AR EN

الكيان الصهيوني .. والحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

د. صالح النعامي
10 نوفمبر 2014
ملخص

الكيان الصهيوني .. والحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني آفاق المواجهة ومآلات الصراع لقد كان من اللافت أن كلاً من المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية في الكيان الصهيوني قد أجمعا على تفسير واحد للهبة الشعبية العارمة التي قامت بها القبائل البدوية التي تقطن صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة احتجاجاً على خطة " برافير "، الهادفة لطردهم من أرضهم ، بالقول : إن الأمر يرجع للتحريض " الخطير " الذي تقوم به الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح ، صحيح أن الحركة الإسلامية لعبت دوراً أساسياً في الوقوف إلى جانب بدو النقب في محنتهم ، مما أجبر الحكومة الصهيونية على التراجع عن المخطط " مؤقتاً "، لكن هذه الاتهامات تعكس في الواقع التقييم الأساسي للحكومة الصهيونية للحركة الإسلامية في فلسطين 48 ، فحسب العرف الصهيونية ، فإن الحركة الإسلامية تمثل تهديداً استراتيجياً على " إسرائيل " ، كما جاء في تقرير قدم لرئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو ([1]) . إن دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني انطلقت في تقييمها للحركة الإسلامية في فلسطين 48 من خلال رصدها ثلاثة " مواطن خطر " يعكسها سلوك الحركة ، وهي : تعزيز التوجهات الانفصالية لفلسطينيي 48 تدعي النخب الحاكمة في تل أبيب أن الحركة الإسلامية تسعى لتعميق التوجهات الانفصالية لفلسطينيي 48 من خلال تدشين شبكة من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والدينية والثقافية بمعزل عن مؤسسات الكيان الصهيوني بشكل قلص من حاجة فلسطينيي 48 للخدمات التي تقدمها المؤسسات الصهيونية ، ولقد أبدت المؤسسة الصهيونية الحاكمة حساسية شديدة إزاء أيدلوجية " المجتمع العصامي " التي أرساها الشيخ " رائد صلاح " والتي تدعو إلى إقامة مجتمع عصامي لديه القدرة على الاكتفاء ذاتياً على جميع الأصعدة والمستويات ، وذلك لكي يتمكن من مواجهة تبعات سياسة التمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل ضد فلسطيني48. وقد نشطت الحركة الإسلامية في إقامة مؤسسات تعنى بملء الفراغ الناجم عن تقصير مؤسسات الكيان الصهيونية المتعمد في توفير الخدمات لفلسطينيي 48 الذين يعيش 58 % منهم تحت خط الفقر وفق إحصاءات مؤسسة التأمين الوطني في إسرائيل ([2]) . وترى كثير من النخب الإسرائيلية أن الحركة الإسلامية تستغل حالة انعدام الثقة في مؤسسات الكيان الصهيوني لدى فلسطينيي 48 من أجل تكريس التوجهات الانفصالية لديهم ، ويزعم " آفي ديختر " - وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق ، والذي سبق له أن تولى قيادة جهاز المخابرات الداخلية " الشاباك " - أن النظام التعليمي الخاص الذي تديره الحركة الإسلامية يعمل على غرس الميول الانفصالية لدى الشبيبة الفلسطينية ، من خلال تصويره الدولة كعدو . ويرى " مردخاي كيدار " - رجل الاستخبارات الصهيوني السابق والمحاضر في قسم الدراسات الشرقية في جامعة " بار إيلان " الصهيونية - أن مؤسسات الحركة الإسلامية أسهمت في تعزيز الشعور بالاستقلال لدى قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني ، مما يستدعي من " الدولة " التحرك لوضع حد لهذا الواقع ([3]) . وهناك في إسرائيل من يرى أن الدور البارز للحركة الإسلامية في تعزيز التوجهات الانفصالية تمثل بشكل واضح وجلي في إقناع معظم الشباب البدو الذين يقطنون في صحراء النقب بالتوقف عن التجند في صفوف الجيش الصهيوني ، فقد تمكنت السلطات الصهيونية من إقناع الكثيرين من الشباب البدوي بالخدمة العسكرية ، حيث تطوع هؤلاء الشباب في العمل كقصاصي أثر ، حيث لعبوا دوراً كبيراً في تعقب آثار المقاومين الفلسطينيين الذين يتسللون إلى إسرائيل لتنفيذ عمليات مقاومة ، وبعد ذلك انتقل بعض الشباب البدوي للخدمة في الوحدات القتالية التي تقوم بالدور الأكبر في قمع اخوانهم الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، لكن جهود الحركة الإسلامية نجحت في تقليص أعداد الشباب المتجندين للجيش الصهيوني بشكل كبير ، فبعد أن كان عدد الشباب البدوي الذي يؤدي الخدمة العسكرية 3600 شاباً مطلع الثمانينات من القرن الماضي ، انخفض ليصل إجمالي الذين يخدمون في الجيش من البدو 390 شاباً ([4]) . وتتهم شعبة القوى البشرية في الجيش الصهيوني الحركة الإسلامية بشكل مباشر بأنها هي التي تقف وراء حملات التحريض في التجمعات السكانية البدوية لحث الشباب على عدم التطوع للخدمة في الجيش ، حيث يدعي الجيش أن الحركة الإسلامية تمارس ضغوطاً على عائلات الشباب البدو لمنعهم من الخدمة ([5]) ، ويقر وزير الحرب الصهيوني الأسبق " موشيه أرنس " بأن سياسة التمييز التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد فلسطينيي 48 هي التي مهدت لتأثير الحركة الإسلامية الطاغي على البدو ، ويضيف " يسقط الشباب البدوي تحت تأثير الحركة الإسلامية نتيجة المرارة والإحباط ، فبعد استكمال خدمتهم العسكرية يجد هؤلاء الشبان صعوبة في العثور على فرص عمل ، الأمر الذي يغذي الاحساس بالإهمال بل وبالتمييز العنصري ، ويوفر الأرضية الخصبة للحركة الاسلامية لإيجاد طريقها نحو هذا الوسط الذي ابتعد طوال سنوات طويلة عن هؤلاء المتطرفين الإسلاميين " ([6]) ، ويرى الجنرال " عاموس جلبوع " - رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً - أن الرسالة التي تحرص الحركة الإسلامية على نشرها في المجتمع الفلسطيني تؤدي بشكل تلقائي إلى تكريس عوامل الانفصال لدى فلسطينيي 48، على اعتبار أن تشرب الفلسطينيين قيم الإسلام يقود حتماً إلى موقف عدائي من الدولة ، وبالتالي يولد رغبة جامحة للانفصال عنها . من الملاحظ أن كلاً من النخب الحاكمة والمستويات البحثية في الكيان الصهيوني التي تصدت لسبر أغوار الحركة الإسلامية تجاهلت حقيقة أن هذه الحركة كحركة وطنية وكجزء من النسيج الاجتماعي الفلسطيني تتجند بشكل تلقائي ضد الاحتلال ، فالنخب والحاكمة والباحثون في الكيان الصهيوني يحاولون تقديم تعزيز التوجهات الانفصالية كـ " جريمة تقترفها " الحركة الإسلامية ، متجاهلين سلوك الاحتلال وعدم الشرعية التي ينطوي عليها وجود الاحتلال . المنطلقات الأيدلوجية نظرت دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني بخطر كبير إلى المنطلقات الأيدلوجية للحركة الإسلامية ، وتعتبر المؤسسة الأمنية " الإسرائيلية " أن حمل الحركة الإسلامية راية الدفاع عن المقدسات الإسلامية في القدس وتحديداً إشرافها على حملة " الأقصى في خطر " التي تبلغ ذروتها كل عام بتنظيم مهرجان سنوي ، أحد أخطر مصادر التحريض غير المباشر على " الإرهاب " ، وترى السلطات الصهيونية أن الذي يفاقم خطورة التحريض الصادر عن قادة الحركة الإسلامية وكوادرها هو حقيقة سيطرة الحركة على معظم المساجد التي يؤمها فلسطينيو 48 ، فعدد المساجد التي يديرها نشطاء الحركة الإسلامية يفوق عدد المساجد التي تمولها وزارة الأديان الصهيونية ، في نفس الوقت فإن 41 % من أئمة المساجد يتلقون رواتبهم من الحركة الإسلامية ([7]) ، وخلال الخمسة عشر سنة الاخيرة تضاعف عدد المساجد في اسرائيل أربعة أضعاف ونصف ، من 80 مسجداً في العام 1988 إلى 453 مسجد حالياً ، حيث يعزى الارتفاع الحاد في عدد المساجد إلى ظهور الحركة الإسلامية ، وترى المحافل الصهيونية الرسمية أن تبني الحركة الاسلامية لقضية المسجد الأقصى وإطلاع زعيمها " رائد صلاح " بالجهد الأكبر في الحملة ضد المشروعات الصهيونية الهادفة لتهويده يسهم إلى حد كبير في دفع الرأي العام العربي والفلسطيني على وجه الخصوص لتبني مواقف " متطرفة " من الصراع ، وبالتالي احباط جهود الكيان الصهيوني في إملاء التسويات التي تخدم مصالحها ، وقد عبر عن ذلك بشكل واضح المستشرق الإسرائيلي " لئيف أُرغاد " عندما قال أنه حتى لو كانت الدول العربية صادقة وجدية في طموحها إلى إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي ، فإن مواقف وجهود الحركة الإسلامية في إسرائيل تجعل هذا الأمر بالغ الصعوبة ، حيث أن هذه الحركة تفرض على الرأي العام العربي أجندة " بالغة الخطورة ، مع تركيزها على التصدي للحملات التهويد التي تستهدف الأقصى " ([8]) . تعزيز الأسلمة .. والتصدي للأسرلة منذ أن تم الإعلان عن الكيان الصهيوني عام 1948: سعت قيادته إلى دمج فلسطينيي 48 في المشروع الصهيوني واحتوائهم في الحيز الثقافي والسياسي والاجتماعي اليهودي ، وقد كان الهدف الصهيوني واضحاً عبر " أسرلة " فلسطينيي 48 ووعيهم الجمعي ، وعلى الرغم من أن عوامل المنعة القومية والوطنية لدى فلسطينيي 48 ، إلا أن الحركة الصهيونية تمكنت من تحقيق انجازات عدة على هذا الصعيد ، على رأسها اندماج أحزاب وحركات سياسية تمثل فلسطينيي 48 في الحياة السياسية الصهيونية . وقد جاءت الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ " رائد صلاح " لتهز هذا الواقع عبر رفضها المشاركة في الانتخابات التشريعية الصهيونية ، على الرغم من أن أعضاءها يتمتعون بحق المشاركة في هذه الانتخابات ، وترى النخب الصهيونية أن موقف الحركة الإسلامية الرافض للمشاركة في الانتخابات التشريعية جاء ضمن مشروعها تعزيز الأسلمة والقضاء على مشروع " الأسرلة " التي حرصت " إسرائيل " على دفعه ، ويرى " يوسي بن أهارون " - الذي شغل منصب مدير عام ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحاق شامير - أن اهتمام الحركة الإسلامية بالانتخابات المحلية يمثل صورة من صور " التوجهات الانفصالية " التي تحكم عمل الحركة الإسلامية ([9]) . وتقر النخب الحاكمة في تل أبيب أن الحركة الإسلامية في إسرائيل كان لها دور كبير وحاسم في إفشال محاولات إسرائيل المتتالية لـ " أسرلة " الوعي الجمعي لفلسطينيي 48، وصهينة أجندتهم السياسية والاجتماعية ، ويجزم " موشيه شاحل " - الذي شغل في السابق منصبي وزير الأمن الداخلي والقضاء - أن أحد أهم مظاهر فشل الأسرلة هو بروز الحركة الإسلامية ، معتبراً أن مجرد انطلاق هذه الحركة واتساعها وتمثيلها لقطاعات كبيرة جداً من فلسطينيي 48 يشكل دليلاً قوياً على فشل مشروع الأسرلة ([10]) ، ويشير إلى أن هذا لا يرجع فقط للأجندة التي تتبناها الحركة ، بل لأنها طرحت مشروع " الأسلمة " البديل . خطر أمني وترى السلطات الإسرائيلية في الحركة الإسلامية خطراً على الأمن الصهيوني ، ويدعي جهاز المخابرات الداخلية " الشاباك " أن الكثير من حركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة استعانت بعناصر من الحركة الإسلامية في تنفيذ عملياتها في العمق الصهيوني ، رغم عجز المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن اثبات توجه الحركة نحو عسكرة نضالها ضد إسرائيل ، وتدعي المؤسسة الأمنية الصهيونية أن هناك مستوى كبير من التنسيق والتكامل وتبادل الأدوار بين الحركة الإسلامية داخل إسرائيل وحركة حماس ، على اعتبار أن الحركتين تـنتميان لجماعة " الإخوان المسلمين " ، وزعم جهاز " الشاباك " أن المؤسسات الخيرية والاجتماعية التي تشرف عليها الحركة الإسلامية تسهم إلى حد كبير في إيجاد بيئة اجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة لدعم العمل المقاوم من خلال تبنيها برامج كفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة ، معتمدة في ذلك على التبرعات التي يقدمها الموسرون من فلسطينيي 48. وعلى الرغم من أن الحركة تمارس هذه الأنشطة بشكل علني ووفق القانون الصهيوني ، إلا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تتردد في إغلاق الجمعيات الخيرية التابعة للحركة وشنت حملات اعتقالات في صفوف قادتها وكوادرها ، بزعم أن هذه الأنشطة تعزز " الإرهاب " ، ويزعم وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق " آفي ديختر " أن الحركة الإسلامية توظف عملها الخيري لخدمة " الجهد الإرهابي " لحركة حماس ، معتبراً أن عمل الجمعيات الخيرية التي تشرف عليها الحركة بأنه " مكمل " لعمل للأذرع العسكرية لحركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، على اعتبار أن الفلسطيني الذي يدرك أن هناك من سيهتم بعائلته في حال قتل أو أعتقل بسبب نشاطه " الإرهابي " فإنه لن يتردد في مواصلة هذا النشاط . التطور في العلاقة بين الحركة الإسلامية وسلطات الاحتلال لقد مرت العلاقة بين الحركة الإسلامية وسلطات الاحتلال الصهيونية بعدة محطات ، فقد تزامن انطلاق الحركة الإسلامية مع نجاح الأجهزة الأمنية الصهيونية في القضاء على تنظيم إسلامي مسلح نشط لفترة وجيزة في أوساط فلسطينيي48 وكان يطلق عليه " أسرة الجهاد " ، وقد خطط هذا التنظيم ونفذ سلسلة من العمليات العسكرية ضد أهداف إسرائيلية ، ويرى الباحث الإسرائيلي البرفسور " إيلي ريخس " - أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة تل أبيب أن نجاح الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في القضاء على " أسرة الجهاد " دفع قادة الحركة الإسلامية " الوليدة " إلى توخي أقصى درجات الحذر عندما شرعوا في ممارسة أنشطتهم الاجتماعية والدينية والثقافية ، حيث خشي قادة الحركة أن يتم تفسير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية سلوكهم على نحو يبرر ضربهم ، ولعل الذي يدلل على الحذر الذي ميز عمل الحركة الإسلامية هو تجنب الحركة في البداية إبراز انشغالها في العمل السياسي ، فلم تول الحركة في هذه الفترة اهتماماً خاصاً بإحياء المناسبات الوطنية الكبيرة مثل النكبة ويوم الأرض ، في حين حصرت نشاطها في العمل الاجتماعي والثقافي والدعوي ، وفي الوقت ذاته يعزى الهدوء في العلاقة الذي كان سائداً بين إسرائيل والحركة الإسلامية حتى العام 1996 إلى حقيقة أنه حتى ذلك العام لم تكن الحركة الإسلامية قد بلورت بشكل نهائي موقفها الأيدلوجي من إسرائيل بسبب وجود اختلافات أيدلوجية داخلها تتعلق بالمشاركة في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية ، حيث حسمت هذه الخلافات بانقسام الحركة إلى تيارين ، التيار الكبير الذي يقوده الشيخ " رائد صلاح " الذي رفض المشاركة في الانتخابات التشريعية لكنه تحمس للمشاركة في الانتخابات المحلية ، وقد أطلق على هذا التيار " الجناح الشمالي " ، وتيار آخر بزعامة الشيخ " عبد الله النمر درويش " ، الذي يطلق عليه " الجناح الجنوبي "، والذي دافع بقوة عن مبدأ المشاركة في الانتخابات التشريعية . إن الانشقاق الذي شهدته الحركة عام 1996 عندما أصر تيار فيها بقيادة الشيخ " عبد الله النمر درويش " على المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية ، ترك لدى التيار المركزي للحركة بقيادة الشيخ " رائد صلاح " رغبة جامحة في التمايز عن جناح درويش ، ومما أغرى قيادة الحركة الإسلامية بالتمايز عن الخطاب الذي تبناه درويش هو كيل تل أبيب المديح لهذا الخطاب ، فقد نظرت إسرائيل للتيار الذي يقوده درويش على أنه تيار برغماتي يشارك في الانتخابات الإسرائيلية ، ويحافظ على تمثيل دائم في الكنيست منذ عام 1996 وحتى الآن ، إلى جانب إعلانه التأييد غير المتحفظ للاتفاقيات التي توصلت إليها منظمة التحرير مع إسرائيل ، وتنديده الواضح بالعمليات الاستشهادية التي تنفذها حركات المقاومة الفلسطينية داخل إسرائيل ، وابتعاده عن تأييد الدعوات التي تصفها إسرائيل بـ " الانعزالية " الصادرة عن بعض الحركات السياسية العلمانية التي تمثل قطاعات من فلسطيني 48، ولقد أسهم فوز اليمين الصهيوني عام 1996 في الانتخابات بشكل كبير في إفساح المجال أمام المنظمات اليهودية المتطرفة لترفع صوتها للمطالبة بتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه ، مما شكل تحدياً صعباً للحركة الإسلامية استدعى منها رداً يخرج عن نطاق ردودها السابقة ، سيما وإن هذا يعد اختباراً لصدقية التوجهات الدينية للحركة في نظر أتباعها وخصومها ، حيث أن الحديث يدور عن مخاطر تتهدد البقعة التي تحتل المكانة الثالثة من حيث القدسية بالنسبة للمسلمين ، وإثر هذه التطورات عكفت الحركة الإسلامية على تنظيم حملة للدفاع عن الأقصى تحت شعار " الأقصى في خطر " التي تتوج كل عام بتنظيم مهرجان جماهير حاشد يحمل هذا الشعار ، وهو ما جعل السلطات الصهيونية ترى في مثل هذا السلوك تحريضاً فجاً على المس بأمنها ، وكان للحركة الإسلامية جهد مميز في ربط الأقصى بالهم الوطني لفلسطينيي 48، مع العلم أن الحركة لم تقتصر في هذا الجهد على الجانب الإعلامي فحسب ، بل أشرفت على برنامج عملي إعماري تعبوي إعلامي أدى إلى تأصيل علاقة فلسطينيي 48 بالمسجد الأقصى . آليات التحرك الصهيوني في مواجهة الحركة الإسلامية تعكف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بين الحين والآخر على مداهمة مؤسسات الحركة الإسلامية على أمل أن تعثر على مواد تشكل دليلاً على تجاوز الحركة القانون الإسرائيلي ، وتحديداً رغبة المؤسسة الأمنية الجامحة في الاستناد إلى قرائن تربط بشكل قوي بين الحركة الإسلامية والجهات التي تعتبر حسب القانون الإسرائيلي معادية مثل حركة حماس ، وقد أقدمت سلطات الاحتلال على اعتقال الشيخ " رائد صلاح " عدة مرات بحجة التواصل مع "أعداء الدولة " ، إلى جانب سجنه على خلفية مهاجمة أفراد شرطة الاحتلال في القدس المحتلة ، كما تعرض نائبه الشيخ جمال الخطيب للاعتقال مرات عديدة ، ومما لا شك فيه أن أوسع حملات الاعتقال كانت تلك التي حدثت عام 2006 عندما تم اعتقال عشرات من قادة وكوادر الحركة على خلفية اتهامهم بتهم أمنية ، تبين فيما بعد أن الأسس التي استندت إليها ضعيفة . ولم تتردد المؤسسة الأمنية في محاولة تصفية الشيخ رائد جسدياً ، فقد اعترف شاب يهودي بأن ضابطاً في جهاز "الشاباك " قد طلب منه تصفية الشيخ ، وقدم شريط فيديو يظهر فيه مع ضابط " الشاباك " وهو يحثه على قتل الشيخ ([11]) . دراسة إخراج الحركة عن القانون يدور داخل المؤسسة الحاكمة وفي أوساط النخب الإسرائيلية جدل عميق حول جدوى نزع الشرعية القانونية عن عمل الحركة الإسلامية عبر تمرير مشروع قانون في الكنيست تعتبر بموجبه الحركة الإسلامية حركة غير قانونية يحظر نشاطها بحكم القانون ، وهناك خلاف عميق داخل المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية والنخب المثقفة حول هذه الفكرة ، فبعض الساسة وكبار الجنرالات والباحثين والصحافيين يرون أن الخطوة الأولى التي يتوجب اتخاذها من أجل مواجهة الحركة الإسلامية بنجاعة تتمثل في إخراجها عن إطار القانون ومنعها من المشاركة في الانتخابات المحلية ، لكن هناك من يعارض هذه الخطوة على اعتبار أنها قد تدفع الحركة للعمل تحت الأرض بشكل يقلص من قدرة الأجهزة الأمنية على مواجهتها . وإلى جانب العصا التي تلوح بها إسرائيل في وجه الحركة فقد تبين أنها حاولت إغراء قادة الحركة بالتوصل لتفاهمات سياسية معهم تلتزم فيه بالتحول عن الأجندة السياسية التي تعكف عليها حالياً سيما فيما يتعلق بتركيزها على قضية القدس والمسجد الأقصى ، مقابل منح مؤسساتها هامش كبير في حرية الحركة ، وقد أبلغ " توفيق العرعير " رئيس تحرير صحيفة " صوت الحق والحرية " ، الناطقة بلسان الحركة كاتب هذه السطور بأن المؤسسة الأمنية أرسلت له المستشرق الإسرائيلي " مردخاي كيدار " المحاضر في جامعة بار إيلان والمعروف بعلاقاته العميقة مع المؤسسة الأمنية في يناير 2002 لمقر الصحيفة حيث طلب كيدار من العرعير فكرة التوصل لمثل هذا الاتفاق وحذره من أن رفض هذا الاقتراح ومواصلة برنامجها الحالي سيكون مقترن بردة فعل قاسية من قبل السلطات وأكد العرعير بأنه في أعقاب رفض الحركة مجرد تداول الاقتراح تم اغلاق الصحيفة لمدة عامين بعد شهر على زيارة كيدار . خاتمة تعي المؤسسة الصهيونية الحاكمة الخطورة الكامنة في أنشطة الحركة الإسلامية في فلسطين 48 ، وتحاول تقليص آثار هذه الأنشطة دون تحقيق جدوى كبيرة ، فعلى سبيل المثال ، تدعي المؤسسة الصهيونية أن تحذير الحركة الإسلامية من المخاطر التي تحدق بالأقصى بأنها " دعاية لاسامية "، لكن في المقابل ، فإن العالم بأسره يشهد التحركات التي تقوم بها جماعات يهودية تجاه المسجد الأقصى جهاراً نهاراً ، وضمن هذه الجهات جهات حكومية ، وقد أدى هذا الواقع إلى إضفاء شرعية كبيرة على أنشطة الحركة الإسلامية في نظر فلسطينيي 48 والفلسطينيين بشكل عام ، كما يبرز الدور الوطني في الحفاظ على القضية والمقدسات والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية لقطاع كبير من الشعب الفلسطيني ˜ باحث فلسطيني متخصص في الشؤون الإسرائيلية . ([1]) صحيفة معاريف ، 23-8-2013. ([2]) صحيفة هارتس ،6-8-2012. ([3]) صحيفة معاريف ، 7-9-2010 . ([4]) صحيفة إسرائيل اليوم ، 6-11-2012 . ([5]) وردت هذه الاتهامات على لسان الجنرال جدعون شيفر، رئيس شعبة القوى البشرية في الجيش الصهيوني5-9-2011. ([6]) صحيفة هارتس ، 15-5-2005. ([7]) صحيفة ذي ماركير ، 18-5-2011 ([8]) صحيفة معاريف ،14-6-2006. ([9]) معاريف 3-1-2011. ([10]) يديعوت أحرنوت 13-5-2010. ([11]) موقع هارتس ، 15-7-2010 ، http://www.haaretz.co.il/hasit...

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية