AR EN

الدين والسياسة الخارجية الروسية

أ.د. صالح بن محمد الخثلان
01 فبراير 2017
تحميل نسخة pdf
ملخص

منذ الأشهر الأولى لمحاولات التغيير السياسي التي شاع تسميتها بالربيع العربي وتحول معظمها إلى صراعات دموية اتخذت روسيا موقفاً ثابتاً ومتواصلاً بدعم النظام السوري رغم تشكل إجماع دولي على إدانته ودعم لمساعي تغييره  لإنهاء معاناة الشعب السوري ووقف تدمير الدولة السورية. تمسكت روسيا بهذا الموقف خلال مراحل الصراع وتنامى دعمها للنظام رغم ما يتسبب فيه من مأساة إنسانية كبيرة الأمر الذي حير المراقبون وراحوا يبحثون في الأسباب التي يمكن أن تفسر إصرار موسكو على دعم النظام السوري وحمايته دولياً ليس فقط من خلال الاعتراض على ستة قرارات دولية كان يمكن أن تسهم في وضع نهاية للصراع، بل بالتدخل العسكري المباشر وتحمل الخسائر المادية والبشرية وكذلك الإساءة لسمعتها إقليميا ودولياً.

 لقد طرحت جملة من التفسيرات لهذا الموقف الصلب من بينها: الرغبة في الدفاع عن مصالح روسيا الاقتصادية  والعسكرية في سوريا والمحافظة على آخر موقع للنفوذ الروسي في المنطقة. هذا فضلاً عن هدفها الاستراتيجي المتمثل في الاعتراف بدورها في إدارة الشؤون الدولية واعتبارها شريكاً رئيساً في ضبط قضايا السلم والأمن الدوليين. كما أشار البعض إلى خشية روسيا من تكرار سيناريو  ليبيا؛ حين تحول قرار دولي بتوفير منطقة حظر جوي لحماية المعارضة إلى تدخل عسكري مباشر أطاح بنظام القذافي وحول ليبيا إلى أرض متنازع عليها بين فئات متصارعة من أبرزها التنظيم المعروف باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وهو ما تخشى روسيا تكراره في سوريا الأمر الذي سيهدد أمن حدودها الجنوبية ويعيد تـأجيج الصراع في منطقة القوقاز. [1]

ولاشك أن جميع هذه التفسيرات تقدم شيئاً من التوضيح للموقف الروسي الراسخ تجاه الصراع في سوريا، إلا أنها تتجاهل بعداً آخر يبدو أن له تأثيره على تشكل الموقف الروسي تجاه  القضايا الدولية الراهنة بشكل عام وتجاه الصراع في سوريا بشكل خاص، ويتمثل في منظور قيمي وروحي مصدره الديانة الأرثوذكسية التي ينتمي لها غالبية الشعب الروسي وتعبر عنه المكانة المتنامية للكنيسة الأرثوذكسية في روسيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة. حيث يتبين من تصريحات متكررة لمسئولين حكوميين وكذلك لقيادات كنسية ومن أنشطة الكنيسة أن العامل الديني له نصيبه في تشكيل الرؤية الروسية للصراع في سوريا. ولذلك فإن الدراسة تقترح مراعاة هذا العامل إلى جانب العوامل الإستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والسياسية من أجل الوصول إلى تفسير شامل للموقف الروسي تجاه الصراع في سوريا.

لو أجرينا مسحاً لكافة أدبيات العلاقات الدولية والسياسة الخارجية المنشورة قبل عقدين من الزمن على الأقل فلن نجد سوى إشارات عابرة للدين حيث سادت حالة من التجاهل التام للدين في دراسة العلاقات الدولية وقضاياها المختلفة وكذلك في التفسيرات المختلفة لسلوك الدول وتفاعلها مع بعضها البعض.  ذلك التجاهل لم يكن عفوياً بل يعبر عن معتقد شاع بين دارسي العلاقات الدولية بل والعلوم الاجتماعية بشكل عام باختفاء الدين من الحياة العامة وتحوله إلى شأن فردي خاص نتيجة عملية التحديث والعلمنة التي أصبحت وفقاً لهذا التصور حالة حت[مية تكتسح كافة أرجاء العالم وتعيد تشكيل قيم الإنسان على أسس حديثة بعيداً عن المعتقدات الدينية. هذا الافتراض بانتهاء دور الدين في الحياة العامة والذي تحول إلى قناعة يتبين في غياب أي إشارة إلى الدين ضمن المدارس الرئيسة في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. فالواقعية التي تعد المدرسة المهيمنة تجاهلت الدين تماماً فالدول تتصارع على القوة من خلال حسابات عقلانية للحصول على المزيد من القوة المقاسة بشكل مادي( قوة عسكرية واقتصادية). أما المدرسة الليبرالية التي نبهت إلى ضرورة النظر في دور قوى المجتمع في صناعة السياسة الخارجية فلم تكن الجماعات ذات النزعات الدينية ضمن تصوراتها كقوى مؤثرة حيث قصرت اهتمامها على القوى الاقتصادية والعمالية والحقوقية والبيئية.  ولم يكن مستغرباً أن تتجاهل المناهج ذات النزعة الماركسية والتي راجت تحديداً في حقل الاقتصاد السياسي الدولي أي دور للدين أو المعتقدات بشكل عام في توجيه العلاقات بين الدول أو تشكيل سياساتها الخارجية.  أما المناهج التي عنيت بصناعة القرار فلم تتطرق للدين سوى من خلال إشارات محدودة للمنظومة القيمية لصناع القرار أو الخصائص الثقافية للدولة. وانحصر الاهتمام بتأثير الأفكار والمعتقدات ومنها الدينية على السياسة الخارجية في دراسة الأيديولوجيات التي نظر إليها في الغالب من زاوية وظيفية حيث يستخدمها الساسة لتبرير سياساتهم ومنح مصالحهم المادية غطاء قيمياً من أجل تمريرها وكسب التأييد لها.[2]

قم بتحميل الملف لقراءة المزيد ..


التعليقات

اشترك في القائمة البريدية