AR EN

خلفيات إقالة تيلرسون وتداعياتها على السياسة الخارجية الأمريكية

وحدة الرصد والتحليل
20 مارس 2018
تحميل نسخة pdf

مقدمة

لعل الحدث الأبرز من بين سلسلة إبعاد عدد من المسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مناصبهم هو إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون، يوم 13 من هذا الشهر؛ إذ بتغريدة واحدة طويت صفحة تيلرسون كوزيرٍ لخارجية القوة العظمى في العالم.

فقد حلت بإدارة ترامب إحدى الظواهر اللافتة في تاريخ السياسة الأمريكية؛ حيث استقال وأقيل 27 مسؤولاً رفيعاً في إدارة الرئيس ترامب، وحتى بعد إقالة تيلرسون تواصل مسلسل الإقالات، لتوقع بمستشار ترامب للأمن القومي، وهو ما يزيد في الصدع الذي لم يستطع ترامب إدارته؛ من جراء التباينات الظاهرة في أداء ومواقف المسؤولين الأمريكيين مع سياساته.

يتوقف مستقبل إدارة ترامب الحالية عند هذا الحدث الذي يزيد من إرباك السياسة الخارجية الأمريكية بعد أن كان الوزير تيلرسون -حتى من دون صلاحيات- مروضاً لعاصفة ترامب التي لم تعرف طريقها بعد، من جهة أخرى فإن المشهد القائم على إمكانية تماسك الإدارة الأمريكية، وتجاوزها للقضايا التي تلتف أكثر فأكثر حول الرئيس ترامب، يبدو أكثر غموضاً، خاصة مع عدم قدرة ترامب على احتواء الاختلافات بين مسؤولي إدارته.

في ظل هذه الاختلافات التي حلت مع دخول ترامب البيت الأبيض كيف ستؤثر إقالة تيلرسون وتعيين رئيس جهاز المخابرات المركزية السابق مايك بومبيو في سياسة الولايات المتحدة الخارجية؟ وهل تجري تعيينات ترامب الأخيرة على أساس تقريب المتوافقين معه والابتعاد عن مأزق الخلافات التي قد تعصف بإدارته من جديد؟ 

أسباب إقالة تيلرسون

يبدو أن تساقط المسؤولين من إدارة ترامب بصورة متسارعة يعكس حالة من الاضطراب في أروقة البيت الأبيض، فالمعطى البارز الذي يقف خلف ابتعاد هؤلاء المسؤولين هو قلة الحيلة وسوء إدارة الخلافات بين المسؤولين الأمريكيين من جهة، وترامب ودائرته الخاصة، ومن ضمنها ابنته وزوجها جاريد كوشنر، من جهة أخرى.

كان خروج عدد من المسؤولين الأمريكيين معللاً بالطريقة التي يتعامل بها الرئيس في ملف إقالة وتعيين المسؤولين، كما حصل مع المتحدث السابق للبيت الأبيض الذي عبر عن انزعاجه من سياسة ترامب في التعيينات، ظلت هذه الخلافات تتوسع مع إقالة كبير مستشاري ترامب ستيف بانون، بعد أن أرغمت إيفانكا والدها على اتخاذ هذا الإجراء عقب مشادة كلامية بينه وبينها.

لقد خيمت الخلافات على جل علاقات ترامب مع المسؤولين المقالين، فكان خروج بانون، المستشار السابق لترامب، وحديثه للإعلام عن سر الخلاف الدائر مع ترامب، تأكيداً لخضوع قرارات ترامب لقلق الكبرياء، حيث ذكر بانون أن إدانته لتأثير إيفانكا وزوجها في قرارات الرئيس الأمريكي قد أودت به من منصبه.

إن قرار إقالة تيلرسون يعكس هذا التوتر الذي أصاب ترامب منذ توليه الرئاسة، حيث ظلت التوقعات تلاحق تيلرسون بشأن استقالته منذ أكثر من 6 أشهر؛ على إثر موقف ترامب المبدئي من الأزمة الخليجية، وإصرار ترامب على خرق* الاتفاق النووي مع إيران، بالإضافة إلى الاختلاف الواقع في وجهات النظر بين الرئيس ووزير خارجيته، لذا فإن التعاطي بينهما كان مزعجاً لتيلرسون من أمرين:

الأول: رغم الاختلاف الذي كان بينهما في قضايا عدة، كالاتفاق النووي مع إيران والأزمة الخليجية وملف كوريا الشمالية، أصر الرئيس على الاستقلال التام في آرائه، بل والتعبير عنها من دون الاكتراث بوجود الدبلوماسي الأول في إدارته وهو وزير الخارجية، فقد قدم ترامب وجهات نظر مختلفة عن تيلرسون، بل إنه عاتبه علناً عندما غرد قائلاً: "إن وزير خارجيتنا يضيع الوقت في محاولات التفاوض مع رئيس كوريا الشمالية"، وفي المقابل أعلن ترامب، في 9 من هذا الشهر، موافقته على إجراء محادثات مع الرئيس الكوري الشمالي حينما كان تيلرسون في جولة إفريقية صرح حينها أنه لم يكن على علم بذلك!!

الثاني: بقيت وزارة الخارجية وحيدة من حيث الفراغ الإداري على مستوى القيادات العليا، فبعد أن قدم تيلرسون أسماء عدد من المسؤولين لتولي مناصب استراتيجية في الوزارة رفض الرئيس ترامب تلك المقترحات، علاوة على توصية ترامب للكونجرس بتخفيض ميزانية الوزارة.

لقد سعى ترامب لإرباك تيلرسون، رجل الأعمال الآخر، الذي- في الوقت ذاته- لم يُجِد التعامل مع المنصب ومع التحديات القائمة.

إقالة تيلرسون لمصلحة من؟

كان متوقعاً أن ينتهي هذا الخلاف بين الرئيس ترامب ووزير الخارجية تيلرسون؛ لا ببقاء تيلرسون وزيراً إنما بابتعاده، فقد تناولت وسائل الإعلام احتمال ترك تيلرسون لمنصبه قبل نهاية عام 2017، من الواضح أن تيلرسون اختلف عن باقي المسؤولين الذين غادروا مناصبهم، فبالرغم من الحرج الذي وقع فيه تيلرسون نتيجة استحواذ ترامب على القرارات التي تخص السياسة الخارجية، وسلوك ترامب غير المنضبط في التصريح عن سياسة الولايات المتحدة، وظهوره في أكثر من مناسبة متناقضاً مع وزير خارجيته، فضَّل تيلرسون البقاء والبعد عن خيار الاستقالة الذي تحدث عنه الإعلام كثيراً، بل إنه كان مؤيداً لتوجه الرئيس المنطوي على تركيز كل أعمال الإدارة الأمريكية نحو (أمريكا أولاً)، يبقى السؤال مطروحاً: لمصلحة من يصب قرار إقالة تيلرسون؟

تجلى الاختلاف بين ترامب وتيلرسون في معظم الملفات الرئيسة التي أخذت جل تركيز الرئيس ترامب؛ بدءاً بالملف النووي الإيراني مروراً بتحدي احتواء كوريا الشمالية، كما أن الخلاف بين ترامب ووزير خارجيته قد تراجع في ملف الأزمة الخليجية بعد أن تبنى ترامب وجهة نظر الدول المقاطعة لقطر، وحتى الآن يظل الرئيس ترامب قابعاً في دوائر التشكيك بأنه واقع تحت تأثير غيره، حيث يواجه ترامب الآن قضية تورطه في التواصل مع روسيا بشأن التأثير في نتائج الانتخابات الأمريكية، ويؤكد احتمال وقوع ترامب تحت تأثير حكومات خارجية أو أشخاص مقربين منه:

 أولاً: التغير المفاجئ في مواقف ترامب السياسية، فحين صرح ترامب بشأن قطر وأعلن موقفه المؤيد للدول المقاطعة، تغير به الحال بعد أسابيع قليلة ملتزماً الصمت وداعياً إلى الحوار السياسي بين دول الخليج، وفي ملف آخر انقلب موقف ترامب تجاه فكرة المفاوضات مع رئيس كوريا الشمالية بعد توبيخه للوزير تيلرسون وأنه يضيع الوقت في ذلك، ليعلن ترامب ترحيبه بإجراء محادثات مع كيم جون.

 ثانياً: تؤكد بعض إقالات المسؤولين في إدارة ترامب التأثيرَ الذي تحدثه ابنته إيفانكا وزوجها كوشنر، لقد كان كبير مستشاري ترامب بانون أحد الرجال الذين يثق بهم الرئيس الأمريكي ويولي آراءهم اهتماماً بالغاً، بيد أن مكانته لم تشفع له أمام خلافه مع ابنة ترامب.

إن وقوع ترامب في شرك تأثير أطراف خارجية أمر وارد، خاصة أن ترامب لا يزال يرعى مصالحه التجارية في الخارج، فالدول التي لم تُرْضِها مواقف الوزير تيلرسون من إيران والأزمة الخليجية قد تكون فرضت شيئاً من الضغوط على الرئيس الأمريكي في إزالة عقبة لم تكن كأْداء في واقع الأمر، إلا أن موقع وزير الخارجية في التعبير عن سياسات الولايات المتحدة في غاية الأهمية؛ نظراً إلى أن اتساع رقعة التباين بين ترامب مع وزير الخارجية أياً كان لن يخدم هذه الدول التي ترغب في خدمة مصالحها المتقاطعة مع توجهات الرئيس ترامب.

تداعيات الإقالة على السياسة الخارجية الأمريكية

ينتظر أن يصوت مجلس الشيوخ الأمريكي على منح الثقة لوزير الخارجية الجديد، مايك بومبيو، الرئيس السابق لوكالة المخابرات الأمريكية الذي عينه ترامب في يناير/كانون الثاني 2017.

يشبه بومبيو تيلرسون في كونه رجل أعمال، إلا أن خبرته السياسية في الكونجرس وجهاز المخابرات، بالإضافة إلى مواقفه المتوافقة مع توجهات ترامب، جعلته خياراً مفضلاً؛ نظير آرائه التي كان أبرزها تقليله من دور روسيا في الانتخابات الأمريكية، وتصريحاته المتشددة من الملف النووي الإيراني، وأحاديثه العنصرية ضد المسلمين، ومن ثم يبدو أن وصول ترامب لرجل مثل بومبيو قد يوحد مواقف الإدارة الأمريكية في السياسة الخارجية، حالياً يظهر بومبيو بأنه أحد المقربين والمتوافقين مع ترامب حيث يطلع بومبيو ترامب- قبل ترشيحه وزيراً للخارجية- على تقارير استخباراتية بشكل يومي، علاوة على حضور بومبيو اجتماعات في البيت الأبيض لا علاقة له بها، ما يزيد من احتمال انسجام ترامب وبومبيو، واتجاه السياسة الأمريكية نحو فاعلية أكثر، لكن يظهر أن احتمال تأثير بومبيو على السياسة الخارجية الأمريكية وقرارات ترامب واردة؛ نظراً لعمل بومبيو في جهاز المخابرات وإحاطته ببعض التفاصيل الخاصة بعلاقة ترامب بالجهات الخارجية، كما أن تقريب ترامب لرجال الأعمال وتعيينهم في مناصب عليا يُظهر عناية من ترامب بمصالحه وطبيعة شخصيته التي لا تقبل أن يحيط به رجال لهم شأن أقل، ولهذا يمكن أن يولي بومبيو اهتماماً بمصالحه التجارية أيضاً، وهذا سيزيد من تأثير الأطراف الخارجية على سياسة أمريكا ونشاطاتها في الخارج.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية