AR EN

حدود التحول الأمريكي في سوريا وإمكانية البناء عليه

وحدة الرصد والتحليل
20 أبريل 2017
تحميل نسخة pdf

على خلاف المتوقع من أن سياسة الرئيس ترامب ستكون انكفائية ومركزة حول الإصلاح الاقتصادي الداخلي، أظهرت الضربة الأمريكية لقاعدة الشعيرات العسكرية في سوريا، رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة في العودة إلى المنطقة، ومنع الروس من التحكم في تفاعلاتها، خصوصاً الملف السوري، الذي بدأت موسكو تمسك بطرفيه (النظام السوري وإيران من جهة، والمعارضة السورية وتركيا من جهة أخرى)، من خلال حوارات (أستانة) التي تغيبت عنها واشنطن.

في السابع من أبريل/نيسان 2017 أطلقت سَفينتان أمريكيتان؛ (بورتر) و(روس)، 59 صاروخاً من نوع (توماهوك) على مطار الشعيرات العسكري وسط سوريا، وذلك رداً على استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في خان شيخون، الذي أسفر عن مقتل ما يزيد على 100 مدني وإصابة 500، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وشكّل الهجوم الأمريكي مفاجأة لمتابعي الشأن السوري؛ لما اتسم به الدور الأمريكي سابقاً من سلبيّة، فكانت الغارة الصاروخية تغيّراً لافتاً في مسار السلوك الأمريكي المعهود مع الملف السوري، وخاصّة بعد الوعود الانتخابية للإدارة الأمريكية الجديدة، التي بدت غير مهتمة بشيء كاهتمامها بمحاربة الإرهاب، وقد عزّزت التصريحات الأخيرة للإدارة الجديدة ذلك التغيّر، حيث صرحت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، عقب الهجوم الصاروخي الأمريكي على القاعدة الجوية، بأنه لا يمكن أن تتم عملية سياسية في سوريا في ظل وجود بشار الأسد.

بل ذهبت الإدارة الأمريكية أبعد من ذلك في تصريحاتها، حيث قال وزير الخارجية تريلسون إن عهد الأسد يقترب من نهايته، وفق رويترز. وكانت تصريحات هيلي نفسها، في مارس/آذار الماضي، قد أظهرت أمريكا وكأنها تعد إزاحة الأسد أولوية حسب تصريحات نيكي هيلي مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وفق رويترز في 30 مارس/آذار، وبأن إزاحته الآن قد تشوش على محاربة الإرهاب.

فهل تعد تلك الانعطافة في التوجهات الأمريكية تكتيكاً مؤقتاً لغاية محددة؟ أم أنها قد تصل إلى حد العمل الجاد، الذي قد يفضي في نهاية المطاف إلى تغيير في الواقع السوري العالق منذ ست سنوات، خصوصاً أن الإدارة الأمريكية القديمة قد أسهمت في إطالة الحرب في سوريا، وتسبب ذلك في فراغ ملأه تنظيم الدولة (داعش)، فلا الأسد استطاع كبح رغبة التغيير عند ثوار سوريا، ولا الثوار يجدون القدرة والدعم الكافي لإزاحته وإيجاد البديل.

كيماوي الأسد في البيت الأبيض

لم تكن مجزرة خان شيخون المرة الأولى التي يستخدم فيها الأسد السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري، فحادثة عام 2013 الشهيرة عصيّة على النسيان، والتي راح ضحيتها أكثر من ألف شخص أغلبهم من الأطفال والنساء، كما أثبتت لجنة التحقيق الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، المشكّلة بقرار 2235 لعام 2015، مسؤولية نظام الأسد باستخدام السلاح الكيماوي ثلاث مرات حتى أكتوبر/تشرين الأول 2016، وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها وثقت 9 هجمات كيماوية جوية، من بداية 2017 فقط حتى شهر أبريل/نيسان من العام ذاته.

ارتفع سقف الخطاب الأمريكي بشكل ملحوظ واشتدّت وتيرته بعد أن انتشرت الصور التي أظهرت حجم جريمة الأسد في عام 2013، وكان الارتباك هو السمة البارزة على حلفاء الأسد، ووصل الخطاب الأمريكي إلى مرحلة التهديد الجدّي بالعمل العسكري، حيث تحركت كبرى البوارج الأمريكية باتجاه البحر المتوسط، ووُضعت الخطط وحُددت الأهداف، وتابع الإعلام الدولي الأحداث بشكل دقيق، وهو يرقب لحظة الهجوم على قواعد الأسد وتدميرها من قبل الجيش الأمريكي.

المراقب حينها كان يظنّ أن إدارة أوباما بدأت تتحرك بدافع إنساني، حيث إن الجريمة بلغت مرحلة وصفت بالتاريخية، إذ إن مكانة الولايات المتحدة لا تسمح لها بأن تبقى دون تحرّك، لكن تلك التهديدات تمخضت عن اتفاق روسي - أمريكي، يقضي بسحب مخزون السلاح الكيماوي من سوريا، وتوقيعها على معاهدة حظر السلاح الكيماوي، تحول بعدها الأسد إلى شريك مفاوض في جنيف2.

هل هو دهاء الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، أم أن الغاية الأمريكية أصلاً لم تكن لتصل إلى حدّ إزالة نظام الأسد بشكل حقيقي؟ قد لا يكون الجواب مهمّاً هنا بقدر أهمية إدراك صانع القرار اليوم لما يمكن أن تؤول إليه التهديدات الأمريكية الجديدة، وأن يكون مستحضراً لتاريخ قريب، أثبت أن القرار الأمريكي في الملف السوري مرتبك، أو أن المصلحة الأمريكية تكمن في إطالة أمد الصراع.

أما عن الفروق بين حادثتي استخدام الكيماوي، فهي كثيرة ومهمة، فإدارة ترامب قد تكون معنية أكثر بإعادة تشكيل صورة (أمريكا القوية) في الأذهان؛ حسب الدعاية الانتخابية للرئيس ترامب، والفرق الأهم هو أن الأمريكيين قد نفذوا تهديدهم حفاظاً على الخطوط الحمراء التي لم تُحترم مرات كثيرة، صحيح أن الأثر كان محدوداً ميدانياً، لكنه يُعَدُّ التحرّك العملي الأول في الساحة السورية لقصف أهداف جيش الأسد.

هل خرق الأسد قواعد اللعبة؟

من الأمور اللافتة للمتابع أن تصريحات الإدارة الأمريكية الجديدة كانت ترسل رسائل مطمئنة للأسد ضمنياً، فمثلاً لا تخفى حالة ارتياح بشار الأسد في المقابلة التي أجرتها معه قناة فينيكس الصينية في مارس/آذار الماضي، حين قال إنه- نظرياً- يتشارك مع ترامب نفس الأولويات، وبلغت التصريحات المطمئنة ذروتها قبيل حادثة الكيماوي، وبعد الحادثة فوراً تبدلت إلى النقيض تماماً (إذا ما تناقصت وتيرتها لاحقاً).

ويمكن فهم التصريحات الأمريكية المطمئنة قبل حادثة (خان شيخون)، من حيث حرص إدارة ترامب على التركيز على محاربة تنظيم الدولة بالشراكة مع الروس، لكن ما لم يحسبه الأسد هو موقف إدارة الرئيس ترامب من السياسة الإيرانية، وتوتر العلاقة بين واشنطن وطهران، والتي لولاها لما ضربت طائرات الأسد.

منذ بداية الثورة السورية استعمل الأسد مختلف أنواع الأسلحة؛ من قذائف وطائرات ومدرّعات وصواريخ سكود وبراميل، فاستمرّ مؤشر عدّاد الموتى في سوريا بالارتفاع، إلى أن أعلنت الأمم المتحدة إيقاف إحصاء الضحايا وتسجيلهم، ليصير رقماً تسعى وراءه جهات التقصّي والتوثيق الخاصة. وفي ظل كلّ ذلك لم يُعدَّ الأسد منتهكاً لقواعد اللعبة الدوليّة، فلم يستوجب فعله تحرّكاً خارج مجلس الأمن، كما تحرّكت الولايات المتحدة سابقاً مثلاً تجاه العراق.

وبمتابعة الأفعال التي صدرت من الأسد، والتي استوجبت ردّاً دوليّاً، أو بما يترشّح من ثوابت ملزِمة لجميع الأطراف في جلسات التفاوض السريّة والمعلنة، يمكن لنا حصر القواعد الموضوعة بالآتي:

- حماية إسرائيل.

- علمانيّة الدولة.

- حماية الأقليّات.

ومن الواضح أن استعمال سلاح كيماوي خط أحمر؛ لما فيه من تهديد لأمن إسرائيل، ولو كان يقتل من السوريين أقلّ مما تقتل البراميل الغبية، التي تحصد أرواح مئات المدنيين شهرياً في سوريا، لكنها لا تشكل خطراً على إسرائيل، بذلك يكون القصدُ في أداة الجريمة لا بالجريمة، ومن هنا يمكن فهم جزء من التداعي الدولي الحالي.

دوافع التغيير

- لا يمكن قياس أثر الضربة الأمريكية للقاعدة الجوية لجيش الأسد من ناحية الأثر الميداني المباشر، فللهجوم مسببات ونتائج غير متصلة على نحو مباشر بالوضع الميداني والخسائر المادية، فالضربة إشارة صريحة إلى تغيير واضح في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، وكان هذا واضحاً في كلام ترامب بأنه غيّر موقفه من الأسد، مع التأكيد على منطلق التغيير ومبعثه، فالذي أزعج أمريكا هو استخدام الكيماوي وليس سقوط الضحايا، وإلّا فالبراميل تحصد من الأرواح العدد الأكبر، وثمة أحياء كاملة تسقط على قاطنيها ولم تحرّك ساكناً في الإدارة الأمريكية.

لكن السؤال المهم هنا يكون عن مدى هذا التغيير وآفاقه، وإلى أي حد يتقاطع مع الثوار في سوريا ومع الدول الإقليمية؟ إنّ فهم المبررات وأسباب هذا التغيير في النهج الأمريكي يمكن أن يوضح لنا إلى أين يمكن أن يمتدّ مداه، وتوقّع نقطة التوقف التي قد تظهر فجأة.

- الدوافع الداخلية من أقوى المسببات التي يمكن سوقها في تبرير التحرّك الأمريكي، إذ إن ترامب يكون بذلك قد خفف عن نفسه أثر الفضائح المرتبطة بتواصل إدارته مع الروس خلال الحملة الانتخابية وما بعدها، وكذلك الأمر بما يتعلق بالإخفاقات الداخلية؛ كملف الرعاية الصحية، والاضطراب الذي سببه قرار منع دخول المسلمين من دول محددة.

- تحسين شروط التفاوض في جنيف، ومحاولة خلخلة منظومة الركائز التفاوضية التي يعتمد عليها الأسد وحلفاؤه، مما يعني دفع العملية التفاوضية إلى الأمام، مع ضمان عودة الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب أساسي وفاعل في عملية التفاوض السوريّة، خاصة بعد المحاولة الروسية صناعة مرجعية تفاوضية جديدة (أستانة) بعيداً عن جنيف.

- الرغبة الأمريكية بأن تثبت لحلفائها في المنطقة أنها ما زالت تملك قدرة الفعل المباشر، وبذلك يمكنها إعادة تشكيل الأحلاف والمحاور من جديد، من خلال إعادة بناء الثقة بالقدرة الأمريكية، التي اهتزّت كثيراً في فترات سابقة، وأن تشكيل هذه المحاور ذو أهمية بالغة لدى العقل الاستراتيجي الأمريكي، الذي يمكن من خلاله قيادة المنطقة والتعامل مع الدول بالجملة، وبشكل أسرع وأكثر مرونة.

- إرسال رسائل ضمنية إلى الروس والإيرانيين، بأن حجمهم الحالي إنما هو نتيجة انسحاب أمريكي من المنطقة، وإلى المعارضة السورية بأن الممنوع هو الكيماوي فقط، وما دونه مسموح القتل به.

- إعادة تمتين دعائم المنظومة الدولية القائمة حالياً، التي تعد الولاياتُ المتحدة الأمريكية نفسها راعية لها، حيث إن الحديث كثر مؤخراً من الروس حول النظام العالمي الجديد، واستطرد المسؤولون الروس بعرض أفكارهم حول شكل النظام العالمي الجديد، بعد الانسحاب الأمريكي والاستكانة التي اتسمت بها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأسباب سالفة الذكر قد تكون- مجتمعة أو منفردة- دافعاً للإدارة الأمريكية تجاه هذه الخطوة غير المسبوقة، وبعضها تحقق فعلاً بمجرد الضربة الصاروخيّة؛ كالرسائل الضمنية، وتخفيف الضغط الداخلي، وبعضها ما زال يحتاج مزيداً من الفعل الأمريكي المباشر لضمان تحقيقه؛ كبناء الأحلاف والمحاور الجديدة.

المأزق الروسي

بُعيد الحادث، وبشكل سريع، قدّمت روسيا روايتها، ولم تنتظر اتضاح التفاصيل، وكانت الرواية ممهورة باسم وزارة الدفاع، كجهة رسمية موكل إليها مهام متابعة الأحداث الميدانية في سوريا. وكانت الرواية في نفس السياق المعتاد من الروس؛ بأنّ من يتحمّل المسؤولية هم من تصفهم روسيا (بالإرهابيين). ولكن من المهم الإشارة إلى أن الروس أثبتوا بهذه الرواية وقوع الحادثة، على عكس مسؤولي نظام الأسد الذين سارعوا بداية إلى نفي الحادثة أصلاً، ثم تضاربت الروايات الرسمية، مما بدا فيه تخبّط واضح، وعدم إدراك لحجم المشكلة التي أوقعوا أنفسهم وحلفاءهم فيها، ثم وبعد عدّة أيام ظهر الرئيس الروسي ليفتح باب الاحتمالات حول تبريره للحادثة.

أمّا عن طبيعة التنسيق بين نظام الأسد والروس قبل الحادثة فهناك احتمالان؛ إمّا أن الروس كانوا على علم مسبق بنيّة الأسد ضرب خان شيخون بالسلاح الكيماوي، أو أنهم لم يعلموا ذلك إلا بعد وقوع الحادثة، ففي الحالة الأولى يكون الروس متورّطين مباشرة بعمل يمكن أن يعده المجتمع الدولي جريمة دوليّة جديرة بإسقاط الفيتو الروسي في مجلس الأمن كمقايضة على إخراج الروس من الحرج المترتب عليه، وفي الحالة الثانية يكون الأسد قد ورّط رديفه وطوق نجاته المفترض معه، وغدر به، وسيولّد ذلك انزعاجاً روسيّاً كبيراً من الأسد. وقد يبرر هذا الأمر تكرار طلب الروس التحقيق الدوليّ المهني في الحادث، ومن المعلوم أن الطلب الروسي للتحقيق هو إنما طلب للترويج السياسي، ونتائجه لا تعني شيئاً لهم، وهذا ما قاله الأسد صراحة في أول مقابلة له بعد المجزرة، من أنه غير مهتم إذا ما أظهرت نتائج التحقيق تورط جيشه بشكل ما في جريمة "خان شيخون".

السيناريوهات المتوقعة

يجب ألَّا يُرسَم مستقبل السياسة الأمريكية في سوريا بناء على الضربة العسكرية ضد الأسد، بل على التصريحات الأمريكية ضده؛ لأن الأولى تتعلق بأداة الجريمة (الكيماوي)، في حين أن الثانية تتعلق بالمجرم نفسه، فالتصريحات الأمريكية بخصوص الأسد؛ خصوصاً منها المتعلقة بإزاحته، هذه التصريحات، إن صدقت، تعد التحول الأهم الذي قد يشكل انفراجة للأزمة السياسية في سوريا، لكن هذا التحول مرتبط بمدى إقناع الروس أو إرغامهم على ذلك.

من الناحية الميدانية، فإن الأمر مرتبط بالعلاقة مع إيران، التي باتت مصالحها عرضة للخطر، نتيجة التدخل الأمريكي في سوريا، فضلاً عن التقارب بين واشنطن وموسكو، ومن المتوقع أن تقايض إيران بسحب مليشياتها، مقابل استمرار الاتفاق النووي؛ خصوصاً أنها لم تعد القوة المتحكمة في نظام الأسد بعد التدخل الروسي، وبات المسؤولون الإيرانيون يدركون الخطأ الذي وقعوا فيه، وقد أكد ذلك تصريح الرئيس السابق ومرشح الرئاسة الحالي، محمود أحمدي نجاد، عن ضرورة مراجعة سياسات إيران الخارجية.

وهنا يمكن للدول الإقليمية (تركيا والسعودية)، وكل المتضرّرين من التغوّل الإيراني، اغتنام هذه الأوضاع الجديدة، للبحث عن فرص محاصرة مشروع التمدّد الإيراني، بالتعاون مع الحليف الجديد الأمريكي، ومن هذه الفرص دور أنقرة في استثمار الحالة الأمريكية الجديدة، لمحاولة إنجاز مشروع المناطق الآمنة في الداخل السوري، وخاصّة أن إدارة ترامب قد تحدّثت مراراً عن ضرورة هذا الخيار، لكن يبقى ملف قوات سوريا الديمقراطية شائكاً، وينتظر الحل مع الإدارة الأمريكية، وهو ما جرى بحثه مع وزير الخارجية الأمريكية في أنقرة قبيل الهجوم، وفق إعلان وزير الخارجية التركي.

بصورة عامة تشير التحركات الأمريكية الأخيرة، من كوريا الشمالية إلى أفغانستان إلى اليمن ثم سوريا، إلى غياب الرؤية، وتضارب الأولويات داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، مما يعني أنه من المبكر البناء على أي تحرك أمريكي مثل الحاصل في سوريا.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية