AR EN

تركيا .. النظام الرئاسي والتوجه الخارجي

وحدة الرصد والتحليل
26 يوليو 2018
تحميل نسخة pdf

مقدمة

في التاسع من يوليو/تموز 2018، وبعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليمين الدستورية أمام البرلمان التركي الجديد كأول رئيس للجمهورية التركية بعد التحول للنظام الرئاسي الذي يتمتع به رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة تمكنه من إدارة البلاد على جميع المستويات؛ السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وقد رافق هذا التحول تحول آخر على مستوى صناعة القرار في السياسة الخارجية؛ من الخارجية التركية والدبلوماسيين إلى المؤسسة الرئاسية، حيث بدأ المستشارون والمقربون من الرئاسة يمارسون أدواراً محورية في نفس المجال. فما جوهر التغيرات في بنية الدولة؟ وهل سيفضي ذلك إلى تغير في سياسات تركيا الخارجية وخصوصاً ما يتعلق بالملفات الدولية ومحيط تركيا الملتهب؟

 التشكيلة الرئاسية للجمهورية التركية

بعد عملية الاستفتاء الشعبي والانتخابات الرئاسية والبرلمانية تكون تركيا قد أسدلت الستار على النظام البرلماني، ودخلت مرحلة جديدة عنوانها (الاستقرار في الداخل والتأثير في الخارج)، ولهذا سارعت إلى إرساء مداميك النظام الرئاسي الجديد؛ بدءاً بتشكيل الهيئات السيادية والاستراتيجية التابعة للرئاسة، مروراً بإعلان التشكيلة الحكومية الجديدة، وأخيراً إعلان مجلس الشورى العسكري، وقد حوت هذه التشكيلة الجديدة تغييرات وتعديلات جذرية على مستوى البنية، فما هي هذه التغييرات؟

أولاً: رئيس الجمهورية

حظيت صلاحيات الرئيس في النظام الرئاسي الجديد بالكثير من النقاشات والجدل باعتبارها مركز التحول، حيث أضيف للرئيس صلاحيات جديدة وجزء كبير من صلاحيات البرلمان، بالإضافة إلى أن رئيس الجمهورية سيحتفظ بزعامة حزبه بعد أن كان يشترط عليه ترك الحزب خلال رئاسته للدولة، وسيحظى بسلطة إصدار مرسوم رئاسي بشأن كل المسائل المتعلقة بسلطاته التنفيذية، ومن صلاحياته تعيين أو إقالة كبار مسؤولي الدولة، ومن ضمنهم الوزراء، ويمتلك صلاحية تعيين نائب أو نواب الرئيس، ويتولى إعداد قوانين الموازنة العامة بموافقة البرلمان، ومن صلاحياته إعلان حالة الطوارئ، ويعرض كذلك القوانين المتعلقة بتغيير الدستور على استفتاء شعبي.

ثانياً: هيئات الرئاسة

الصلاحيات الواسعة لمؤسسة الرئاسة استدعت استحداث عدد من الهيئات الاستراتيجية والسياسية التابعة للرئاسة التركية، وستكون إلى جوار الرئيس في هندسة السياسة الداخلية والخارجية للبلاد وهي:

  • هيئة العلوم والتكنولوجيا وسياسات التجديد.
  • هيئة سياسات التعليم والتدريس.
  • هيئة السياسات الاقتصادية.
  • هيئة السياسات الأمنية والخارجية.
  • هيئة السياسات القانونية.
  • هيئة السياسات الثقافية والفنية.
  • هيئة السياسات الغذائية والصحية.
  • هيئة السياسات الاجتماعية.
  • هيئة سياسات الإدارات المحلية


ثالثاً: تغيير شكل الحكومة

ضمت تشكيلة الحكومة الجديدة التي أعلنها (أردوغان) 16 وزيراً، ومن الملاحظ في هذه التشكيلة دمج بعض من الوزارات في بعض، فبعد أن كانت الوزارات 26 وزارة تحولت إلى 16 وزارة، كذلك ألغيت بعض الوزارات؛ كوزارة شؤون الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى استمرار بعض الوزراء في مناصبهم السابقة، وذلك ربما بناء على أدائهم الجيد خلال الفترة الماضية، ومنهم وزيرا الخارجية والداخلية، في حين جاء تعيين بقية الوزراء بناء على تخصصاتهم في هذه المجالات، وأغلبهم تكنوقراط ولا علاقة لهم بالعمل الحزبي، ومن الملاحظ كذلك تعيين (خلوصي أكار)، الرئيس السابق لهيئة الأركان التركية، وزيراً للدفاع، وهذا يدل على ثقة القيادة السياسية بأدائه العسكري خلال الفترة الماضية، والذي أحدث تحولاً ملحوظاً على المستوى العسكري خارج الحدود؛ تمثل في استخدام القوة الصلبة لتأمين الأمن القومي التركي، ونشر عدد من القواعد العسكرية التركية خارج البلاد.

ومن الملاحظ كذلك في هذه التشكيلة تعيين أردوغان لصهره براءة البيرق في منصب وزير المالية والخزانة، وهذا ما يؤكد أن الرئيس ماضٍ في سياسته الاقتصادية الخاصة، التي تركز على إعطاء الأولوية لتخفيض الفائدة إلى أدنى درجة ممكنة، وهو أمر غير إيجابي من وجهة نظر البعض الذين يرون أن ذلك يؤدي إلى حرمان تركيا المزيد من الاستثمارات الخارجية.

 رابعاً: مجلس الشورى العسكري

نشرت الجريدة الرسمية التركية، يوم الأحد 14 يوليو/تموز 2018، مرسوماً رئاسياً يقضي بإعادة هيكلة مجلس الشورى العسكري الأعلى من جديد وإضافة أعضاء آخرين، وبحسب المرسوم الجديد فإنّ المجلس يتكون من "نواب رئيس الجمهورية، ووزراء العدل والخارجية والداخلية والخزانة والمالية والتربية والدفاع، إضافة إلى رئيس الأركان وقادة القوات المسلحة".

وبناء على البيان السابق فإن مهمة المجلس تكمن في تقديم الآراء حول القضايا المتعلقة بتحديد الأفكار الاستراتيجية العسكرية والأهداف الرئيسية للقوات المسلحة، وستدخل قراراته حيّز التنفيذ بعد توقيع رئيس الجمهورية، وستكون اجتماعات المجلس سرية.

خصائص السياسة الخارجية التركية

كل ما سبق ذكره يتعلق بالتركيبة الداخلية، أما الجزء التالي من هذه الورقة فيدرس شكل السياسة الخارجية في ظل النظام الرئاسي، بعد تعرُّف أهم محددات السياسة الخارجية التركية؛ وهي:

  • التوازن بين المصالح القومية والمبادئ الإنسانية.
  • الحرص على تعزيز الحضور في النادي الدولي، والدعوة لنظام عالمي أكثر عدلاً وفاعلية، حيث عُرف عن الرئيس التركي أردوغان مطالبته بتصحيح منظومة مجلس الأمن، مؤكداً أن العالم أكبر من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
  • استثمار مكانتها الجيوسياسية كجسر بين الشرق والغرب، فهي دولة أوربية وآسيوية وعلى مقربة من القارة الإفريقية عن طريق البحر الأبيض المتوسط.
  • الوقوف على مسافة واحدة من الصراع السني الشيعي في المنطقة، والمحافظة على سياستها المتوازنة تجاه الطرفين ومحاولة سد الفجوة بينهما.
  • نسج علاقة شبه متوازنة بين أمريكا وروسيا، والحرص على عدم التضاد في التعامل مع الدولتين المتصارعتين، وتجاوز حالة التوظيف السياسي للغرب الذي يعد تركيا الحارس الشرقي للحدود الغربية لأوروبا والحصن المتين لها ضد المد الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط، إلى محاولة الظهور كشريك فعلي في المنطقة.

الملفات الساخنة

أمام النظام السياسي التركي الجديد عدد من الملفات الدولية المفتوحة التي تتطلع أنقرة لمعالجتها، أو تلك التي تتعلق بمحيطها الملتهب في سوريا والعراق ومن هذه الملفات:

  • ملف العلاقة مع واشنطن

تُعد تركيا بلداً محورياً في السياسة الأمريكية الحالية، ولهذا لن تستطيع أمريكا التخلي عنها، كما لا تستطيع تركيا الاستغناء كلياً عن الغرب، لكن العلاقة التركية الأمريكية قد شهدت حالة من الفتور في السنوات الماضية لأسباب مباشرة أو غير مباشرة، وكان من أشهرها ملف فتح الله غولن؛ حيث تتهم أنقرة واشنطن بأنها من سهلت خروجه من تركيا واستقراره في أمريكا، وتقدمت تركيا بعدد من الطلبات الرسمية للإدارة الأمريكية تطالب فيها بتسليم غولن، في حين ترى أمريكا أن قرار التسليم قانوني وليس سياسياً، وهذا ما لم يتم إلى الآن، وفي المقابل تحتجز تركيا القس الأمريكي (أندرو برانسون)، إذ وجهت له الاتهام بمساعدة جماعة غولن، وقد طالبت الولايات المتحدة الأمريكية تركيا بالإفراج عنه، وهذا ما رفضته تركيا على لسان الرئيس التركي، الذي قال في مقابلة مع محطة (N.T.F): "إن على الولايات المتحدة أن تراجع تصرفاتها إذا كانت تريد عودة قس أمريكي مسجون في تركيا بسبب صلته بالانقلاب الفاشل".

ومن القضايا المتأزمة بين البلدين الموقف الأمريكي المتراخي حيال الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان العراق، كذلك الدعم الأمريكي لأكراد سوريا كإجراء تراه الإدارة الأمريكية ضرورياً لمواجهة تنظيم الدولة في سوريا، في حين تعارضه تركيا بشدة، وترى فيه تهديداً واضحاً لوحدة سوريا؛ لأنه سيشعل فتيل الأزمة بين العرب والأكراد، وفي هذا تهديد للأمن القومي التركي، كما ترى في ذلك ازدواجية أمريكية في الحرب على الإرهاب ودعمه في نفس الوقت في العراق، وفي هذا مؤشر على رغبة أمريكا بإبقاء ملف الأكراد كأداة من أدوات سياستها الخارجية تجاه تركيا.

 كذلك شاب التوتر العلاقة بين البلدين بسبب ما يتعلق بمنظومة الصواريخ إس 400 التي تريد تركيا شراءها من روسيا، وترفض أمريكا ذلك. إضافة إلى تباين موقف الطرفين من الملف الفلسطيني؛ حيث رفضت أنقرة إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، كممهد لمشروع صفقة القرن التي تسعى الإدارة الأمريكية لتطبيقها في المنطقة.

في ظل هذه الملفات المفتوحة بين أمريكا وتركيا تحرص تركيا على أن تظل العلاقة بأمريكا استراتيجية، وقد تسعى خلال الفترة القادمة لحلحلة كثير من الملفات المتعلقة بهذا الشأن، صحيح أنها لن تستطيع تصفير الأزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها ستسعى للتخفيف من أجواء الاحتقان، في حين سيظل خيار تفاقم الأزمة بين البلدين أقل احتمالاً في الظروف الراهنة، وهناك عدد من المؤشرات في هذا الشأن، منها وجود بعض النقاط المتفق عليها بين البلدين ويسعيان لحلها معاً، مثل قضية الصراع العربي الصهيوني الذي تسعى الدولتان لحله على أرضية مشتركة، وإن اختلفت وجهة نظر الطرفين، كذلك انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وهو ما تؤيده أمريكا، كذلك التصريحات الإيجابية بين الطرفين في الآونة الأخيرة، لا سيما بيان الرئاسة الأمريكية عقب فوز الرئيس التركي الذي أكد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، لا سيما على الصعيد العسكري والدفاعي، وفي نفس الصعيد ادعت ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية في حلف الناتو، كاي بيلي هاتشيسون، في تصريح لوسائل الإعلام الأمريكية أن روسيا تحاول إبعاد تركيا عن الناتو وزعزعة الاستقرار السائد داخل الحلف، وأكدت أن روسيا لن تستطيع زرع الفتنة بين أنقرة والناتو. وهذا ما يؤكد أن هناك نية مشتركة للتفاهم، يعزز ذلك وجود ثلاث لجان مشتركة متخصصة في حل الملفات العالقة بين أنقرة وواشنطن، وعلى رأسها اللجنة المتعلقة بملف الراهب الأمريكي وفتح الله غولن، وقد باشرت عملها، وتعول أنقرة بشكل كبير على هذه اللجان، وترى فيها بادرة حقيقية لحل الأزمة بين الطرفين.

  • ملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

بالرغم من حرص أنقرة على الدخول إلى النادي الأوروبي، فإن المماطلة الأوروبية خلال تسع عشرة سنة من التفاوض أعطى الجانب التركي، حكومة وشعباً، حالة من الشعور بأهمية البحث عن بدائل، والاعتماد على الذات في هندسة تحالفات استراتيجية مع أطراف دولية أخرى، ومن مؤشرات تراجع الاهتمام التركي بهذا إلغاء وزارة الشؤون الأوروبية في تشكيلة الحكومة الجديدة، والاكتفاء فقط بوزارة الخارجية، ويبدو أن مهمة الرئيس التركي في إعادة المفاوضات مع الاتحاد صعبة، خصوصاً أن معظم الدول الأعضاء ترفض تماماً العودة للمفاوضات، وخصوصاً ألمانيا، التي تظهر على رأس تلك الدول، ومما يظهر أن قضية الانضمام للاتحاد الأوروبي لن يحدث فيها جديد إلا على مستوى الشراكة، حسب المقترح الفرنسي الأخير الذي يقترح قبول تركيا بالشراكة عوضا عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي غير أن رد "أردوغان" كان حاسما بقوله إن بلاده "لن تستجدي الانضمام للاتحاد الأوروبي".

  • ملف القضية الفلسطينية والعلاقة مع (إسرائيل)

اتسمت السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية والموقف من الممارسات الإسرائيلية بحالة من الحذر والتوازن بين الوقوف مع مظلومية الشعب الفلسطيني ومصالحها مع (إسرائيل)، بيد أن إعلان الرئيس الأمريكي ترامب نقل السفارة إلى القدس دفع أنقرة للتصعيد ضد هذا القرار، وهذا ما جاء في خطاب الرئيس أردوغان أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، في 5/12/2017، حيث قال إن بلاده "سوف تقدم على سلسلة خطوات في حال إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نقل سفارتها في إسرائيل إلى مدينة القدس المحتلة، أو الاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل"، وهذا ما تم فعلاً؛ حيث وجهت أنقرة تحذيراً للرئيس ترامب من عواقب هذا القرار، وعقدت قمة عاجلة لزعماء دول منظمة التعاون الإسلامي دعت إليها بوصفها رئيسة الدورة الحالية للمجلس.

ومما يعزز الدور التركي رفض الكثير من القوى الدولية لقرار نقل السفارة، وهذا ما ينذر بخطوات تصعيدية قادمة بين البلدين، خصوصاً بعد طلب تركيا من السفير الإسرائيلي مغادرة البلاد وطردها للقنصل الإسرائيلي من إسطنبول، بسبب المجازر الدموية بحق الشعب الفلسطيني على خلفية مظاهرات العودة الكبرى.

ومن مؤشرات تصاعد الأزمة كذلك قانون إسرائيل الأخير (الدولة القومية اليهودية) الذي أقره البرلمان الإسرائيلي ونص على أن القدس الكبرى والموحدة عاصمة لإسرائيل، الذي أدانته تركيا بلهجة حادة على لسان المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، الذي قال: "لا يمكن القبول إطلاقاً بهذه الخطوة العنصرية التي تدفع باتجاه محو الشعب الفلسطيني من وطنه الأم بمسوغ قانوني"، داعياً المجتمع الدولي إلى أن "يبدي موقفاً حيال هذا الظلم الواقع أمام أنظار العالم"، وتابع: "جمهورية تركيا تجدد مرة أخرى تصميمها على حماية حقوق الشعب الفلسطيني الصديق والشقيق النابعة من القانون الدولي".

ملف العلاقة التركية الروسية

يقف الطرفان على مسافة واحدة من الإدراك بأهمية استمرار العلاقات الثنائية؛ نظراً لفتور علاقة الطرفَين مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، من ناحية أخرى تحرص موسكو على تفكيك حلقات التحالف الأمريكي التركي فضلاً عن مساعيها إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، وهذا يتطلب التفاهم مع تركيا وإيران، لكن تركيا لا ترى في العلاقة مع الروس بديلاً عن العلاقة بالغرب، وما دفع أنقرة لهذا إلا حالة التوتر بين البلدين الذي استغلته موسكو في التقارب مع أنقرة.

ومن المتوقع أن تشهد العلاقة بين البلدين في الفترة القادمة حالة من التأرجح، وربما تشهد فتوراً إذا لمست تركيا توجهاً حقيقياً من الغرب لاحتوائها، مع احتفاظ تركيا بخط رجعة بالنسبة لعلاقتها بروسيا، كما أن العلاقة قد تتوتر بين البلدين في حال اشتد الصراع بين أرمينيا الحليفة لروسيا وأذربيجان الحليفة لتركيا، فضلاً عن تداعيات الملف السوري.

  • الملف الإيراني

تتسم العلاقة بين تركيا وإيران بالتنافسية نتيجة التباين التاريخي والمذهبي، ووحدة ساحات النفوذ، ولهذا فقد شهدت العلاقة بين البلدين حالات من التأزم، خصوصاً بعد التدخل الإيراني في سوريا ووقوفها ضد الشعب السوري، إلا أن تركيا حرصت خلال الفترة الماضية على تسوية الوضع مع إيران لعدة أسباب؛ منها أن إيران تعد مصدراً من مصادر الطاقة بالنسبة إلى تركيا، وللحد من سيطرة الأكراد على الشمال السوري، أضف إلى ذلك الاستفتاء على الانفصال في إقليم كردستان العراق، وهذا ما عدته الدولتان مهدداً للأمن القومي المشترك.

ويبدو أن العلاقة التركية الإيرانية ستبقى على حالة من التفاهم نتيجة عدد من المخاطر المشتركة التي تهدد البلدين.

  • ملف العلاقة باليونان

تعد أزمة قبرص من أعقد الأزمات التي يعيشها البلدان، منذ التدخل العسكري التركي عام 1974، الذي انقسمت بسببه الجزيرة إلى قسمين، قبرص التركية تحت حماية الجيش التركي، وقبرص اليونانية تحت حماية اليونان، إضافة إلى الخلاف على المياه الإقليمية بين البلدين في بحر إيجه، ولهذا فقد شهدت العلاقات بين تركيا واليونان توترات حادة خلال مراحل ماضية مختلفة، ومما قد يعمق الأزمة مع اليونان إصرار اليونان على التنقيب عن الغاز الذي تزعم حكومة شمال قبرص أنه في منطقة اقتصادية حول الجزيرة تابعة لها، في حين تسعى مصر وإسرائيل للتعاون مع اليونان في اكتشاف النفط في هذه المنطقة، وهو ما قد ينذر بأزمة حادة بين البلدين.

في المقابل هناك نية جادة لدى الرئاسة التركية لحل هذا الملف، وهو ما ظهر في زيارة الرئيس التركي لليونان أواخر العام الماضي، أضف إلى ذلك أن اليونان التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة تهدد عضويتها في الاتحاد الأوروبي قد تجد في الانفتاح على تركيا، وإقامة مشاريع اقتصادية للنقل والتجارة والسياحة، ومد خطوط الطاقة، مخرجاً لأزمتها المالية، وهذا يعتمد على فاعلية النظام التركي الجديد في حلحلة الملفات الشائكة مع دول الجوار.

  • ملف العلاقة بالمنطقة العربية

لا شك أن المنطقة العربية تمثل عمقاً استراتيجياً بالنسبة إلى تركيا، ولذا فقد حرصت تركيا على تعميق العلاقة مع الدول العربية، إلا أن العلاقة تشهد توتراً واضحاً بين تركيا وبعض الدول العربية، فهي مقطوعة مع مصر، وقلقة مع الإمارات، وباردة مع السعودية، في حين تشهد تطوراً مطرداً مع قطر والسودان، وبشكل أقل مع الكويت وسلطنة عمان، فضلاً عن استقرارها مع دول المغرب العربي، وقد اتهمت أنقرة بعض الدول العربية بالتدخل في الشؤون التركية واستهداف العملة التركية التي شهدت تراجعاً أمام الدولار مؤخراً، وهذا ما ألمح إليه وزير الخارجي التركي في أواخر مايو/أيار الماضي حيث قال: "إن هناك دولتين مسلمتين تقفان وراء الحملة التي استهدفت الليرة التركية وأدت إلى هبوطها الحاد مقابل الدولار الأمريكي".

لكن ثمة نية لدى الأتراك نحو الدفع باتجاه الحل السياسي في فلسطين وسوريا، مع استمرار العمليات العسكرية نسبياً في سوريا، وتطوير العلاقات مع العراق، وتهدئة التوتر مع مصر سياسياً ودبلوماسياً، وتنمية العلاقة مع الكويت وعمان وقطر والأردن وشمال إفريقيا، فضلاً عن الحفاظ على علاقتها مع السعودية.

خاتمة

يظهر مما سبق أن ملف السياسة التركية الخارجية شائك ومعقد ومفتوح على أكثر من صعيد، نظراً للرغبة التركية في أخذ الموقع المناسب لها بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية فاعلة، فضلاً عن مكانتها الجيوسياسية، ولهذا فإن الإدارة التركية الجديدة ستحاول تعزيز نفوذها في المنطقة وترميم علاقتها مع بعض الأطراف الدولية بما لا يخل بمصالحها الاستراتيجية، كما ستحاول أنقرة التوازن في علاقتها بروسيا وأمريكا، كما ستسعى إلى تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط كعمق استراتيجي هام، مع تعزيز العلاقة بآسيا الوسطى بوصفها عمقاً قومياً، ويمكن أن يكون لأذربيجان دور مهم في هذا الصدد، وهذا ما يفسر زيارة الرئيس التركي لأذربيجان بعد فوزه في الانتخابات كتقليد تركي وربما له انعكاساته المستقبلية، وقد يكون لأنقرة دور الوسيط بين أمريكا وإيران من جهة والسعودية وإيران من جهة أخرى؛ في محاولة الوصول إلى تسوية سياسية في المنطقة.

واقتصادياً ستحاول تركيا تكثيف جهودها في القارة السمراء كسوق تجارية واعدة.

 

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية