حل بهذه العلاقات ما يشبه التوتر؛ بفعل السياسة الرخوة لأمريكا في المنطقة، التي لم تلبِّ تطلع المملكة في التعامل بإيجابية مع ملفات عديدة؛ كالتدخلات الإيرانية في المنطقة، وملف الثورة السورية، والملف اليمني أيضاً، علاوة على صدور (قانون جاستا) الذي يراه مراقبون ممهداً لابتزاز المملكة وإخضاعها لحسابات اقتصادية وسياسية. ويزيد من عدم الارتياح لدى الجانب السعودي تسلم ترامب الرئاسة، حيث من المحتمل أن يتوجه بسياسته في مواجهة الإرهاب في غير الاتجاه الذي ترغب فيه عدد من دول المنطقة، ومنها المملكة، إما بالانكفاء مجدداً حيال الملفات المشتعلة في المنطقة، أو بالعمل بشكل سلبي في تعامل أمريكا إجرائياً مع مواطني الدول الإسلامية.

خلال الجولة الأخيرة للملك سلمان استعرض في جل خطاباته ملف مواجهة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار والأمن في العالم، وكأن هناك ما يشير إلى مضي المملكة في البحث عن شركاء سياسيين باتجاه حلحلة بعض الملفات في المنطقة، خاصة بعد إلماح الملك السعودي لماليزيا وإندونيسيا بأن هناك نوعاً مغايراً من العلاقات، برز ذلك في لقاء الملك سلمان بممثلي الشعب الإندونيسي، ولقائه قيادات دينية ماليزية، ربما يدفع ذلك إلى تفعيل دور هذه الدول إلى جانب المملكة، على الرغم من عدم انخراط إندونيسيا في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب الذي تقوده المملكة. وفي حال اتخذت الولايات المتحدة مزيداً من النهج السلبي الذي قد يضر بمصالح المملكة ودول شرق آسيا، خاصة الصين، فقد يبعث ذلك الرغبة في تعزيز العلاقات بين هذه الأطراف.

إشكاليات محتملة في وجه التقارب

1- تحولات أمام تصدير النفط

من أبرز مقومات العلاقة بين المملكة ودول شرق آسيا الصناعية تصدير النفط السعودي لهذه الدول، فالمملكة تلبي حالياً ما يقارب من 30% من الواردات النفطية لكل من الصين واليابان، وعلى الرغم من استقرار تدفق النفط السعودي لشركائها في الشرق، فإن حدوث تغير في معدل تصدير المملكة للنفط، أو إيجاد موردين آخرين لديهم القدرة على تلبية الطلب، وإحداث تسويات تجارية واقتصادية، ربما ينعكس على علاقة المملكة مع هذه الدول، ففي الوقت الذي تخوض فيه المملكة مواجهة شاملة ضد إيران في المنطقة العربية، تحيط بالمملكة جبهات ساخنة تخوض في إحداها حرباً مباشرة في اليمن، ولا يبدو الأمر في الشمال مؤشراً على الاستقرار؛ حيث يسير العراق إلى نفق مظلم نتيجة الحرب القائمة في الموصل، التي أحدثت إلى الآن حركة تهجير واسعة لأهالي الموصل، إضافة إلى سماح الحكومة العراقية بانتشار الميليشيا الشيعية التي قد تهدد أمن المملكة في أي لحظة، وربما يفتح ذلك مواجهة أخرى قد تعيق من استقرار التبادل التجاري للمملكة وطبيعته، خاصة أنها تعتمد على باب المندب ومضيق هرمز منافذَ مهمةً في حركة تصدير النفط، ويبقى تحسن العلاقات السعودية الأمريكية مستقبلاً داخلاً ضمن حسابات تأثر العلاقات السعودية الصينية في حال استمر التصعيد الأمريكي ضد الصين.

وأمام تطور آخر فقد بدأت اليابان باستقبال أول دفعة من النفط الأمريكي العام الماضي، وهو ما يوحي بإمكانية استيراد الدول الآسيوية للنفط من خلال بوابات جديدة قد تقلل من استمرار الاعتماد على النفط السعودي.

2- خطوات سير برنامج 2030 السعودي

الرؤية السعودية 2030 لا تزال في إطار خطاها الأولية، والتي من الواضح اعتمادها على العمل مع شركات وخبرات خارجية، وانفتاح مرتقب نحو خصخصة شركة أرامكو التي تواصل عقد اتفاقياتها في استثمارات خارجية كما حصل خلال زيارة الملك الأخيرة، وإن بدأت الاستعانة بشركات أجنبية، والعمل على تحريك مشاريع الرؤية، فقد يحدث ما يعيق سير هذه الرؤية، خاصة مع استمرار معدلات تعثر المشاريع القائمة حالياً في المملكة، وكثرة الوعود لحل أزمة الإسكان التي أعلن عن توزيع جزء من المنتجات السكنية تحت إطار الرؤية، والتي لم توزَّع بعد، بالإضافة إلى وجود رؤى مختلفة مع فكرة خصخصة شركة أرامكو، وخروج دعوات لمراعاة بقاء ملكيتها للدولة.

إن حدوث أي حالة تعثر للرؤية قد تنعكس على الاتفاقيات المبرمة مع شركات الدول الشرق آسيوية، ولربما يترك ذلك أثراً عكسياً في مدى نجاح شراكة هذه الدول مع المملكة، والارتقاء بمستوى العلاقات مستقبلاً. 

خاتمة

الجولة الأخيرة للملك سلمان أكدت رغبة المملكة في الاتجاه نحو دول الشرق الآسيوي حيث سبقها العديد من اللقاءات الرسمية، وإبرام عشرات الاتفاقيات، لقد باتت المصالح السعودية تحت تأثير عدد من المخاطر، يأتي في مقدمتها تهديد النفوذ الإيراني، إلى جانب العجز الذي رافق ميزانية الدولة على مدار العامين الماضيين، والتحدي الماثل أمام تحقيق تقدم في البنية التحتية للاقتصاد السعودي في إطار رؤية 2030، وما قد يحيط بالرؤية السعودية من عقبات داخلية؛ كاستمرار تعثر المشاريع، والفساد الإداري، لذا حرصت المملكة على الذهاب نحو دول الشرق الآسيوي لتعزيز التعاون الاقتصادي ربما لتسريع العمل في مشاريع رؤية 2030 بعيداً عن تأثير التقلبات السياسية التي قد تقف حجر عثرة أمام الشراكة مع بعض الأصدقاء التاريخيين كالولايات المتحدة.

من الممكن أن يحل قانون جاستا بتبعات سلبية على العلاقات بين البلدين في حال تجريم المملكة تبعاً للقانون، في المقابل يمكن أن تزداد العزلة الأمريكية وتفقد دورها في المنطقة تدريجياً بفعل سياسة الرئيس ترامب التي عبر عنها محتوى خطاباته، ولهذا فمن المتوقع أن تسير العلاقات السعودية الشرق آسيوية بعنوانها الاقتصادي العريض في طريق الشراكة الاستراتيجية لأسباب؛ منها أن العلاقات بين الجانبين كانت- ولا تزال- في تطور مستمر، حيث لم يحدث ما يعكر أجواء هذه العلاقات من قبل، بالإضافة إلى أن كثيراً من الاتفاقيات الموقعة أخذت طابعاً استراتيجياً وحيوياً كمشاريع البنى التحتية والاستثمار في مجال النفط، إلى جانب التصنيع العسكري الذي قد تعارضه أمريكا في حال عرضت المملكة مساعدتها في تنفيذه، ومن المحتمل أيضاً ألا تظل أمريكا مراقبة لمثل هذا التطور الذي قد يبيِّن لها أنه سيمنح الصين نفوذاً أكبر في المنطقة العربية من خلال الشراكة مع المملكة، ويسهل للسياسة الصينية أداء أدوار فاعلة في السياسة الدولية، وعليه؛ فمن المهم أن تتفهم المملكة مثل هذا الواقع التنافسي بين القوى الكبرى، والتفكير بجدية في كيفية مراعاة مصالحها الاستراتيجية وخدمة أمنها القومي، إلى جانب تدعيم علاقاتها مع الفاعلين الدوليين.

وينتظر أيضاً أن تحدث الزيارة تقدماً في مستوى التنسيق بين المملكة وكل من ماليزيا وإندونيسيا في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب، والدفع نحو إبراز دور كل من ماليزيا وإندونيسيا لإعطاء صورة أكثر انسجاماً وتماسكاً من حيث الموقف تجاه التهديدات الأمنية، حيث يتوقع انضمام إندونيسيا للتحالف الإسلامي الذي تتزعمه المملكة.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية