AR EN

الحركة الإسلامية ... رؤية نقدية

مجموعة من المفكرين
25 فبراير 2017

القول المسموع والكلمة المقروءة، حتى إننا نجد أن حركة النشر قد تجاوزت عشرات الآلاف من الكتب والدراسات التي تروج لفكر الحركة الإسلامية وتوضح برامجها، ولله الحمد.. لكن مع الأسف الشديد نادراً ما نرى دراسات أو كتباً تدل الإسلاميين على مواطن الخلل أو القصور أو مراحل الإخفاق في تاريخها, وقد نجد كتبا في نقد العقائد والانحرافات العقدية أو في بعض اختيارات التيارات الإسلامية من ترك السياسة واعتزالها.. لكن من النادر جدا أن نجد كتابا أو دراسة صادرة من ثلة مفكرة أو مربية تقف على الأخطاء الداخلية، أو العلل القاتلة في التفكير الذي يشوه العقول الجديدة، أو نقد للممارسات التي تضعف فاعلية الشورى. وها هو سيد قطب أبو الحركات الإسلامية يوضح لهم كيف تعقب القرآن الكريم على "الجماعة المسلمة التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله, وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله. إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة. والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد التطبيق والسلوك، ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج، ولا مغيراً لقيمه وموازينه الثابتة. وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك، فانه يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فانه يصفهم بالانحراف، ولا يتغاضى عن خطئهم - مهما تكن منازلهم وأقدارهم - ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم. ونتعلم نحن من هذا، أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة. وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه - أياً كانوا - وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف … فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص"(5). "وتتدرب الأمة على حمل التبعة, وأن تخطئ مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة, لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تتحمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المقدرة للتبعات واختصار الأخطاء والعثرات, والخسائر في حياة الأمة لا تكون كسبا لها إذا كانت ستظل الأمة كالطفل القاصر تحت الوصاية؛ لأنها تخسر نفسها ووجودها وتربيتها, ولكن إذا استفادت ورشدت كانت الخسائر وهي تتدرب وتقود"(6). والوعي النافذ في الحركة الإسلامية يكمن من خلال تفهمها نظرية سيد رحمه الله: أن كشف الخطأ ومعرفته ليس هو المطلوب فقط، وإنما معرفة تصحيح الخطأ, وكيف تصحح الخطأ، ولا يكون ذلك إلا بأن تسمح الحركة بالنقد الذاتي عبر الدراسات والأبحاث، وتتيح الفرصة للباحثين والمفكرين لتقييم تجربتها، وتستفيد من ذلك، ثم تقود الحياة. هذه الرؤية النقدية... هي مجموعة خلجات قلبية صدرت عن مفكرين وباحثين.. منهم الشيخ راشد الغنوشي الذي يرأس حركة النهضة التونسية, ومارس العمل الإسلامي بمراحله المتعددة، وتربع على عرش تجديد الفكر الإسلامي، فكان راشدا في نظراته. والوزير السابق الفقيه الدكتور: عصام البشير من السودان.. رجل الوسطية والنهضة والتواصل الحضاري, صاحب الإسهامات الفكرية النهضوية. والدكتورغازي صلاح الدين العتباني, المثقف والمفكّر.. عميق الثقافة واسع الاطلاع، يتصف باللباقة والرصانة ودقّة العبارة, سياسي بارع , يدير أهم ملفين سياسيين في بلاده (ملف إدارة الحوار مع أمريكا)، و(ملف حل مشكلة دارفور), وهو حالياً مستشار الرئيس السوداني، وعضو المكتب القيادي للمؤتمر الوطني، ورئيس كتلة المؤتمر الوطني. والموريتاني الباحث الأستاذ: محمد بن المختار الشنقيطي, صانع الفقه السياسي الجديد، ومؤصل نظرياته.. عُرف في الأوساط الدعوية بشجاعة الرأي والقلم السيّال. والقانوني الحقوقي المصري الأستاذ: مختار نوح.. الذي عاصر الرعيل الأول من الإخوان المسلمين, وهو شاعر وخبير في الحركات الإسلامية. ورئيس الحزب الموريتاني (تواصل) الأستاذ : محمد جميل ولد منصور .. الذي شغل باله الإصلاح وتحقيق العدل , وهو يحضر الآن للدكتوراه في الفقه الإسلامي المقارن برسالة بعنوان (الديمقراطية والشورى: الاتفاق والاختلاف) . كلهم آمنوا بضرورة النقد الذاتي والنقد البناء, فطفقوا يتصدرون عملية نشر هذه الفريضة الغائبة في أوساط الإسلاميين، من خلال أوراق نقدية في شئون الحركة الإسلامية ومستقبلها, وفيها بيان أن سمت الدعاة هو تقبل النصح والتوغل في درب التجديد والإبداع. إن هذه ليست مجرد رؤى وأبحاث.. بل هي أفكار وخطط منهجية لمعالجة بعض الخلل الحاصل في الحركات الإسلامية, كي تتبرأ من الارتجال والعفوية والجمود على الهياكل والأساليب القديمة، وتجعل التفكير النقدي والمراجعة موضوع تدول يومي بينهم. ثم إن هذه الرؤى ستبقى أسطرا على الورق، إذا لم تنتقد وتراجع أفكارها أو تؤخذ بعين الاعتبار وتتولى الحركة الإسلامية تغيير وتنفيذ ما تراه مناسباً, فكل ما ورد في هذه الرؤية.. هو لأجل التصحيح والاستدراك. ونحن نتقدم بالنقد البنّاء إيمانا منا بإمكان الاستدراك على الخطأ، وتعديل المسار، ولسنا نتهم أحداً بسوء... بَيْدَ أنها النصيحة، والمؤمن مرآة أخيه.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية