AR EN

تقرير مؤسسة برتلسمان للتحول نحو الديمقراطية واقتصاد السوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (2014)

11 نوفمبر 2015

مقدمة المركز

استكمالا لمشروعه في نشر وترجمة الدراسات والأبحاث الأجنبية  أصدر مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث ترجمة لتقرير مؤسسة برتلسمان للتحول نحو الديمقراطية واقتصاد السوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (2014) .  يرصد التقرير أهم البيانات المرتبطة بتعزيز الديموقراطية والتنمية الاقتصادية والإدارة السياسية لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن تقرير شمل 129 دولة نامية.

والتقرير الذي يصدر عن مؤسسة برتلسمان كل عامين، يجمع ما يقارب 7000 تقييم فردي لرصد المؤشرات المرتبطة بالسياسات العامة، والتحولات السياسية في 129 دولة ( من بينهم الدول المعنية في التقرير المترجم)، حيث يقوم بتجميع ووضع هذه التقييمات أكثر من 250 خبير وعالم إداري واقتصادي ودارسي سياسات عامة وإدارية، لتحديد وإبراز المؤشرات والتوصيات التي تساهم في التنمية السياسية والاقتصادية الناجحة، وفقا  لوجهة نظر القائمين على المؤشر.

إن إدارة عملية التحول الديموقراطي من نظم استبدادية إلى نظم أخرى ديموقراطية، وكذلك عمليات السعي الدؤوب في عملية الإصلاح الاقتصادي تمثل أهم التحديات التي تواجهها دولة ما سواء فيما يتعلق بهيكلة مؤسساتها الحكومية العامة، أو تطوير منظومتها الإدارية للتغلب على الفساد وعدم الشفافية، أو التخلي عن هيمنة السلطة تدريجياً، والعمل على وضع قواعد عادلة للمنافسة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية التي تمثل الفئات الأكثر تهميشاً وفقراً.  في النهاية التقرير يؤكد أن  الإدارة السياسية وجودتها هي العامل الأساسي التي يتحكم في  فشل أو نجاح عمليات التحول الديموقراطي.

وهنا تأتي أهمية الاستعانة بمؤشرات مثل مؤشر بيرتلسمان، الذي يضع منهجية تساعد في توجيه صُنَّاع القرار السياسي والاقتصادي، ربما تزداد أهميته أيضاً كونه المؤشر الوحيد الذي يعتمد على قياس ومقارنة جودة الحوكمة مع معلومات تم جمعها بشكل ذاتي. كمان أن التقرير يعطي نتائج عالمية متنوعة يمكن من خلالها التعلم من الاستراتيجيات التي تم العمل بها من خلال حكومات مختلفة لتسريع عملية التحول والإصلاح السياسي والاقتصادي، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مثل حجم الموارد الاقتصادية والثقافة  المجتمعية وغيرها.

وعلى مستوى التنمية فمؤشر "برتلسمان" مع غيره من المؤشرات المرتبطة بتقييم النزاهة والشفافية، والتنمية الاقتصادية، والتطورات  المرتبطة بالتغيير والتحول الديموقراطي تستخدم نتائجه كمعيار -من ضمن جملة معايير متنوعة- من قبل مستثمرين دوليين لاتخاذ قرارات مرتبطة بالاستثمارات الأجنبيّة التي تعتبر ضرورية لمعالجة بعض التحديات الاقتصادية مثل إيجاد فرص عمل للمواطنين من جهة؛ فضلا عن انعكاسها لثقة المجتمع التجاري الدولي للدول المستقطبة سواء بالنسبة للقوانين أو الآفاق التجارية.

رصد تقرير برتلسمان أهم المعطيات التي تواكبت مع انتفاضة "الربيع العربي" وتأثير الأخير على الوضع السياسي والاقتصادي بدول الشرق الأوسط ودول شمال أفريقيا، ونوه التقرير على أنه وإن كان هناك تقدم بطيئ  في بعض الدول التي طالتها الانتفاضات الجماهيرية مثل مصر وتونس إلا أن هناك تراجعاً كبيراً فيما يتعلق بالإصلاحات

السياسية في أغلب البلدان العربية، كمان أن المؤشرات المرتبطة بالنمو الاقتصادي تحدثت عن أن البلدان التي طالتها الاحتجاجات الشعبية قد تأثرت اقتصادياً إلى حد كبير.

ووفقاً للتقرير فإن الفقر وعدم المساواة مشاكل مزمنة تعاني منها أكثر من نصف البلدان التي تم دراستها في التقرير; كما أن المجتمع المدني ودوائره تعاني مقاومة شديدة أثناء محاولتها المشاركة في معالجة بعض هذه المشاكل.

يظهر التقرير أنه على الرغم من الربيع العربي يمثل خطوة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وبلاد شمال أفريقيا كان من المتوقع أن تحدث حالة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، إلا أن العكس قد حدث بوجه عام في منطقة لا تزال بلدانها تعاني من الاستبداد السياسي، ومستويات عالية من التهميش  والتمييز الاجتماعي.

تقرير BTI  2014  رأى أنه رغم احتجاجات الربيع العربي التي مثلت خطوة هامة  لإحداث حراك سياسي في المنطقة إلا أنه كان هناك تباطؤ شديد في مسألة التحول السياسي سواء في دول الربيع العربي ذاتها، أو الدول العربية الأخرى التي لم تنالها الاحتجاجات الشعبية الواسعة.

التقرير تحدث عن أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد حلّت في المرتبة قبل الأخيرة بين المناطق الأخرى وذلك بواقع 4.80 درجة إذ لم يفصلها سوى هامش قليل وحسب عن غرب ووسط إفريقيا.

كما يكشف التقرير عن أن هنالك تراجع بشكل عامّ في مستوى حماية الحقوق المدنيّة في معظم دول المنطقة، ويظهر هذا على وجه التحديد في التمييز الحاصل ضدّ المرأة والأقليات الدينية والعرقيّة. وتكشف بيانات BTI لعام 2014 عن هذه المعضلة.

التقرير ايضاً تحدث عن أن الاضطرابات التي يشهدها العالم العربي الآن، فهنالك 13 دولة من أصل 19 قد شهدت تراجعًا على مستوى الاقتصاد، وهنالك على الطرف الآخر بعض دول الخليج التي شهدت بعض التعافي الاقتصادي حيث حلّت قطر في المقدّمة بصفتها الدولة ذات الاقتصاد المتقدّم الوحيد في المنطقة. ولا شكّ أنّ هذا ما توقّعه العديد من المراقبين، حيث تشهد دول التحول الديمقراطي في شمال إفريقيا حاليًا العديد من الصعوبات على المستوى الاقتصادي، بخلاف نظيراتها من الدول العربية في الخليج.

 

تحوّلات الصيف

سقطَ بعض الحكّام المستبدّين في احتجاجات الربيع العربي وصار للعديد من المواطنين في العالم العربي القدرة على التصويت بحريّة لأول مرّة، ولكنّ الوضع السياسي والاقتصادي في العديد من المناطق يشهد تدهورًا كبيرًا، كما أنّ أنظمةً أخرى في المنطقة قد زادت من قمعها لشعوبها. ولعل الحرب في سوريا تقدّم مثالًا مقلقًا عمّا يمكن أن تؤول إليه الأمور في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تجري العديد من النقاشات والحوارات حول شؤون الربيع العربي وما يحيط به من إشكالات وخصوصيات، وتطرح باستمرار أمثلة من قبيل: "هل ما حدث في مصر وليبيا وتونس وغيرها من الدول في المنطقة ثورات حقيقية؟ أيمكن لشعوب المنطقة بعد أن رزحت عقودًا تحت حكّام سلطويّين أن تتخلّص من الدكتاتوريّة والاستبداد وأن تبني ديمقراطيّات جديدة؟ أيمكن للإسلاميين الذين صاروا الأغلبية الجديدة في معظم بلدان الربيع العربي أن يثبتوا قدرتهم على الانخراط في العمل الديمقراطي أم أنّهم سيقيمون استبدادًا جديدًا بخطاب ثيوقراطي ويتجاوزون مبادئ الليبرالية؟ والسؤال الذي يطرح بعد ذلك هو: إن كان هذا هو "الربيع" فما الذي سيليه؟ هل ستشهد المجتمعات صيفًا تربو فيها المجتمعات وتقطف ثمار تطوير سياسي واقتصادي واجتماعي، أم أنّها ستشهد موجة حرّ قائظ تذوي معه كل الآمال؟"

ومهما تكن العاقبة، فإنّ التحركات الاحتجاجية التي اندلعت في العام 2011 قد صنعت التاريخ. فمعمّر القذافي قد أزيح عن الحكم وأسقط بعد 42 سنة في ليبيا، أما علي عبدالله صالح في اليمن فقد أسقط عن السلطة بعد 33 عامًا رئيسًا للبلاد، ومثله حسني مبارك في مصر، وكذلك الأمر لزين العابدين بن علي الذي حكم تونس 24 عامًا. وقد أتيح للمواطنين في كل من مصر وليبيا وتونس للمشاركة في أول انتخابات حرة ونزيهة في تاريخ بلدانهم، وقد منح الناس حقوقًا أساسية وأتيح لهم حق التجمهر والتظاهر، كما شهدت هذه الفترة قيام أحزاب سياسية ومؤسسات مدنيّة جديدة.

ولكنّ عند النظر إلى البيانات التي اشتمل عليها تقرير BTI [1]2014 نرى أنّ التحديات القائمة خطيرة وتدعو للقلق. ففي حين خطت تونس ومصر خطوات كبيرة في مجال الديمقراطية، كانت هنالك دول تخطو في اتّجاه معاكس فيما يتعلق بالتحول السياسي. ففي البحرين وسوريا على سبيل المثال، وكلتا الدولتين شهدتا عنفًا على المستوى المحليّ، لم يشكّل هذا التراجع مفاجأة كبيرة، ولكن المفاجأة كانت في عُمان والتي توصف عادة بأنّها بلد الاستقرار وواحة الهدوء في المنطقة ومع ذلك فإنّها قد شهدت تراجعًا كبيرًا على المستوى السياسي. ولا عجبَ في أنّ بقيّة الأنظمة الاستبدادية في المنطقة والتي لم يجرِ تسليط الضوء عليها كثيرًا بسبب توجّه الأنظار أكثر إلى الدول التي تشهد الثورات قد اتّبعت طرقًا غير ملحوظة للتصدي لجهود الدمقرطة التي نشأت فيها وقاموا بتعزيز قبضتهم على الحكم.

وبناء على ذلك فإنّه لم يطرأ أي تغير إيجابي ملحوظ على المعدل الإقليمي للدول التسعة عشرة فيما يتعلق بالتحول السياسي، مع وجود تقدّم إيجابي كبير في تونس (+[2]1.95، كما حازت أكبر نسبة تحسّن على التحول السياسي على مستوى العالم) و مصر (+1.37) و ليبيا (+1.03)، ثم يأتي بعدها الجزائر (+0.50). أمّا بقية الدول فمنها ما لم يطرأ ثمة تغيّر على تصنيفها ومنها ما أظهرت تراجعًا في المؤشر، مثل عمان التي تراجعت بواقع 0.57 و البحرين بواقع 0.70 نقطة. أمّا سوريا فقد خسرت 1.15 نقطة وتراجعت إلى تصنيف "دولة متهاوية" نتيجة لما طرأ من تخلخل كبير في كيان الدولة.

ولو أخذنا بالاعتبار أشكال التحول الاقتصادي في هذا التقييم فستكون الصورة أدعى للحذر والقلق أيضًا، إذ قد تراجع معدل تقييم المنطقة بواقع 0.40 درجة، وكانت مصر وإيران وليبيا والسودان وسوريا واليمن هي أكثر الدول تراجعًا في الترتيب العالمي للدول التي تشهد أكبر مستويات للتراجع، في حين كانت دولة الإمارات العربية المتحدة هي الدولة التي حققت أكبر مستوى للتقدم بواقع (+0.68). وعند اعتبار حالة التحوّل الاقتصادي نجد أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (5.44 نقطة) تتقدّم على منطقة يوراسيا التابعة للاتحاد السوفيتي سابقًا (5.22) ومنطقة جنوب وشرق إفريقيا (4.73) وغرب ووسط أفريقيا (4.31) ولكنّها تبقى مع ذلك المنطقة الوحيدة التي تظهر تراجعًا ملحوظًا في هذا الجانب. أما في مؤشر الحالة والذي يشير إلى مراحل التحول السياسي والاقتصاديّ، فإنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد حلّت في المرتبة قبل الأخيرة بين المناطق الأخرى وذلك بواقع 4.80 درجة إذ لم يفصلها سوى هامش قليل وحسب عن غرب ووسط إفريقيا (4.79).

أمّا بالنسبة لمؤشر الإدارة فلم يطرأ على المعدل الخاص بالمنطقة أي تغيير كبير، إذ كان التقييم 4.14 للأداء الإداري رغمَ أنّه منخفض مقارنة بالمعدل العالمي الذي وصل إلى 4.92. وقد شهدت ليبيا تطورًا في هذا المؤشر بعد سقوط القذافي بزيادة 1.21 نقطة وكذلك في اليمن بعد سقوط صالح بزيادة 0.85 نقطة، بينما كان هنالك تراجع في اليمن (-0.75) وسوريا (-1.79).

 

معضلة الثورة

الشكل 1: حالات التحسن: ارتفاع ترتيب تونس في مؤشر الديمقراطية

تحقق تطور كبير في مجال الحريات والتعبير عن الرأي والحق في التجمهر، كما تعزّز مبدأ الفصل بين السلطات واعتماد الانتخابات الحرة والنزيهة، ويمكن القول إنّ الدول التي شهدت الثورات قد اقتربت بالفعل من تحقيق الديمقراطية في بعض الجوانب المهمّة، ولكن ما تزال هنالك بعض الحقوق المدنية الأساسية التي لم يجر الاعتراف بها وحمايتها بشكل كاف في معظم الدول العربية خاصّة في الأنظمة السطلوية لدول الخليج.

لقد حققت تونس التي كانت نقطة انطلاق حركة التحول السياسي في المنطقة أفضل الإنجازات، إذ كان التحسن بمقدار نقطتين تقريبًا وتجاوزت تصنيفين اثنين، فهي لم تعد وفق مؤشر BTI دولة ذات نظام سلطوي كامل، وانتقلت إلى تصنيف ديمقراطيّة بالغة التعثّر.

لقد كانت عملية التحوّل أكثر صعوبة في مصر، ولا شكّ في أنّ عدد السكان الكبير فيها يجعل مشاكلها أكثر حدّة. ففي مصر تبدو حالة الركود أكثر وضوحًا، إذ بعد أن قامت المحكمة الدستورية بحل البرلمان في صيف عام 2012، وتبع ذلك حل مجلس الأمّة بعد عام، صارت مصر تفتقر إلى هيئة تشريعية فاعلة، وهذا مثال على أنّ السياسة قد باتت مجالًا للنزاع بين الجهاز التنفيذي الذي صار بيد جماعة الإخوان المسلمين والسلطة القضائية التي تميل نحو التعاون مع العسكر.

في المقابل نرى أنّ ليبيا قد عقدت انتخابات برلمانية بصورة مهنيّة في تموز 2012 بعد انتهاء المواجهات مع نظام القذافي وقد كان هذا أمرًا لم يتوقّعه الكثيرون. ولكن الحياة الحزبية عانت كثيرًا من العزلة ولا تتمتع بالتنوع الكافي ولذا فإنّ التأقلم مع النظام الجديد لن يكون أمرًا سهلًا، خاصة أنّ الوضع الأمن الهشّ يشكّل مصدر قلقٍ كبير. فمع غياب الحماية الكافية للحقوق المدنيّة فإنّ النظام في ليبيا ما يزال يصنّف على أنّه نظام سلطويّ.

والحال في اليمن ليست مختلفة كثيرة عن ليبيا. فبعد نزاع طويل مع علي عبد الله صالح أجبر الأخير على التنحّي عن السلطة مخلّفًا للرئيس الانتقالي من بعده، عبد ربّه منصور هادي، دولةً ضعيفة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة. ولذا فإنّ اليمن، ثاني أفقر بلد عربي، يعاني من نزعات انفصالية متزايدة بين الشمال والجنوب، كما أنّ الأنشطة الإرهابية لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة يزيد الوضع تعقيدًا.

وتمثّل سوريا والبحرين استثناءين مؤسفين في دول الربيع العربي، إذ تعرّضت الاحتجاجات التي قادها في الغالب شيعة البحرين رفضًا للتهميش والمظالم الاجتماعية وحكم العائلة المالكة السنيّة إلى قمع عنيف بمساعدة قوات من السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد جرى هذا القمع من دون معارضة ولا استنكار من قبل الحكومات الغربيّة بشكل عام، ولا بدّ من النظر إليه في سياق حالة التخوفات الجيواستراتيجية التي تسود المنطقة، فالمملكة العربية السعوديّة ذات النظام السنّي وإيران الشيعية يتنافسان على تحقيق سيطرة إقليمية في منطقة الخليج، ومن المعروف أنّ لهذا التنافس صيغةً مذهبيّة، خاصّة أنّ البحرين ذات الأغلبية الشيعيّة والتي تحكمها عائلة سنيّة تعدّ طرفًا بالغ الأهميّة في إستراتيجية السيطرة السعوديّة.

أمّا المشهد في سوريا فالعكس تمامًا، فهنالك أغلبية سنيّة من السكّان تحكمها أسرة علويّة ترتبط مع المعسكر الشيعيّ، وبدا أنّ بشار الأسد على استعداد لاستخدام مدىً من البطش يتجاوز وحشيّة الأب حافظ الأسد، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة أنّ أكثر من 100 ألف شخص قد قتلوا حتّى صيف عام 2013 ومئات الآلاف قد شرّدوا وأرغموا على ترك بلادهم.

هنالك تراجع بشكل عامّ في مستوى حماية الحقوق المدنيّة في معظم دول المنطقة، ويظهر هذا على وجه التحديد في التمييز الحاصل ضدّ المرأة والأقليات الدينية والعرقيّة. وتكشف بيانات BTI لعام 2014 عن هذه المعضلة. لقد طرأ تحسّن على معدّل المنطقة فيما يتعلق بالانتخابات الحرة والنزيهة بمقدار (+1.00) وفي السلطة الفعالية للحكم (+0.68) أما فيما يرتبط بحقوق التجمهر وتشكيل الجماعات والأحزاب (+0.53) وفي حريّة التعبير (+0.21) والفصل بين السلطات (+0.32). أمّا فيما يتعلق بحماية الحقوق المدنيّة، فقد كان هنالك تراجع كبير بواقع 0.47 نقطة، ويعزى هذا التراجع إلى ما حصل من تخلخل عامّ بحالة الدولنة، إذ رصدت تقييم BTI  تراجعًا في حالة الدولنة بلغ 0.64 نقطة، كما يعزى هذا التراجع كذلك إلى تزايد أثر الجماعات المتطرّفة وضعف الإجراءات الأمنية الفعالة خاصّة في حماية الجماعات العرضة للاستهداف.

هنالك دولتان لم تتعرضا لما يكفي من تركيز وسائل الإعلام رغم أنّهما قد شهدتا الكثير من التطورات التي يجدر الالتفات إليها. فقد طرأت في الجزائر وعلى نحو غير متوقع تطورات إيجابية، وذلك استجابة للتطوّرات التي شهدتها تونس على حدودها الشرقية، حيث قامت النخبة الحاكمة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بزيادة الحريات السياسية في ربيع عام 2011، وكان الإجراء الأهمّ يتمثّل في إنهاء حالة الطوارئ التي استمرّت 18 عامًا، وذلك في 23 شباط 2011، وعلى إثر ذلك عقدت أوّل انتخابات برلمانية تتمتع بقدر من الحرية والنزاهة منذ الحرب الأهلية. أمّا عمان فقد ضيّعت بوصلة التحوّل السياسي، وبالرغم من أنّ السلطان قابوس قد أخذ منحىً معتدلًا في سلطويّته إلا أنّ النظام هذه المرّة قد واجه المظاهرات رغم صغرها بمقدار كبير من العنف.

هنالك ثلاث دول قد شهدت تراجعًا كبيرًا رغم الوضع السيئ فيها أصلًا. فقد تراجعت السودان في مؤشر التحول السياسي من 2.45 نقطة بعد الانفصال عن جنوب السودان، وحلّت في المرتبة رقم 129 في مؤشر BTI، وهذا التراجع يعزى في المقام الأول إلى التراجع في حالة الدولنة[3] والحقوق المدنيّة. والأمر ذاته ينطبق على المملكة العربية السعودية (2.73 نقطة). وأخيرًا، فقد استمرّ التراجع في إيران حيث حصلت على 3.13 وحلت في المرتبة 1188 ويعود ذلك بشكل أساسي إلى القيود التي تفرضها على محدودية فرص المشاركة السياسية فيها.

   

كلفة الاضطرابات

الشكل 2 التراجع الاقتصادي في وقت الثورات: التغيرات في مرتبة السوق الاقتصادية وفق تقييم BTI 2012-2014

عادة ما ينجم عن الثورات أضرار على المستوى الاقتصادي، وهذا ما تؤكده الاضطرابات التي يشهدها العالم العربي الآن، فهنالك 13 دولة من أصل 19 قد شهدت تراجعًا على مستوى الاقتصاد، وهنالك على الطرف الآخر بعض دول الخليج التي شهدت بعض التعافي الاقتصادي حيث حلّت قطر في المقدّمة بصفتها الدولة ذات الاقتصاد المتقدّم الوحيد في المنطقة.

لا شكّ أنّ هذا ما توقّعه العديد من المراقبين، حيث تشهد دول التحول الديمقراطي في شمال إفريقيا حاليًا العديد من الصعوبات على المستوى الاقتصادي، ونلاحظ أيضًا أن مصر وليبيا وتونس قد شهدت تراجعًا اقتصاديًا بمعدل 0.63 نقطة، فهي تعاني من تدهور أكبر من المعدل الحاصل في المنطقة (-0.40) .وجدير بالذكر أنّ مصر قد تراجعت كثيرًا في الجوانب التي تتعلق بالسياسات المالية والسياسات التنافسية والاستقرار الكلّي. كما كان النموّ الاقتصادي الحقيقيّ بواقع ضئيل بلغ 1،8 بالمئة في السنة التي اندلعت فيها الثورة، كما وصلت نسب البطالة إلى مستويات قياسيّة عالية، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات. ومع الضربة الحادّة التي شهدها قطاع السياحة في البلاد فإنّ مصر الآن قد باتت على وشك الإفلاس.

أسهم التمييز القائم على أساس الدين والنوع الاجتماعي في ليبيا كما في مصر بالتأثير سلبًا على الإسهام الاقتصادي لبعض فئات المجتمع، كما أنّ الاستقرار الاقتصادي الكلّي والأداء الاقتصادي العام قد تدهورا في البلاد كما هو متوقّع في أي بلد بعد الثورة. وحتّى تونس شهدت تراجعًا في مخرجاتها الاقتصادية بسبب الظروف التي شهدتها البلاد، وارتفع عجز الموازنة الحكومية والدين الوطني بين العامين 2010 و 2012 بينما بقيت نسبة البطالة ثابتة على 18 بالمئة. وفي محاولة للحفاظ على أسس مستقرة للاقتصاد الكلّي فقد تمّ تخفيض سعر صرف الدينار التونسي أمام اليورو بواقع 6 بالمئة. ولكنّ شيئًا من الأمل يلوح في قطاع التصدير والذي حقق حتى بعد الثورة زيادة في مداخيله مع أنّ التراجع في الاقتصاد الأوروبي كذلك قد ترك أثرًا سلبيًا على الاقتصاد التونسي.

شهدت سوريا تراجعًا كبيرًا وغير مستغرب بواقع 2.29 نقطة وذلك بسبب الحرب التي اندلعت في البلاد عام 2011. ومع هذا فإنّ التراجع الحاصل في السودان واليمن (-1.07 و -1.11 على التوالي) وهما أفقر اقتصادين في المنطقة يمثل تحدّيًا خطيرًا. كما استمرّت الاقتصاد الإيراني بالتراجع بخسارة 1.04 نقطة، وهذه المشكلات الاقتصادية هي جزء ممّا خلفة نجاد للرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني.

أمّا في منطقة الخليج، فقد استمرت قطر والإمارات العربية المتحدة في تحقيق مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية. ففي الإمارات (+0.68) والتي عانت بين العامين 2008 و 2009 من انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية حينها فقد حقق المركز المالي في دبي نتائج مكّنت اقتصاد البلاد من التعافي والعودة إلى سابق استقراره، وذلك بفضل ارتفاع أسعار النفط، وارتفع إجمالي الناتج الوطني في العام 2012 إلى ما يقارب 400 مليار دولار أمريكي، وهذا أكثر من ضعف ما كان عليه في العام 2006. وبلغ الفائض في الموازنة ما يقارب 10 ملايين دولار أمريكي مما ساعد على مضاعفة رواتب العاملين في القطاع العام كاستجابة لأحداث الربيع العربي دون أن ينشأ عن ذلك أي انعكاسات سلبيّة. كما وضعت البلاد في العام 2012 قانونًا جديدًا للتنافسية من شأنه أن يعزّز النمو الاقتصادي بشكل أكبر. كما تمكّنت قطر (+0.21) من تهيئة ظروف اقتصادية أفضل وذلك بعد أن وضعت مشروع قانون جديد لإدارة النشاط التجاري بداية العام 2013. وكان الفائض النقدي السنوي في العام 2012 قد بلغ 15 مليار دولار أمريكي مع عدم وجود بطالة في البلاد مع منافع اجتماعية فوق المعدّل. ولكنّ هذه الحالة تنطبق على المواطنين وحسب، كما هي الحال في بقية دول الخليج، حيث يبقى العمال المغتربون وخاصة العمال القادمون من جنوب شرق آسيا يعملون ويعيشون في ظروف صعبة في تلك الدول الملكيّة الغنيّة بالنفط ويستثنون بشكل عام من المنافع الحكومية.

يصنّف تقييم BTI دولة قطر على أنّها اقتصاد السوق المتقدّم الوحيد في المنطقة. وفي 25 حزيران 2013 قام الأمير حمد بن خليفة آل ثاني بنقل السلطة إلى ابنه تميم في ظلّ ظروف داخليّة مستقرّة. أمّا تونس فصنّفت كاقتصاد سوق ذي عثرات وظيفية رغم النكسات التي تعرض لها، بينما تراجعت مصر إلى تصنيف اقتصاد سوق ضعيف، أما السودان وسوريا واليمن فتصنف كاقتصادات سوق بدائيّة، وذلك لأنّها عانت من دمار خلفته الحرب الأهلية فيها. ووفق تقديرات الأمم المتحدة فإن أكثر من 50 بالمئة من اليمنيين يعيشون في فقر مدقع، ولا يكاد الوضع في السودان يختلف كثيرًا عن اليمن، وذلك أنّ الدخل السنوي للفرد لا يتعدى 2،300 دولار أمريكي، وضاعف من صعوبة الوضع انفصال جنوب السودان في 9 تموز 2011 وما تبع ذلك من خسارة السودان لاحتياطات كبيرة من النفط.

 

آمال كبيرة وتوقّعات خائبة

هنالك تباين كبير بين مستويات أداء الحكومات المختلفة في المنطقة، ففي حين نرى أنّ الحكومات في شمال إفريقيا تظهر حكمة بالغة في إدارة التحول، فإنّ الوضع في إيران والسودان وسوريا ما يزال مأساويًا. أمّا تركيا فتقدم لنا مثالًا على حكومة في غاية الفعالية ولكنّها أدخلت البلاد في حالة من الاختصام الداخلي والافتراق.

يمكن معرفة مدى الضعف على مستوى الحوكمة في كل من إيران والسودان وسوريا من مجرّد النظر إلى التصنيفات الكاملة في تقرير BTI، حيث سنجد أنّ سوريا قد حلّت في المرتبة ما قبل الأخيرة حيث يأتي قبلها إريتريا وتسبقها كوريا الشمالية والصومال. كما جاء تقييم الحوكمة في إيران (مرتبة 124) و السودان (مرتبة 123) أسوأ من تقييم أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية و زيمبابوي. وحتّى دولة جنوب السودان وهي من دول الجوار الناشئة حديثًا والتي تعاني من مصاعب جمّة قد حقّقت مستويات أفضل فيما يتعلق بالإدارة السياسيّة فيها.

أمّا السقوط المدوّي لسوريا في مؤشر الإدارة فقد جاء مباشرة بعد شيءّ من التحسن الذي طرأ في تقييم BTI للعام 2012، حيث اشتملت تلك التطورات على زيادة توظيف المهنيين المدربين ليحلوا مكان الموظفين التابعين للحزب على مستوى الإدارة العامّة، بالإضافة إلى زيادة التعاون الدولي، ولكن سرعان ما تلاشت هذه التطورات، حيث يشير التراجع الحاصل بمقدار 1.79 نقطة والتقرير المتعلق بالدولة أنّ النظام قد تعمّد أن يلقي بالبلاد نحو الهاوية.

كما كان لمحمود أحمدي نجاد سجل هزيل فيما يتعلق بالحوكمة، إذ خسرت إيران تحت قيادته 1.25 نقطة مقارنة بالعام 2006 حين كانت أصلًا مصنفة ضمن الدول ذات الإدارة شديدة الضعف. ويبدو أن هذا الرئيس لم يول الكثير من الاهتمام لمحاربة الفساد أو للسعي على الدعم الدولي، كما كان نظامه يعاني من انقسام داخلي وشهدت البلاد صراعًا على السلطة في نيسان 2011 وكان آية الله على الخميني يقف حجر عثرة في طريق كل الجهود المتعلقة بصناعة السياسات.

كما أظهرت الحكومة السودانيّة كذلك حالةَ رفض للإصلاحات، فبعد الانقسام عن الجنوب ذي الأغلبية المسيحية في تموز 2011 كان من المتوقع بروز حالة قوية من الوحدة والتجانس في الشمال ذي الأغلبية العربية المسلمة، إلا أنّ الحكومة الآن لا تنفكّ تدعو للوحدة والحشد في حالة خطابيّة عالية.

بينما حققت الحكومات الجديدة في شمال إفريقيا أداء متوسطًا إلى جيد على مستوى الحوكمة، إذ جاء تقييم ليبيا ومصر وتونس أفضل بشكل عام من التقييمات التي حصلت عليها عام 2012، ولعل أفضل تقدّم قد طرأ في ليبيا (+1.21) مع أنّ هذا الضعف المستمر يعزى إلى الأوضاع المأساوية التي خلفها نظام القذافي في البلاد. أمّا التطورات الطفيفة التي طرأت في كل من مصر وتونس (+0.29 و +0.22 على التوالي) فتعكس التقسيمات الحاصلة في سجلات الحوكمة حيث تتعارض بعض جوانب التقدم مع جوانب أخرى من التراجع في جوانب تتعلق بتنسيق السياسات وإدارة النزاع والمصداقية الدولية.

ويظهر التراجع على مستوى الحوكمة في عمان بشكل جليّ بالتوازي مع التراجع على المستوى السياسي خلال نفس الفترة. وقد دلّ التعامل الصارم مع المطالبات بالإصلاح على قناعة بأنّ السلطان يتبنى منهجية أكثر سلطوية في الحكم من دون اعتبار للتخطيط السياسي طويل المدى في البلاد، فليس في عمان حتى الآن رئيس وزراء كما أنّ التعديلات الوزارية والإصلاحات الظاهرية لم تعد قادرة على إخفاء حالة التذبذب الداخلي في الدولة.

الشكل 1 تركيا: الحكم بشكل أكثر فعالية ولكن مع زيادة في حالة الإقصاء: التغيرات الحاصلة في تقييم BTI 2008-2014

طرأ في تركيا بعض التغير بالمقارنة مع نتائج تقييم BTI عام 2012 وذلك في جميع عناصر الاستبيان، ولكنها تبقى مع ذلك ضمن المجموعة الأعلى في التقييم، حيث حلت في المرتبة 12 على مؤشر الإدارة. ولكنّ التحليل طويل المدى لبيانات تقييم BTI تقدم تفسيرًا مقنعًا للرفض المتزايد لأسلوب الحوكمة الذي يوصف بأنه ينحو إلى مزيد من السلطوية في شخص رجب طيب أردوغان وحكومة العدالة والتنمية. لقد شهدت البلاد تراجعًا لتأثير القوى العلمانية المتشدّدة في تفسير المثل التي وضعها مؤسس الجمهورية، كمال أتاتورك، بالإضافة إلى النجاح في إبعاد الجيش عن التدخل في السياسة وذلك بعد كشف مؤامرة الأرغنكون عام 2009، وهذا ما أدى منذ تقييم BTI عام 2009 إلى تحسن تدريجي في فعالية سلطة الحكم والقدرة على التطبيق. نجد في المقابل حالة متزايدة من إقصاء ممثلي المجتمع المدني عن عملية صنع القرار في البلاد، وهذا ما يفسر التخوفات المتزايدة من تمركز سلطة الحكم وخلق حالة من التشظي في تركيا، ولعل هذا الخوف والإحباط والشعور بالعجز هو ما دفع المتظاهرين للاحتجاج والتجمهر في أحداث جيزي بارك في حزيران 2013.

 

ديناميكيات معطلة

وجدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نفسها وقد دهمها التغيير، فالشعوب العربية في كل من مصر وليبيا وتونس واليمن قد أسقطت الأنظمة القديمة فيها، ولكنها تعيش الآن في مرحلة انتقالية بالغة الصعوبة، ولاسيما في ظل الصراع على السلطة بين الإسلاميين والقوى العلمانية وقوى العسكر في بعض هذه البلدان. وتتسبب حالة انعدام الأمن في هذه البلدان بوضع الكثير من الضغوط على الاقتصاد، وصارت الأقليات الدينية والعرقية والمجتمعية قد صارت عرضة لمزيد من العنف وذلك إمّا لضعف القدرات أو غياب الاستعداد. وقد أخذت النزاعات في سوريا والبحرين منعطفًا عنيفًا حيث ازدادت الخسائر في الأرواح والممتلكات الخاصة والبنية التحتية. والحاصل أنّ من سيتولى السلطة في سوريا بعد الحرب سيواجهون مهمّة هائلة لإعادة بناء الدولة على المستوى المادي، وتبقى المعضلة الأكبر متمثّلة في إعادة بناء النسيج الاجتماعي بعد توسع الشروخ والانقسامات بين أطياف المجتمع المختلفة، ولا شكّ أنّ التأثير الذي تلعبه بعض الأطراف الدولية في سوريا، مثل إيران وروسيا وحزب الله لم تزد الوضع إلا تعقيدًا.

وبالنظر إلى جميع الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فإنّ بالإمكان القول إنّ الربيع العربي لم يؤثر على المنطقة بأسرها، ولكن يبقى من المهمّ النظر إلى التحركات الكبيرة، وإن اختلفت اتجاهاتها، في دول شمال إفريقيا التي شكلت من قبل جبهة مناهضة للديمقراطية (كالجزائر ومصر وليبيا والمغرب وتونس) وبعض الدول الخليجية التي تميل نحو الإصلاح (في المجال الاقتصادي على الأقل) كالبحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد جاءت المنطقتان الفرعيتان قريبتين في تقييم BTI للتحول السياسي (شمال أفريقيا 3.85 درجة، ومنطقة الخليج 4.03 درجة) ولكنّ دول شمال إفريقيا قد أظهرت تحسنا كبيرًا في تقييم BTI لعام 2014 بواقع 4.84 نقطة، بينما تراجعت دول الخليج إلى 3.73 نقطة، باستثناء الكويت التي كانت قريبة من المعدل الخاص بدول شمال أفريقيا في مجال التحول السياسي، أما منطقة الخليج، خاصة بالنظر إلى التراجع الحاد في البحرين وعمان، فلا بدّ من النظر إليها كمعقل للحكم السلطويّ حتى بالمقارنة مع دول أخرى في العالم.

أما فيما يتعلق بالتحول الاقتصادي فإنّ دول شمال أفريقيا لم تتمكن من ردم الفجوة الكبيرة التي تفصلها عن دول الخليج والتي ظهرت في تقرير BTI لعام 2012 (شمال إفريقيا 5.55 ومنطقة الخليج 7.14)، بل إنّ الأزمات السياسية قد أدت إلى مزيد من التراجع خاصة فيما يتعلق بالتحول الاقتصادي والاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي، وانخفض تقييم شمال أفريقيا في مقياس التحول الاقتصادي إلى 5.19، بينما بقي الوضع مستقرًا في منطقة الخليج بواقع 7.15 نقطة. وسيبقى الوضع الاقتصادي في البلدان التي شهدت الثورات متأزمًا لبعض الوقت، وهذا ما نراه جليًا في مصر والتي تعتمد على قروض بمليارات الدولارات، أما في ليبيا، فإن الإدارة المتضخمة لأسباب سياسية في عهد القذافي تمثل أكبر التحديات للمستقبل الاقتصادي للبلاد، وتؤكد على الحاجة الماسة لإصلاح ما يعيق التحول الاقتصادي بالرغم مما تتمتع به الدولة من احتياطات ضخمة من المواد الخام.

وقد تجلّت الديناميكيات المختلفة بين المناطق الفرعية في مجال إدارة التحوّل، إذ تراجعت دول الخليج مقارنة بتقييم BTI لعام 2012 (من 4.72 نقطة إلى 4.54 نقطة) بينما طرأ تحسن في تقييم دول شمال أفريقيا (من 3.93 إلى 4.46)، بينما بقيت إيران على تراجعها، مع أنّ انتخاب روحاني رئيسًا جديدًا للبلاد قد جلب بعض التكهنات ببروز تحسّن في الأداء الإداري في البلاد، ويواجه روحاني تحدّ صعب للبدء بإصلاحات تمسّ النظرة المحافظة المتشدّدة للقيادة الإسلاميّة ذات النفوذ الكبير من دون أن يخسر الدعم من مجلس الشورى بقيادة الخميني.

ومع أنّ التفوق الاقتصادي لدول الخليج سيتواصل في الفترة المقبلة بفضل ما تتمتع به هذه الدول من مصادر طبيعية ولما بدأته من مشاريع حصيفة طويلة المدى في مجالات التعليم والبنية التحتية، إلا أنّ التأثير السياسي بدأ يتحوّل مجددًا نحو الغرب ليعود إلى مصر والدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ولهذا فإنّ لما يجري في القاهرة أبعادًا بالغة الأهميّة. ولا بدّ أنّ الطريق نحو الاستقرار والديمقراطية سيتحدّد وفقًا لما ينجم عن ثورات الربيع العربيّ وما إذا كانت الثورة ستغيّر وجه المنطقة وتنتقل بها إلى مرحلة أفضل على المدى البعيد.


التعليقات

اشترك في القائمة البريدية