AR EN

هل الحرب على إيران قادمة؟

وحدة الرصد والتحليل
21 نوفمبر 2017
تحميل نسخة pdf


مقدمة

بعد إطلاق ميليشيات الحوثي للصاروخ الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض في الرابع من هذا الشهر، جاءت ردة الفعل من الجانب السعودي مختلفة عن سابقاتها، فقد اتهم وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إيران مباشرة باستهداف المملكة، حيث عبَّر في تصريح له أن السعودية تحتفظ بحق الرد على الإيرانيين، فيما علق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، على الحادثة معتبراً أن تزويد إيران للميليشيات الحوثية بالصواريخ يعد عدواناً عسكرياً مباشراً.

وفي ملف ذي صلة بالموقف السعودي من السياسة الإيرانية في المنطقة، أعلن رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، من الرياض استقالته من منصبه في وقت مبكر من ذات اليوم الذي أطلق فيه الصاروخ الموجه للرياض، وفي هجومه على سياسة إيران وحزب الله في لبنان فتح الحريري الباب للمملكة من جديد للدخول إلى الساحة اللبنانية ومخاطبة إيران، فقد جاء ذلك في تصريحات المسؤولين السعوديين الذين هاجموا حزب الله واصفين دور الحزب في لبنان بالذراع الإيراني، وفي تعليق لوزير الدولة السعودي، ثامر السبهان، حيال استقالة الحريري قال السبهان: لن نقبل أن يكون لبنان بأي حال منصة لانطلاق الإرهاب إلى دولنا.

في ظل تصاعد نبرة العداء من الجانب السعودي، وسعي المملكة للحد من التوجهات الإيرانية التي هددت فعلياً أمن المملكة بشكل مباشر- كما يصفها المسؤولون السعوديون- فإن تصعيداً آخر من قبل الولايات المتحدة تجاه إيران قد يوتر المشهد الإقليمي في المنطقة، ويؤطر لسياسة جديدة ضد إيران؛ فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما سيفتح الباب أمام تغير في الموقف الأمريكي، وقد يوحد التوجهات الأمريكية السعودية في مواجهة إيران، فإلى أي مدى يمكن أن يصل التصعيد السعودي والأمريكي تجاه إيران؟ وهل ستشهد هذه المرحلة من التوتر صورة مختلفة للمواجهة مع إيران؟

طبيعة الموقف الأمريكي من إيران

يمثل الاتفاق النووي مع إيران جوهر الخلاف الأمريكي الإيراني الذي يلوح به الرئيس دونالد ترامب، حيث سعى ترامب للعمل على إيقاف ما أنجزته سياسات أوباما كلياً، فعلى مستوى السياسة الخارجية تحدث الرئيس ترامب قبل ترشحه عن أنه سيبطل أي اتفاق مع إيران، بذريعة أن الاتفاق لن يوقف نشاطات إيران النووية، وقد استمر ترامب في مضيه نحو إلغاء الاتفاق، ومؤكداً في خطاب له، في 13 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تعديل الاتفاق وفق ما يراه أو إلغاءه.

يشكل تلويح ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران بداية لعودة التوتر في العلاقات الأمريكية الإيرانية، فإلغاء الاتفاق النووي يعني مضي الولايات المتحدة في تنفيذ حزمة من العقوبات الاقتصادية على إيران، والتضييق على مصالحها المالية خارجياً. وبالنظر إلى حقيقة الخلاف الأمريكي الإيراني حالياً، فكل جهود الرئيس ترامب تنصب ناحية الاتفاق النووي الذي يراه "مصدر خزي وحرج"، وما عدا الاتفاق النووي الذي أجمعت على حيثياته الدول الكبرى فالعديد من الملفات الإيرانية تختلف حيالها مواقف الدول الكبرى؛ كملف الصواريخ الباليستية، والسياسة الإيرانية تجاه الدول العربية، ولهذا فمن الواضح أن المحرك الرئيس للموقف الأمريكي من إيران هو الموقف من الاتفاق النووي، غير أن هناك عوامل قد لا تسمح لترامب باتخاذ سياسات تقضي بإلغاء الاتفاق أو التصعيد تجاه إيران:

1-   الخلاف المستمر داخل الإدارة الأمريكية

موقف الرئيس ترامب وإن بدا صارماً حيال إمكانية إلغاء الاتفاق النووي أو تعديله وفق رؤية الرئيس، فإن الإدارة الأمريكية غير متوافقة مع الرئيس حيال موقفه هذا، فقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون مؤكدة عدم نية ترامب إعلان الانسحاب من الاتفاق النووي قبيل خطابه في 13 من أكتوبر، كما أظهر تليرسون بعض التشاؤم فيما يخص نجاح الرئيس ترامب في الخروج بتعديل للاتفاق النووي الذي أحاله إلى الكونجرس في أثناء الخطاب الذي ألقاه وذلك لمراجعة التزام إيران ببنود الاتفاق، وهي الخطوة التي قد تفتح الباب أمام ترامب لإلغاء الاتفاق، وفي موقف يوضح الاختلاف القائم داخل الإدارة الأمريكية أكد وزير الدفاع الأمريكي، في الثالث من الشهر الماضي، أنه يؤمن بضرورة المحافظة على الاتفاق النووي.

2-   تمسك الدول الكبرى الموقعة بالاتفاق

مثَّل الاتفاق النووي مع إيران فرصة تاريخية أجمعت عليها الدول الموقعة لثني إيران عن تطوير أسلحة نووية، كما جاء الترحيب الدولي بالاتفاق كاشفاً عن النجاح الصعب الذي عادة ما يصاحب المفاوضات بشأن الأسلحة النووية، ومن ثم فإن الاتفاق مع إيران الذي وقعت عليه ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا سيبقي الولايات المتحدة وحيدة في حال الانسحاب من الاتفاق، وسيجعل الثقة بالسياسة الأمريكية على المحك من جانب حلفائها الأوروبيين، وحتى من جانب حلفائها في شرق آسيا الذين يرغبون في حلحلة ملف كوريا الشمالية النووي من دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة.

حتى هذه اللحظة فإن الدول الموقعة تؤكد تمسكها بالاتفاق النووي، بل تجاوزت ذلك إلى استئناف علاقاتها الاقتصادية مع إيران، فخلال زيارة بوتين الأخيرة لإيران وقعت شركة النفط الروسية "روزنفت" صفقة بلغت 30 مليار دولار في إطار مشاريع مشتركة مع الجانب الإيراني، ويرغب الأوروبيون أيضاً في سريان الاتفاق الذي يمنح أوروبا مصدراً جديداً للغاز سيخفف من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي.

من الواضح أن تبعات إلغاء الاتفاق النووي مع إيران من الجانب الأمريكي ستكون محرجة ومكلفة أيضاً على مستوى قدرة الولايات المتحدة على إدارة علاقاتها الخارجية، بالإضافة إلى أن مكاسب منافسيها الصين وروسيا ستكون عالية في حال ألغي الاتفاق مع إيران.

حدود التصعيد السعودي ضد إيران

جملة تصريحات المسؤولين السعوديين التي أعقبت إطلاق الصاروخ الذي كان موجهاً للعاصمة السعودية كانت غير مسبوقة في اتهام إيران بشكل مباشر باستهداف المملكة، وقد حملت التصريحات السعودية اتهاماً آخر لحزب الله بشأن ضلوعه في إطلاق الصاروخ ضد السعودية، كما جاء في تصريح وزير الخارجية السعودي، إضافة إلى إدراج المملكة أسماء أربعين من قيادات جماعة الحوثي ضمن قائمةٍ تقول المملكة إنها خلف العمليات الإرهابية التي تستهدف المملكة، حيث رصدت ما يقارب 400 مليون دولار مكافآت لمن يدلي بمعلومات عن أماكن وجودهم.

السعودية بهذا السلوك تستجمع قدراتها الدبلوماسية في محاولة للتضييق على حلفاء إيران في اليمن ولبنان، فاستقالة سعد الحريري التي أعلنها من الرياض أكدت أن المملكة وحلفاءها في لبنان قد رفعوا من مستوى المواجهة مع حزب الله الذي يعد ذراعاً لإيران، وما يرجح اتخاذ خطوات عملية تركيز المسؤولين السعوديين على حزب الله باعتباره منظمة إرهابية متخطية للحدود، وربط كل أنشطته بالسياسة الإيرانية في المنطقة، كما طلبت المملكة من رعاياها مغادرة لبنان، ونصحت بعدم السفر إليه، إلا أنه حتى الآن لا تزال المملكة في مواجهة مفتوحة مع ميليشيات الحوثيين في اليمن من دون حسم للمعركة التي قاربت ثلاثة أعوام، ولم تسمح فرص الجوار والدعم الدولي والتحالف العسكري العربي للمملكة بإيقاف الدور التخريبي للميليشيات في اليمن، فلا تزال إيران قادرة من خلال ذراعها في اليمن على توجيه عمل عسكري مباشر ضد المملكة، ما يعني أن التصعيد العسكري مع الإيرانيين هو أمر وارد، لكن مثل هذا القرار في حاجة إلى حسابات هامة:

1-   المواجهة التي قامت ضد الحوثيين في اليمن عرضت الأراضي السعودية لتهديد مستمر، إذ لا تزال المملكة عرضة لهجمات الحوثيين الصاروخية، وإذ إن زمن الحرب المفتوحة مع الحوثيين لا يمكن توقع نهاية قريبة له، فإن جبهة جديدة للحرب قد لا تتحملها المملكة، خاصة ونحن نتحدث عن دولة إقليمية كبيرة مثل إيران.

2-    الحديث عن مواجهة مباشرة تقدم عليها المملكة ضد إيران سيفتح المجال لمناقشة صعوبات الحرب التي ستتخذ بلا شك المنطقة الشرقية للمملكة منطلقاً لها، وهي المنطقة التي لا تحتمل السعودية أي اضطراب يحيط بها، فضلاً عن أن أي مواجهة مع إيران ستجعل هذه المنطقة الغنية بالنفط في مرمى الأهداف العسكرية الإيرانية، بالإضافة إلى أن العراق الذي يقع شمال السعودية وتربطه حدود مباشرة مع إيران هو بالفعل خاضع لإرادة النظام الإيراني، لهذا فالمملكة ستحسب لأي مواجهة مباشرة مع إيران حسابات تتخطى توقع الخسارة في الحرب إلى المحافظة على المصالح القومية للمملكة.

هل ستقدم أمريكا والسعودية على عمل عسكري ضد إيران؟

من المبكر جداً التكهن بمضي السعودية في استهداف إيران من خلال عمل عسكري مباشر، إذ إن الظروف الحالية في داخل المملكة وفي محيطها لا تقدم إشارات بالاستقرار التام الذي يهيئ الفرصة لتحرك عسكري يكسر شوكة النظام الإيراني، ومن ثم فقد تعول المملكة على أطراف دولية كالولايات المتحدة لتوجيه ضربات لإيران، بيد أن الاتفاق النووي بدل من صورة إيران لدى المجتمع الدولي الذي تصر بعض أطرافه على التعاون معها، فقد أتاح الاتفاق النووي لإيران إعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع أوروبا وروسيا والصين، حتى إسرائيل يبقى موقفها ضعيفاً لتأكيد مشروعية استهداف إيران ما التزمت إيران ببنود الاتفاق ولم تتقدم في تطوير أسلحة نووية.

لا يبدو أن ترامب قد يلجأ لعمل عسكري ضد إيران تحت دافع منع إنتاج أسلحة نووية ما دام أنه لم ينجح في إيقاف كوريا الشمالية من الوصول إلى القنبلة النووية وهي أقرب إلى ذلك من إيران، فحتى الآن يناور ترامب دبلوماسياً مع الرئيس الكوري الشمالي من خلال تصريحات استفزازية ونكت قد تعطي إشارات إلى قلة حيلة الرئيس الأمريكي الذي يفتقر إلى الحصافة مع مثل هذه الملفات، لهذا فمن المستبعد قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران ما لم تتوافر الشرعية الدولية بالإضافة إلى إنهاء ملف كوريا الشمالية.

تبقى مسارات المواجهة السعودية الإيرانية مفتوحة فيما دون المواجهة المباشرة بين البلدين، فوفقاً للاتجاه الدبلوماسي السعودي الذي يشير بأصابع الاتهام في الآونة الأخيرة إلى حزب الله وإيران في استهداف المملكة مباشرة، فإنه من المرجح بقاء المملكة على مستوى الاستنكار الدبلوماسي والتصعيد السياسي ضد حزب الله في لبنان من غير أن تلمس لبنان شكلاً من العقوبات القاسية اقتصادياً، وحتى مع توقع هذا التصعيد مع أحد أذرع إيران في المنطقة فإن الجهود السعودية يجب أن تصب في تقوية حلفائها على الأرض في لبنان، وطرح الثقة الكاملة في أهم المكونات الوطنية اليمنية التي تقف في صف الشرعية بغية إنهاء ملف الأزمة اليمنية؛ ذلك أن بقاء اليمن في وضع الحرب سيعيق كثيراً التحركات السعودية ويشتت جهودها في تسديد ضربات موجعة للنظام الإيراني، لهذا من المهم الإسراع في إغلاق ملف الأزمة اليمنية وفتح أبواب التواصل في جميع الاتجاهات والتي قد تقرب من إعادة الاستقرار لليمن.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية