صالون

WhatsApp Image 2026-05-20 at 4.28.53 PM

العلاقات الأمريكية الخليجية بعد حرب إيران… إلى أين ؟

محمد حسام زيتون

|

2026-05-20

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-05-20

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-05-20
طباعة

مشاركة

|

 

 

كان لقاء الرئيس فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز آل سعود بعد الحرب العالمية الثانية على متن سفينة USS QUSINCY في فبراير 1945 نقطة تأسيس العلاقات الخليجية الامريكية، والتي بُنيت على عقد ثنائي يقوم على ” الأمن مقابل النفط “، ووفق هذا العقد توفر الولايات المتحدة ضمانات أمنية لحماية دول الخليج وحماية الملاحة البحرية مقابل ضمان تدفق النفط وفيما بعد الغاز الطبيعي إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحلفائهما في آسيا، أي إنه علاقة براغماتية قائمة على المصالح والأمن والطاقة.

على مدار ثمانية عقود، تعرض هذا العقد لكثير من المتغيرات والتحولات وكان آخرها الحرب الامريكية – الإسرائيلية على إيران ومع تراجع الثقة في الولايات المتحدة وظهور لاعبين دوليين مثل روسيا والصين وحتى تركيا، دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى انتهاج سياسة التحوط الاستراتيجي.

تُحاول هذه الورقة دراسة مستقبل العلاقات الخليجية الامريكية وتحديد أبرز مساراتها لغاية عام 2030.

 

أبرز تحولات ومتغيرات العلاقات الخليجية الامريكية

شهدت العلاقة تطوراً في ظل الحرب الباردة مع صعود الاتحاد السوفييتي والخوف من التمدد الشيوعي آنذاك، وفي عام 1979 بعد الثورة الإيرانية وسقوط حليف واشنطن، زادت مخاوف دول الخليج من النهج الذي اتبعته إيران في تصدير الثورات وتمدد نفوذها في المنطقة، حيث أصبحت الحماية الامريكية وزيادة النفوذ ضرورة استراتيجية لدول الخليج، والذي انعكس أثناء حرب الناقلات في الحرب الإيرانية العراقية حين تدخلت البحرية الامريكية لحماية ناقلات النفط الخليجية لضمان أمن الملاحة واستقرار أسواق النفط العالمية، وكانت حرب الخليج في عام 1990 – 1991 مرحلة مفصلية وقفزة نوعية في انتشار النفوذ الأمريكي في المنطقة، لا سيما في بناء قواعد دائمة واتفاقيات دفاعية رسمية.

ظهرت الفجوة الملحوظة في العلاقة الخليجية الامريكية أثناء غزو العراق في عام 2003 ثم الانسحاب منه وتسليمه للنفوذ الإيراني، وازدادت هذه الفجوة مع اندلاع شرارة الربيع العربي عام 2011 وموقفها من الثورة المصرية عندما تخلت عن حليفها حسني مبارك وترددها في البحرين، حيث تُرجمت هذه المواقف بأن الولايات المتحدة لم تعد ضامناً للاستقرار وإنها يمكن أن تتخلى عن حلفائها في أي وقت وإنها لا تستوعب هواجس الأمن الخليجي، الأمر الذي أدى إلى هز الثقة في العلاقات الخليجية الامريكية، في حين وصلت هذه الفجوة إلى ذروتها مع توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 من دون التشاور مع دول المنطقة، أيضاً التباين في السياسات والتصورات عن طبيعة التدخل الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان، حيث ترى غالبية دول الخليج أن التدخل الإيراني المباشر والغير مباشر يزيد من العنف وتفاقم الصراعات وتعمل وفق مشروعها التوسعي وزيادة نفوذها بالمنطقة، وأدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى توتر ملحوظ في العلاقات الخليجية الامريكية حيث انتهجت دول الخليج سياسة خارجية متحوطة رافضة فيها الانحياز الكامل للغرب وحافظت على علاقة متوازنة مع روسيا عبر تحالف “أوبك بلاس” لضبط أسعار الطاقة واستقرارها، ويتمثل ذلك في رفض مطالب أمريكية لزيادة إنتاج النفط وذلك بهدف تعويض النقص في النفط الروسي، وحرب اليمن كانت من أهم عوامل توتر العلاقات الخليجية الامريكية، حيث كانت جماعة الحوثي تُصنف كمجموعة إرهابية، إلا أن الرئيس الأمريكي بايدن رفع الحظر عن الحوثي وتبلّورت هذه الخطوة في عدم اكتراث الولايات المتحدة بمخاوف وأمن حلفاءها في المنطقة.

وفي 28 فبراير من عام 2026 شنت الولايات المتحدة مع إسرائيل حرباً على إيران وذلك بهدف التخلص من القدرات الصاروخية والملف النووي الذي انسحب من اتفاقه ترمب في ولايته الأولى، لكن بعد شهران ونصف لم تصل الولايات المتحدة ولا إسرائيل من أهدافهم بل ظهرت معضلة مضيق هرمز( باب السلام) التي غيرت موازين الحرب وعولمت مآلاتها على الاقتصاد العالمي ككل وعلى أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، حيث كانت دول الخليج الأكثر ضرراً في هذه الحرب فلم تعد قادرة على تصدير نفطها في حين أن الولايات المتحدة زادت من صادرات نفطها بل أيضاً تسحب حصص سوقية من شركات نفطية خليجية في الوقت التي لا تزال غير قادرة على فتح مضيق هرمز (باب السلام)، وكانت دول الخليج تتعرض لصواريخ ومسيّرات إيرانية تستهدف منشآتها الحيوية والمدنية دون اعتراضها من قبل قواعد أمريكية في المنطقة، حيث كانت 80% من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تستهدف دول الخليج و 20% منها تستهدف إسرائيل، أي أن الولايات المتحدة في حربها هذه لم تحافظ على أمن الخليج ولا على أمن الملاحة بل إنها عرضت أمن الطاقة والخليج للخطر؛ كل هذه العوامل تُفضي برؤية أن الولايات المتحدة تعيد هندسة مصالحها وسياساتها دون أن تراعي حلفائها التقليديين، ورغم هذه التحولات والمتغيرات أن العلاقات الخليجية والأمريكية لم تنهَر، بل يمكن القول إنها سَتمر بمرحلة إعادة هيكلة.

 

بدائل للدور الأمريكي واستراتيجية التحوط الخليجية:

على خلفية التصدع في العلاقات الخليجية الامريكية، أظهر لاعبين دوليين استعدادهم لتوسيع العلاقات مع دول الخليج أو إذ أمكننا القول مستغلين هذا التصدع، ومن أبرز هذه الدول هي الصين وروسيا وتركيا، الأمر الذي عزز استراتيجية التحوط وتنويع الشركاء.

نلاحظ تصاعد العلاقات بين دول الخليج والصين التي ترى نفسها حليفاً استراتيجيا قائم على ركائز نظام دولي جديد متعدد الأقطاب بعيداً عن الهيمنة، حيث تربط الصين بدول الخليج اتفاقيات استثمارية ضخمة وتلعب دور الشريك التجاري الأول لدول الخليج وسوقاً رئيسية لصادرات النفط ومبيعاتها للسلاح لاسيما الطائرات بدون طيار والمعادن النادرة، على الرغم من أن الصين تنتهج سياسة متوازنة مع القوى (الصعود السلمي)، وعلى الرغم من ضآلة دورها الأمني في المنطقة ولكنها تملك قاعدة عسكرية حساسة في جيبوتي قرب باب المندب وخطوط التجارة العالمية، حيث يمكن أيضاً أن تلعب دوراً مهماً في احتواء إيران التي تربطها معها علاقات جيدة، والواقع يقول ان المصالح الصينية المتنامية في المنطقة وعلى خلفية الاحداث الأخيرة سوف تستدعي إعادة رسم عمق العلاقات الخليجية الصينية.

وتبرز أيضاً روسيا كدولة تبحث عن كسر العزلة الغربية وهيمنتها، فقد وسعت روسيا علاقاتها مع دول الخليج، حيث تتسم سياسية روسيا بالبراغماتية العالية لكن على الرغم من ذلك، سَوقت روسيا لنفسها نظرة الحليف الموثوق وتجلى ذلك خلال التردد الأمريكي في سوريا، أي أن روسيا لا تتبع سياسة موزونة بين الأطراف كالصين، فعندما تُتاح لها فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها والحدّ من الهيمنة الامريكية لا تترد في ذلك، ويمكن القول إن عضويتها في (أوبك بلس) تتيح لها تنمية علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج.

ولا يمكننا أن نغفل دور تركيا وتطور العلاقات التركية الخليجية بعد 2021 حيث شهدت تطوراً ملحوظاً وعقد اتفاقيات استثمارية وشراكات أمنية وتقديم نفسها كقوة إقليمية مستقلة، إذ تمتلك تركيا قاعدة عسكرية في قطر لتعزيز العلاقة الاستراتيجية والنفوذ التركي هناك، وأثناء الحرب الامريكية – الإسرائيلية على إيران كثّفت تركيا مساعيها لإنشاء قوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بعيداً عن المظلة الامريكية والغربية عموماً، حيث تُعد تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو من حيث عدد القوات وقفزتها النوعية في مجال التصنيع العسكري والمسّيرات خصوصاً، وتعد مسّيرة (بيرقدار TB2) من أبرز الصناعات العسكرية التركية التي أثبتت نجاحها في مفهوم الحرب منخفضة التكلفة.

ومع تراجع ثقة دول الخليج بالولايات المتحدة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها في المنطقة، وبرغبة دول الخليج بعدم الاعتماد على قوة دولية واحدة؛ يمكن لدول الخليج اتباع سياسة تنويع الشركاء وتقليل المخاطر بدون القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة.

 

مسارات العلاقات الخليجية الامريكية حتى عام 2030:

فيما يلي وبناءً على ما سبق من تحولات ومتغيرات في العلاقات الخليجية الامريكية وظهور بديل للدور الأمريكي في المنطقة، نستعرض أبرز ثلاث مسارات:

المسار الأول: استقرار العلاقات الخليجية الامريكية

يفترض هذا المسار استمرار هيمنة النفوذ الأمريكي وبقاء المظلة الامريكية في الخليج لحماية أمنه وأمن الطاقة وضمان حرية الملاحة، حيث يمكن أن يتفق الطرفان على إعادة هيكلة العلاقات ورسم خطوط حمراء وتفاهمات جديدة مما يضمن استمرار تدفق النفط الخليجي واستقرار أسواق الطاقة مقابل تفهم المخاوف الأمنية لدول الخليج والعمل على استقرار المنطقة والأخذ بحسبان المصالح الخليجية بالتوازي مع المصالح الامريكية في أي سياسة يمكن أن ينتهجها الطرفان في المنطقة.

 

المسار الثاني: تحوّط خليجي متعدد الأقطاب

يفترض هذا المسار وبناءً على تحولات ومتغيرات العلاقات الخليجية الامريكية والنية بعدم الاعتماد على قطب واحد يُعنى بمصالحه فقط دون النظر الى حلفائه أن ينتهج الخليج سياسة تنوع الشركاء على الصعيد الاقتصادي والأمني، أي الحفاظ على العلاقات الخليجية الامريكية لكن مع توسيع العلاقات مع دول مثل الصين وروسيا وتركيا وذلك من خلال التكنولوجيا وصفقات السلاح والاتفاقيات الدفاعية ونفوذ عسكري من خلال قواعد عسكرية في المنطقة.

المسار الثالث: تراجع أمريكي تدريجي

يفترض هذا المسار تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة مع صعود قوة إقليمية مشتركة وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا وتركيا وتفاهمات مع إيران وتركيز الولايات المتحدة على شرق آسيا والمحيطين الهندي والهادي وزيادة تكلفة الانخراط في الشرق الأوسط مع التصدعات والانقسامات الداخلية الامريكية لاسيما مع السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط.

 

وأخيراً، يمكن القول أن العلاقات الخليجية الامريكية تمر بمرحلة مفصلية بعد تاريخ من إشارات الاستفهام حول السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة مع حلفائها، وأن أي مسار يمكن أن تسير بنحوه هذه العلاقات غالباً يعتمد على نتائج الحرب على إيران والنية في إنشاء قوة إقليمية موحدة، وأيضاً لا بد أن يكون نابع من إرادة سياسية جماعية لدول مجلس التعاون الخليجي تأخذ بالحسبان مصالح دول المنطقة بأسرها، مع دراسة كلفة هذه العلاقات ومدى فاعليتها لاسيما مع ظهور بدائل يمكن أن تكون حلاً أكثر عقلانية وموضوعية، حلاً لا يُرهن بسياسات شخصية ورؤى دول خارج هذه العلاقة تضع المنطقة أسيرة هذه السياسات البعيدة كل البعد عن مصالحها، ولا تأخذ بالحسبان ضمان أمن المنطقة وأمن الطاقة واستقرار أسواقها وحرية الملاحة وضمان استمرار تدفق النفط، هذه الركائز التي بُنيت عليه هذه العلاقات الخليجية الامريكية.