AR EN

ماذا بعد إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل؟

وحدة الرصد والتحليل
22 ديسمبر 2017
تحميل نسخة pdf

مقدمة

مثَّل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم السادس من ديسمبر/كانون الأول، الذي قرر فيه اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، حلقة جديدة في سلسلة سياسات إدارة ترامب التي افتقرت للدبلوماسية المعهودة عن السياسة الأمريكية في فترات الرؤساء السابقين.

وقد أثار ترامب بتوقيعه على نقل السفارة الأمريكية للمدينة المقدسة ردود أفعال عربية وعالمية، فعلى الفور أدانت عدة حكومات عربية وإسلامية الخطوة الأمريكية، وعدَّت ذلك نقضاً لأي عملية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتهديداً لأمن المنطقة برمتها. في حين تباينت ردود الفعل الشعبية في البلدان الإسلامية والعربية رفضاً لقرار الرئيس الأمريكي؛ حيث خرجت مظاهرات في مدن عمان وإسطنبول والقاهرة وبيروت ونيويورك وجاكرتا والكويت وغيرها، أما من الجانب الفلسطيني فقد اعتبر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أن قرار ترامب يعكس انسحاب الولايات المتحدة من دورها في الوساطة لعملية السلام، وأن القرار لن يغير من هوية المدينة وتاريخها، وستظل عاصمة فلسطين الأبدية. من جانبه دعا إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، للنفير الفلسطيني والانتفاضة في وجه القرار الأمريكي، وهو الموقف الذي قارب في مضمونه مواقف الفصائل المسلحة الفلسطينية التي دعت أيضاً إلى إضراب في الضفة وغزة والقدس.

دولياً أبلغ الاتحاد الأوروبي الكيان الصهيوني رفضه قرار ترامب، فيما انتقد الرئيس الروسي قرار ترامب واصفاً إياه بأنه سيزيد التعقيد في المنطقة ويعرقل عملية السلام.

تبحث هذه الورقة في دوافع قرار الرئيس ترامب، وأبعاد التحركات العربية والإقليمية التي أعقبت ذلك القرار، من بينها القمة الإسلامية الطارئة التي دعا إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سياق الرفض الذي امتد على طول العالم العربي والإسلامي. ويبقى التساؤل بشأن تأثير مثل هذه الخطوات في ثني الولايات المتحدة عن سياستها، وخلق رأي عام عربي وإسلامي مستمر في رفضه القاطع للسياسة الأمريكية، وهل سيكون هذا القرار انعطافاً في عمر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أم سيخلق مزيداً من التوتر والاضطراب؟

لماذا أتى قرار ترامب؟

شكل قرار الرئيس الأمريكي تحدياً جديداً أمام أبرز قضايا المنطقة العربية؛ وهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد زاد من ارتفاع حدة تداعيات القرار الأمريكي طبيعة القرار الذي عُدَّ بمنزلة تقديم الرئيس ترامب مدينة القدس لإسرائيل، وتنازلاً عن أحد أهم ملفات القضية الفلسطينية، فلم يكن من السهل حتى على المنادين بتسوية سياسية مع الإسرائيليين والقابلين بحل الدولتين أن يستقبلوا هذا القرار الذي أتى مفاجئاً ومستفزاً في طبيعة إعلانه، فقد لاقى رفضاً عالمياً مجمعاً عليه؛ لما فيه من تقويض لعملية السلام، كما أكد ذلك قادة الدول العربية والأوروبيون.

ظلت الولايات المتحدة تقرب وجهات نظر الطرفين؛ الفلسطيني والإسرائيلي، وتعمل على التهدئة على الرغم من الميل لجانب المصالح الإسرائيلية، إلا أن المحاولة الأمريكية للتعامل مع الصراع العربي الفلسطيني جاءت كما يعتقد ترامب إرساء للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، غير أن ترامب لبس ثوب القاضي الذي حكم بيهودية القدس، حيث بدت السياسة الأمريكية منحازة بشكل تام ومباشر بشأن إحدى القضايا الرئيسة التي يطلق عليها الأمريكيون قضايا الحل النهائي؛ كقضية القدس والمستوطنات واللاجئين.

لا تبدو الأسباب التي أفضت إلى إعلان ترامب تسلسليةً ومنطقيةً من حيث الحجج التي أوردها الرئيس الأمريكي، فحين تحدث ترامب عن أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تحرك سلمي ينتهي بحل دائم، أكد العالم أن هذه القرار سيقود إلى مزيد من التوتر، ما سيؤزم بطبيعة الحال مشهد الصراع الحالي في المنطقة. هذه الخطوة أيضاً لم تتماشَ مع الدبلوماسية الأمريكية التي بقيت في حيز الوسط، وبالرغم من التعاطف مع الإسرائيليين فإن ترامب انتقل بالسياسة الأمريكية إلى الوقوف الكامل مع الرغبات الإسرائيلية حيث قال: "إن إسرائيل دولة ذات سيادة، ولها الحق- كما هو لأي دولة ذات سيادة- أن تختار عاصمتها"، في حين كرر وصف الفلسطينيين من دون الإشارة إلى دولة فلسطينية في خطابه.

لقد تجاوز إعلان الرئيس الأمريكي كل صور التهدئة التي اعتاد المسؤولون الأمريكيون إظهارها، كما لم يتناول ملف الاستيطان على سبيل المثال، بل جمع كل أطراف القضية المعقدة في حق الإسرائيليين بإعلانهم القدس عاصمة لإسرائيل.

- فريق السلام في إدارة ترامب

يؤكد قرار ترامب الذي أحال الرؤية الأمريكية لقضية القدس من كونها إحدى قضايا التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي إلى دور فريق السلام في الشرق الأوسط، الذي أوكل له ترامب مهمة متابعة ملف السلام الفلسطيني الإسرائيلي. لا يبدو هذا الفريق عادياً؛ حيث يتكون فريق السلام من كبير مستشاري ترامب وصهره جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص بالمفاوضات الدولية في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، وكلاهما محاميان سابقان لترامب، وتربطهم علاقات قوية مع اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، فضلاً عن أن تقارير غربية أكدت صلات هؤلاء المسؤولين بالحكومة الإسرائيلية، ودعمهم لمشاريع استيطانية، قبل انخراطهم في إدارة الرئيس ترامب.

من الواضح أن لهذا الفريق تأثيراً في توجهات إدارة ترامب حيال قضية القدس، فقد تم الامتناع عن تجديد ترخيص مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية الذي وفر لدبلوماسيي فلسطين العمل في العاصمة الأمريكية منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، وفي الخامس من ديسمبر/كانون الأول أقر مجلس النواب الأمريكي قانون تيلور فورس الذي يفرض على السلطة التشريعية الأمريكية التوقف عن دعم السلطة الفلسطينية للسنوات من 2018 وحتى 2024، إلَّا إذا توقفت الأخيرة عن دفع مخصصات الأسرى والشهداء إلى أهاليهم.

وبالرغم من حساسية قضية القدس من الناحية الدينية؛ حيث تحوي المدينة أماكن مقدسة للمسلمين والمسيحيين، ولكونها إحدى ركائز عملية التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن فرض رؤية الطرف الإسرائيلي، والتسريع من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، تعزز من فكرة تماهي فريق السلام مع السياسة الإسرائيلية، ويُظهِر القرار عدم اكتراث هذا الفريق بما سيحدثه الإعلان من تداعيات كبيرة، وهو ما يعطي أيضاً إشارة إلى قلة خبرة المسؤولين الثلاثة بطبيعة الصراع وحساسية قضية القدس.

- شخصية ترامب

تلقي شخصية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بثقلها على الكيفية التي يتعاطى من خلالها مع الوقائع السياسية؛ فترامب الذي تمّرس في عالم التجارة والأعمال أصبح لاعباً غريباً على أرض السياسة، فقد أظهر استطلاع  للرأي نشره قبل أسابيع مركز بيو للأبحاث، انخفاض تأييد الرئيس الأمريكي إلى 32%، والذي لم ينتهِ عامه الأول سليماً من تهم داخلية قد تعصف بشعبيته، والآن يحاول الرئيس الأمريكي تسجيل إنجازات سريعة في عامه الأول؛ نظير تلك الوعود التي أطلقها في حملته الانتخابية والتي حملت عنواناً عريضاً هو (أمريكا أولاً).

لقد تعاطى ترامب مع ملفات السياسة الخارجية بمنهج المناكفات، وهو الذي أسقطه في جملة من المواقف الساخرة والمحرجة أحياناً، برز ذلك في تحويله الخلاف مع كوريا الشمالية إلى تصريح ساخر من الرئيس الكوري، ومواقفه الحادة مع عدد من القادة الأوروبيين كبريطانيا وألمانيا.

حاول ترامب في خطاب إعلانه القدس عاصمة لإسرائيل إبراز ما وصفه إنجازاً؛ إذ لم يستطع أحد من الرؤساء الأمريكيين من قبله إنفاذ هذا القرار منذ عام 1995، وبدا ترامب عازماً على الظهور بشكل مختلف حين قال إن الرؤساء السابقين افتقروا للشجاعة، فشخصية الرئيس الأمريكي تتسم بالبحث عن الانتصار ورفض الخطأ أو الهزيمة. وبعد أن تعثرت إدارته في جملة من الملفات الداخلية والخارجية يبدو أن ترامب قصد قاعدته الانتخابية من الإنجيليين، منفذاً وعده الانتخابي بنقل السفارة الأمريكية بالرغم من كل التداعيات المتوقعة، ويحاول ترامب المضي بهذا القرار بعيداً عن مجريات العام الأول من حكمه، التي يواجه فيها سلسلة من المواقف المعقدة؛ منها ملف التواصل مع روسيا بشأن الانتخابات، والاستقالات المتتالية لعدد من مسؤولي إدارته.

المعطيات العربية والإسلامية تجاه القرار

جاءت مواقف الدول العربية والإسلامية منددة بالقرار الأمريكي، أما المواقف الجماعية فقد كان اجتماع وزراء خارجية الدول العربية، الذي عقد في العاشر من هذا الشهر، موقفاً وحيداً أجمل كل المساعي العربية حتى هذه اللحظة.

إن التحرك على هذا المستوى الدبلوماسي والسياسي الضعيف أمام هذا الغطاء الأمريكي الذي اكتست به إسرائيل للسيطرة الكاملة على القدس، يترك دلالات بأن الدول العربية ستستمر في علاقاتها مع الولايات المتحدة التي أظهرت موقفاً منحازاً في واحد من أبرز ملفات القضية الفلسطينية، ويبدو أن غياب ردود فعل الدول العربية في ذهنية الإدارة الأمريكية الحالية نحو أي قرارات تعني القضية الفلسطينية يرجع إلى ضعف تداول القضية لدى هذه الدول مع الإدارة الأمريكية، وإلى الثقة الكبيرة لعدد من الدول العربية بسياسات ترامب منذ مجيئه للسلطة، فلا تملك الدول العربية حالياً سوى عدم الاعتراف بإعلان الرئيس الأمريكي، فيما تستمر الإدارة الأمريكية في حملات الترويج لقضايا أخرى تتلاءم مع مصالح بعض الدول العربية الحالية مثل الملف الإيراني ومحاربة الإرهاب.

الطرف الرسمي الفلسطيني يبدو مشتتاً وغير قادر على التحرك والخروج عن مستوى الفعل العربي الذي اكتفى بالتنديد، فمن جهة لم يستطع المسؤولون الفلسطينيون إقناع إدارة ترامب بدور السلطة، من خلال تأكيد ضرورة المفاوضات وأهمية التنسيق الذي يقومون به مع الإسرائيليين، ومن ثم عدم إقدام ترامب على هذا القرار، ومن جهة لم تؤد جولات الرئيس محمود عباس، حتى الآن، للسعودية ومصر وتركيا وأوروبا، إلى رفع مستوى الحدث إلى أزمة دبلوماسية عربية أو عالمية مع الولايات المتحدة تتصدى لقرار الرئيس ترامب.

أما على الصعيد الإسلامي فلن يكون موقف الدول الإسلامية غير العربية قوياً ما بقيت الدول العربية متجنبة مواجهة قرار الرئيس ترامب بقوة، وإن كانت محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عقد قمة إسلامية بهذا الشأن لم تشهد حضوراً لافتاً من قادة الدول الإسلامية فإن الموقف التركي أعطى زخماً قد يتبدد بفعل تأثير العلاقات التركية الإسرائيلية، ومن ثم فقد لا تقدم تركيا على قطع علاقاتها مع إسرائيل في حال شعرت أنها القوة الوحيدة الضاغطة أمام فكرة إلغاء القرار.

خاتمة

أضحت القضية الفلسطينية في أروقة القيادات العربية في حكم المؤجل؛ نتيجة التغير في الأولويات الذي رافق تعاظم الخطر الإيراني والجماعات الإرهابية، كتنظيم الدولة، حيث توافقت المخاوف العربية والأمريكية على خطورة سياسات إيران وأذرعها، والجماعات الإرهابية، والتقت على ضرورة الحد من نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة. كما يبدو أن بوصلة الأمن العربي أخرجت تأثير السياسات الإسرائيلية من جملة المخاطر التي توفر أرضية خصبة للصراع في المنطقة، بالإضافة إلى أن دعوات إقامة علاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل تحمل إرادة أكبر على عكس ما ينتظره الشارع العربي من تضييق على المصالح الإسرائيلية. لهذا فإن الموقف العربي الفاعل يوشك أن يقع في نكسة جديدة في التعامل مع القضية الفلسطينية في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات التي تحفز على التودد للإسرائيليين وفتح قنوات تواصل على المستوى الرسمي.

بعد أن شل الفيتو الأمريكي قرار مجلس الأمن بإدانة إعلان ترامب، حاول الرئيس ترامب بث الارتباك في صف الدول التي قد تصوت في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة الطارئة على مشروع قرار بشأن القدس يوم 21 ديسمبر/كانون الأول، وبعد أن تم التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات، فإن مثل هذا القرار ليس بذات الأثر الذي يتركه قرار مجلس الأمن من ناحية الإلزام وما يترتب عليه عملياً، ومن ثم فإن تهديدات ترامب تأتي في سياق إصرار إدارته على المضي في خطوات نقل السفارة وسعيه لعدم خروجه وحيداً أمام العالم، ومن المتوقع أن يستمر ترامب في موقفه بالرغم من نتيجة تصويت الجمعية العامة، ويعد التصويت اعترافاً دولياً مكتوباً ووثيقة تاريخية تمنح الفلسطينيين المزيد من الشرعية داخل المؤسسات الدولية وتسلط الضوء أكثر على ما يجري من انتهاكات إسرائيلية في مدينة القدس.

من الناحية الميدانية فإن المواجهات الفلسطينية مع الإسرائيليين تسجل رقماً صعباً، فبعد أن حاولت الحكومة الإسرائيلية وضع بوابات إلكترونية على بوابات المسجد الأقصى بغرض التحكم في المسجد وفرض سياسات تهويدية أكثر في المدينة، فإن الصمود الفلسطيني في رفضه للقرار أحدث أثراً كبيراً في إزالة هذه البوابات، ومن ثم فإن التعويل على الثبات الشعبي الفلسطيني هي أقوى ورقة أمام تمرير قرار ترامب، لهذا فالأولى تقديم دعم إعلامي للهبة الشعبية الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة، والمساهمة في فك الحصار عن قطاع غزة، ودعم توحيد الجبهة الفلسطينية، والدفع بتحريك المياه السياسية الفلسطينية في الداخل بتشجيع إجراء انتخابات تكون تحت إشراف عربي ودولي.


التعليقات

اشترك في القائمة البريدية