صالون

WhatsApp Image 2026-06-13 at 12.25.09 PM

العلاقة السورية التركية: من القطيعة إلى التقارب

محمد حسام زيتون

|

2026-06-14

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-06-14

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-06-14
طباعة

مشاركة

|

اتسمت العلاقة السورية التركية بالتذبذب خلال العقود الثلاث الماضية شهدت فيها تحولات جذرية، وإذ جسّدنا العلاقة في منحنى بياني، نرى إنه بعد ما كان منخفضًا قبل العام 1998 أعطت زيارة الرئيس التركي السابق “سيزر” دفعة نوعية لهذا المنحنى محققة له ارتفاعًا طفيفًا، لكن فوز حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات التركية والمواقف السياسية التي اتخذتها قادته من العلاقة مع سوريا، دفعت هذا المنحنى نحو قفزة ملحوظة تمثلت في تفاهم على الحدود وتعاون على شكل اتفاقيات تجارية، أي إن قطبي العلاقة رموا أوراق التاريخ خلفهم آذنين لمستقبل جديد لهذه العلاقة، لكن شهد المنحنى في عام 2011 انخفاضًا تزامنًا مع انطلاق الثورة السورية، وبعد عقدٍ سجل المنحنى ارتفاعًا طفيفًا تجلّى في محاولة تركية لإعادة ترتيب الأوراق ورسم خريطة التفاهمات، ومع انتصار الثورة السورية في أواخر 2024 ارتفع منحنى هذه العلاقة إلى مستويات لم يكن قد لامسها من قبل.

وبالنظر إلى المخطط الكامل لمنحنى العلاقة السورية التركية، نرى أن التذبذب الذي رافقه يدفعنا للنظر بشكل أعمق في هذه العلاقة، حيث تكتسب أهميتها من الموقع الجيوسياسي لقطبي العلاقة والذي يمثل عقدة ربط بين أوروبا وآسيا وما لها من تأثير على التوازنات الإقليمية ومستقبل أمن الطاقة والتجارة؛ تسعى هذه الورقة إلى تتبع وقراءة تحولات وتطورات العلاقة السورية التركية خلال العقدين الماضيين، وقراءة التحول الذي شهدته في المرحلة الأخيرة والمصالح المتبادلة التي تدفع نحو التقارب، إلى جانب قراءة موقف الاحتلال الإسرائيلي من هذا التقارب.

 

  • قراءة في العلاقة السورية التركية بين عامي 2002 – 2026

تحولات العلاقة بين عامي 2002 – 2011

مع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا في 2002، شهدت العلاقة السورية التركية تحولاً جذريًا من القطيعة إلى التقارب، وذلك من خلال تعاون اقتصادي وأمني بين عامي 2004 و2007 تجلّى في توقيع اتفاقية التجارة الحرة مما أدى إلى مضاعفة التبادل التجاري، وإلغاء نظام التأشيرات وفتح الحدود لتسهيل حركة المواطنين ورجال الأعمال، وتوقيع اتفاقيات تعاون أمني مشترك أنهت حقبة التوتر في التسعينيات، والتي تمثلت في مكافحة الإرهاب والمخدرات والهجرة غير الشرعية  والوساطة بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي عام 2008 وتأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي عام 2009 [1]، حيث هناك عدة عوامل دفعت دمشق وأنقرة لهذا التقارب منها تغيير صناع القرار في كل من البلدين، وسياسة “تصفير المشكلات” لحزب العدالة والتنمية، وتغير موازين القوى على مستوى النظام الدولي وتشكل الأحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومحاولة تركيا كسب رضا الاتحاد الأوروبي لنيل العضوية من خلال إبداء المرونة في التعامل مع محيطها[2].

 

تحولات العلاقة أثناء الثورة السورية

مع اندلاع الثورة السورية في 15 مارس 2011 وفي بدايتها، تعكر صفو العلاقة بين البلدين، حينها اتخذت تركيا موقفًا أكثر اتزانًا على عكس دعمها للثورات في تونس ومصر، لكن الموقف في سوريا كان مختلفًا وذلك بسبب اعتبارات الأمن القومي والقرب الجغرافي وإعطاء فرصة للأكراد لتشكيل دولتهم وتضرر المشاريع الاقتصادية بين البلدين، حيث اقتصر الموقف التركي في بداية الثورة السورية على تقديم النصح والإرشاد للنظام السوري السابق لترسيخ الديمقراطية والاستجابة للمطالب الشعبية، لكن مع تجاهل النظام السوري السابق لهذه الرسائل واعتبار ما يجري شأنًا داخلياً واستمراره في قمع الثورة السورية بشتى الوسائل، بدأت تركيا بدعم الثورة مادياً ومعنوياً وتجلى ذلك في تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 21 سبتمبر 2011 “أن أنقرة قطعت جميع اتصالاتها بالنظام السوري”[3]، الأمر الذي أدى إلى زيادة الشرخ في العلاقة بين البلدين واعتبار أنقرة أن ملف الثورة السورية هو ملف أمن قومي ودمشق ترى أن أنقرة دولة راعية للإرهاب، وفي هذه المرحلة اتسمت العلاقة بالقطيعة الكاملة وحتى العداء وذلك من خلال استغلال النظام السوري لورقة حزب العمال الكردستاني وتقديم الدعم له على الحدود السورية التركية، الأمر الذي زاد من تأزم العلاقة بين البلدين ودفع تركيا للقيام بعمليات عسكرية كعملية درع الفرات في 14 أغسطس عام 2016 في جرابلس لدعم فصائل الجيش الحر ومحاربة تنظيم الدولة[4]، وغيرها من العمليات مثل نبع السلام وغصن الزيتون، حيث قالت تركيا أنها عمليات لحماية أمنها القومي وتسليم المناطق لأهلها، وبناءً على ذلك يتبين أن العلاقة في هذه الفترة كانت في أدنى مستوى لها كل ذلك بعد قمع النظام السوري السابق الثورة بطريقة همجية وإجرامية واستفزاز أنقرة بملف الأكراد.

مثّل عام 2022 بداية مسار التطبيع التركي السوري بعد قرابة عقد من القطيعة والعداء وذلك بوساطة روسية، وفي تحول واضح في الموقف التركي صرّح الرئيس رجب طيب أردوغان “أن بلاده ليس لديها أطماع في أراضي سوريا، وأنه لا يستبعد إجراء محادثات بين أنقرة ودمشق”[5]، الأمر لا يقتصر فقط على الموقف التركي من النظام السوري السابق بل بعد تعنّت الرئيس السوري المخلوع وتربّعه على عرش الكبتاغون والميليشيات وعدم قدرة أو رغبة بعض القوى على إسقاطه، بدأت مسارات التطبيع معه واحتضانه حتى من قبل دول خليجية.

 

تحولات العلاقة بعد تحرير سوريا

عند انطلاق عملية “ردع العدوان”، نهاية نوفمبر 2024، كانت تركيا من بين الدول القليلة الباقية على دعم الثورة السورية ورفض شرعية نظام الأسد المخلوع، رغم ما ذكرنا من محاولات تطبيع معه، ومع الأيام الأولى للعملية وتسارع الأوضاع الميدانية، قدمت أنقرة دعمًا وغطاءً سياسيين، وسعت لإقناع كل من روسيا وإيران بضرورة التعامل مع المستجدات الجديدة وعدم العودة للوضع والتشبث بهذا النظام، وبعد هروب الرئيس المخلوع من الأراضي السورية وانطلاق العهد الجديد، كانت تركيا أول من يرسل مسؤوليها لزيارة دمشق من خلال رئيس جهاز الاستخبارات، إبراهيم قالن في تاريخ 12 ديسمبر عام 2024، أي بعد أربعة أيام فقط من سقوط نظام المخلوع[6]، حيث دعت جميع الأطراف الإقليمية والدولية ذ شرعنة الحكومة السورية الجديدة وتقديم الدعم لها، ولعبت أنقرة دورًا في إقناع واشنطن بأهمية رفع العقوبات على دمشق.

كانت أنقرة من أكبر المستفيدين من سقوط النظام المخلوع وذلك لأنها ترى أمن واستقرار سوريا من أمنها واستقرارها، فضلًا عن المكاسب الاقتصادية المحتملة من إعادة تفعيل العلاقات والاتفاقيات بين البلدين، وترى أنقرة أن رفع مستوى العلاقة مع دمشق يمكنها من تعزيز دورها الإقليمي كونها قوة إقليمية لها وزنها، وكانت أنقرة الوجهة غير العربية الأولى للرئيس، أحمد الشرع، في فبراير 2025. ثم تكررت الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين على مدى السنة الماضية، وأهمها مشاركة الشرع في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، في أبريل 2025[7]، واستمرارًا في السياق الدبلوماسي فقد عيَّنت تركيا سريعًا قائمًا بالأعمال في سفارتها في دمشق يتقن اللغة العربية ووثيق الاطلاع على الملف السوري[8]، وما زالت تستمر الزيارات الرسمية يسن البلدين، وفي هذا الحراك الدبلوماسي يتضح دور تركيا الداعم لإعادة دمج سوريا دوليًا وتخفيف العزلة التي سببها النظام المخلوع سابقًا.

وفي السياق الاقتصادي، فقد استأنف التبادل التجاري والاتفاقيات الاقتصادية، مما أدى إلى رفع حجم التبادل التجاري وتوقيع مذكرات تفاهم حيث صرّح وزير التجارة التركي “عمر بولات” في 9 يونيو 2026 أن حجم التجارة بين تركيا وسوريا ارتفع لأكثر من 3 مليارات دولار وأن الهدف القادم هو 5 مليارات دولار، بينما نتطلع للوصول إلى 10مليارات دولار في مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، وأيضًا هناك توافق مشترك لافتتاح بنوك تركية في سوريا، مشيرًا إلى أن الجهود القانونية والتشريعية جارية لتهيئة البيئة التنظيمية لهذه الخطوة[9]، فضلًا عن سعي أنقرة لترسيم الحدود البحرية مع دمشق لتدعيم موقفها في مواجهة اليونان في ظل التنافس الجيوسياسي بين الجانبين، كل ذلك ينطوي في إطار تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية بين أنقرة ودمشق.

وعند الحديث في السياق العسكري والأمني، فقد أبرم البلدان مذكرة تفاهم للتعاون العسكري بهدف التنسيق والتخطيط والتدريب والتعاون وبما يشمل تزويد دمشق بمعدات عسكرية وأنظمة تسليح ومواد لوجستية[10]، وتعاون استخباراتي وسيبراني وعسكري وكان أخر معالم هذا التعاون المناورة العسكرية التركية الكبرى ” إيفس 2026″ التي شارك فيها الجيش العربي السوري[11]، التي تعد أحد الدبلوماسية العسكرية  حاملة معها رسائل استراتيجية وسياسية تعكس ثقل العلاقة والتعاون بين أنقرة ودمشق وما له تأثير على موازين القوى الإقليمية ومحاولة لإعادة تأهيل القدرات العسكرية السورية بالوسائل والطرق الحديثة والمعاصرة والتي تتوافق مع فلسفة الصراع العسكري الحديث القائم على الاستنزاف والجبهات المتعددة والتكاليف غير المتوازنة والعادلة، وتبرز هنا المسيّرات أحد أهم أدوات هذا الشكل من الصراع العسكري، وهنا نجد أن أنقرة لها علامة فارقة في هذا المجال.

 

  • البوابة المتبادلة بين الشرق والغرب

مع نجاح الثورة وزوال حزب البعث، ومع رغبة السوريين وتطلعاتهم لبناء سوريا جديدة تقوم على مقوماتها وثرواتها وموقعها الجغرافي المتميز عند مفترق الطرق والذي يجعلها مركزًا محوريًا وبوابة الشرق الأوسط إلى البحر المتوسط وحلقة الوصل بين الشرق والغرب تتوافر فيها الموارد الطبيعية التي تدعم إمكانات سوريا الاقتصادية المستقبلية، فضلًا عن المناخ الحالي الذي يسوده التحرر والاستقلال والسيادة الواحدة والدولة المركزية البعيدة عن مشاريع الفيدرالية والانفصالية وساحات الميليشيات، بهذه المقومات يمكن أن تصبح سوريا قوة إقليمية مع وجود علاقة متميزة مع تركيا، وبشراكة كاملة ومتساوية يمكن لقطبي العلاقة تشكيل بوابة جيوسياسية لها آثارها في البلدين والمنطقة ككل.

من خلال هذه البوابة يمكن للدولتين أن تتفاعل فيما بينها من خلال حرية انتقال الأفراد والتجارة والمواد وإنشاء طرق سريعة تسمح بسهولة الوصول والاستخدام بين الدولتين، ربط طرق الدولتين بشبكة أوسع من الطرق الدولية والممرات البحرية والبنية التحتية المرافقة، وعقد اتفاقيات شراكة لتسهيل وصولهما إلى المناطق والدول المجاورة، والمساهمة في تطوير البنى التحتية التنموية في الدولتين والمتعلقة بالإنتاج الزراعي والصناعي واستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وتطوير بنية النقل من موانئ ومطارات ومحطات سكك حديدية، وأيضًا توظيف الخبرات المتبادلة في إيجاد السوق وجذب الاستثمارات الدولية، وتهيئة البيئة المحلية أمنيًا وسياسيًا وقانونيًا للتنمية المستدامة، وحل المشاكل الإثنية والأمنية والسياسية على طرفي الحدود جذريًا؛ لخلق بيئة اجتماعية حاضنة لمشروعات التنمية المشتركة[12].

يؤدي كل ما سبق إلى إنشاء كتلة حيوية متماسكة وثقل للدولتين في الأقاليم المجاورة لكل منهما؛ ما يعزز مكانتهما الإقليمية والدولية، ويفتح لهما أدوارًا في مناطق جديدة.

 

تركيا بوابة سوريا لأوروبا وآسيا الوسطى

يشكل موقع تركيا الجغرافي والذي يربط بين القارتين الأوروبية والآسيوية جسرًا يصل سوريا بأوروبا وروسيا والقوقاز وآسيا الوسطى، والتي من مصلحة سوريا الوصول إليها في مرحلة البناء والصعود ومتابعة الانفتاح على النظام الدولي والإقليمي، وهذا يترجم الجهود السياسية والدبلوماسية التي طالما قدمتها سوريا منذ التحرير إلى أعمال ومشاريع على الأرض مثل تطوير الطريق البري الدولي وخط سكة الحديد بين مدينتي حلب وغازي عنتاب مما سيتيح لسوريا سهولة نقل إنتاجها ومواردها إلى أوروبا وآسيا من خلال الاتصال بمشروع “الممر الأوسط”[13]، ومن خلال هذه البوابة والعلاقة المتميزة مع تركيا يمكن أيضًا لسوريا أن تصل إلى أوكرانيا وتطور علاقاتها معها وتعزيزها والتعاون في ملف الأمن الغذائي وإمدادات الحبوب وبحث التعاون العسكري وتبادل الخبرات، حيث في 5 أبريل 2026 زار الرئيس الأوكراني سوريا برفقة وزير الخارجية التركي لبحث سبل التعاون فيما ذكرناه سابقًا مع الرئيس السوري[14]؛ وكذلك الأمر من خلال هذه البوابة يمكن أن  تصل سوريا إلى روسيا التي تعد قوة دولية واقتصادية بما تحتويه من موارد طبيعية وقوة صناعية وتجارية وسوق واسعة وبوابة للاتحاد الأوراسي، خاصة أن الطرفين لديهما أوراق ثقيلة في أي محادثات ومفاوضات وعلاقات ثنائية بين البلدين، وفي 2 يونيو 2026 نفذت روسيا أول عملية إعادة إمداد واسعة لقاعدة “حميميم”[15]، هذه الخطوة تعكس تناميًا وتطورًا في العلاقات الثنائية والدبلوماسية بين البلدين.

 

سوريا بوابة تركيا إلى العمق العربي

وإذا نظرنا للبوابة من وجهة نظر تركية، فنجد أن تحرير سوريا وتعزيز العلاقة معها يعطي دفعة قوية للتعاون بين العمق العربي ودول الخليج وتركيا، وأن كل مشاريع الربط بين تركيا وأوروبا ودول الخليج أصبحت قابلة للتنفيذ حاليًا لأن سوريا اليوم تحولت من جاثوم بعثي إلى دولة طبيعية لها دورها وفاعلة ضمن نظام إقليمي وحتى دولي، حيث يمكن لسوريا توظيف هذه المصالح المتبادلة لمشاريع الربط في مشاريع اقتصادية واستثمارية عملاقة.

وهناك عدة مشاريع لتطوير طرق وسكك دولية تربط دول الخليج بتركيا منها:

  • تطوير سكة الحديد التي تربط بين حلب وغازي عنتاب التي افتتح مشروعها عام 2009[16]، وهي جزء من سكة حديد الحجاز التي تأسست عام 1908 وكانت تصل بين إسطنبول والمدينة المنورة ومؤخرًا بدأت الجهود في ترميم هذا الخط في سورية، حيث في أبريل عام 2026 صرحت وزارة النقل السورية عن تخصيص نحو 200 مليون دولار من خلال منحة مقدمة من البنك الدولي لتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية[17]، ونية تمديده إلى جدة.
  • تطوير الطريق الدولي ” M5 ” الذي يمر من حلب إلى درعا؛ إذ يمكن ربطه شمالًا بتركيا عبر مدينة غازي عنتاب، وجنوبًا بالأردن وصولًا إلى السعودية، وأيضًا يمكن تطوير طريق ” M4 ” الدولي الذي يصل الحدود العراقية بمدينة الحسكة ويمتد غربًا حتى اللاذقية وذلك لربط هذا الطريق بمشروع التنمية الذي يربط الخليج بشمال العراق وصولًا إلى تركيا والذي أعلن عنه عام 2023 أي قبل تحرير سوريا[18].

تُسهم هذه الطرق في تخفيض تكاليف الشحن وضغط زمن النقل وتبادل السلع والبضائع بين عواصم اقتصادية كبيرة، مما يؤدي إلى ازدهار اقتصادات الدول التي تمر منها هذه الخطوط، إذ تمثل البوابة الجيوسياسية بين تركيا وسوريا محورًا مركزيًا وركيزة أساسية لا غنى عنها لنجاح هذه المشاريع وربط القارتين الأوروبية والآسيوية.

 

ممر الطاقة

بالحديث عن المشاريع الاستثمارية والتنموية الاستراتيجية التي أعادتها العلاقة المتميزة بين تركيا وسوريا في هذه الفترة وفكرة البوابة الجيوسياسية، لا بدّ أن نتطرق في هذا السياق على أسواق الطاقة ومشاريعها والتي باتت اليوم في ريادة رؤى سياسات الدول؛ وبعد استعادة سوريا المناطق الشرقية والشمالية الشرقية وما تحتويه من موارد طبيعية وأحفورية، إذ تبدو سوريا جسرًا محتملًا لنقل الطاقة نحو تركيا والبحر المتوسط للوصول إلى الأسواق الأوروبية، وأيضًا تعتبر تركيا محطة رئيسية لنقل النفط والغاز الطبيعي بل وأنها منتجة لهما بعد الاكتشافات في البحر الأسود؛ ومع تغير واقع ممرات الطاقة في المنطقة بعد معضلة مضيق هرمز(باب السلام) وما نتج عنه من تعطل في تدفق النفط والغاز الخليجيين.

باتت الأنظار والاهتمامات تتجه نحو ممر بديل وآمن للطاقة يوصل الخليج بأوروبا من خلال شبكة أنابيب تمر من سوريا إلى تركيا وأوروبا ومن خلال البحر المتوسط، وفي هذا السياق فقد أعلن وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” أن تركيا تجري مباحثات مع السعودية ودول المنطقة لإحياء ممر إقليمي يمتد من تركيا عبر سوريا والأردن إلى دول الخليج بهدف تعزيز التجارة والطاقة[19]، في المقابل فقد أكد وزير النقل السوري يعرب بدر في 24 مايو 2026 أن الحكومة تعمل على استعادة دور سوريا كممر بري بين أوروبا والخليج، وأن هناك تفاهمات مع تركيا والأردن والسعودية[20]، ومن أهم الخطوات العملية وفق هذا السياق تجلت في توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية بين سوريا وتركيا والأردن في عمّان خلال أبريل 2026 لتطوير هذا الممر[21]، وفي أبريل 2026 استأنفت العراق تصدير مشتقاتها النفطية والنفط الخام عبر موانئ بانياس وطرطوس في سوريا، وهناك بوادر لزيادة تصدير النفط عبر الموانئ السورية، إثر موافقة مجلس الوزراء العراقي على تعاقد وزارة النفط مع الجانب السوري لنقل وتخزين ومناولة كميات من النفط الخام[22]،وذلك ما يمثل تطورًا مهمًا في مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين ويعزز الدور الإقليمي للموانئ السورية بوصفها منافذ لتجارة الطاقة في المنطقة.

بهذا، تبدو المصالح والرؤى مشتركة في دول الخليج والمشرق العربي وتركيا لنقل إنتاج الطاقة عبر هذه البوابة، ما قد يعمّق التعاون الاقتصادي والسياسي بين هذه الدول، وهنا تبرز أهمية العلاقة السورية التركية بدورها محورًا لكل هذه المشاريع التي تضيف لهذه العلاقة ثقل إقليمي بارز.

 

  • موقف دولة الاحتلال الإسرائيلي من هذا التقارب

كما هو الحال مع أي دولة طبيعية ترى الكيان الصهيوني كيانًا محتلًا يحمل أطماع استعمارية توسعية، فيكون هذا الكيان هو العدو الاستراتيجي لها والتهديد الرئيسي عليها؛ فمنذ فتح دمشق وأسقاط نظام كان يُشترى ويُباع يحمل في مضمونه نفس همجية وقمعية الكيان المحتل؛ دق ناقوس الخطر في تل أبيب، حيث دمرت أغلب المقدرات والإمكانيات العسكرية في سوريا واحتلت أراٍض على الحدود السورية في مرتفعات الجولان واستولت على قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية وانسحب من اتفاقية فض الاشتباك 1974[23].

لم تكتفي بذلك، بل إنها استخدمت ورقة الأقليات كعادة الدول الاستعمارية، وتجلى ذلك في دعمها لشرائح دينية في الجنوب السوري وعرقية في الشمال الشرقي وتحريضهم على الانفصال والفيدرالية، وهذا ما يتعارض مع الرؤى المشتركة للعلاقة بين دمشق وأنقرة؛ فلم تتوانى تركيا عن دعمها السياسي والعسكري والأمني لدمشق من خلال دعم إعادة بناء المؤسسات العسكرية وبرامج التدريب والاستشارات العسكرية موجهة رسالة وقوفها في وجه كل مستغلّ لضعف الدولة السورية حينها، حيث لعبت تركيا دورًا في دفع الولايات المتحدة للجم امتداد الكيان المحتل والانسحاب من الأراضي السورية، لكن السياسات الأمريكية دائما ما تكون منحازة لحليفها المدلل.

تنظر دولة الاحتلال إلى هذه العلاقة والتحالف بقلق بالغ من توسع النفوذ التركي وبناء منظومة عسكرية وأمنية تربط دمشق بأنقرة، وفقدان الحرية العسكرية في سوريا، لاسيما أنها تنظر إلى تركيا كقوة إقليمية منافسة لها في المنطقة.

خاتمة

ختامًا، تشهد العلاقات السورية التركية تقاربًا استراتيجيًا في كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وإن كان أبرزها الجوانب العسكرية والأمنية والاستخباراتية، ويمكن أن تدفع هذه العلاقة المشتركة بينهما بأن تتحول كل من دمشق وأنقرة إلى قوى إقليمية تعيد رسم إمدادات الطاقة والتجارة، فتعد سوريا بابًا للعمق العربي والبحر المتوسط بينما تعد تركيا بابًا للقارة الأوروبية ودول الاتحاد الأوراسي، وبهذه التركيبة يتشكل لدينا ممرًا حيويًا ذا أهمية سياسية بعيدًا عن ممرات طبيعية حكمت عليها الجغرافية بأن تكون تحت إملاءات وأهواء وسياسات دول غير مسؤولة في المنطقة؛ ويمكن القول يجب أن تكون العلاقة قائمة على التعاون المشترك والتنسيق لا الوصاية والاستفادة منها في خلق تنمية مستدامة لكلا البلدين وتعزيز الدور الإقليمي، ويمكن أن تعطي هذه العلاقة والتحالف دفعة نوعية في اتجاه تحالف أكبر على مستوى قوى إقليمية وازنة والتي بدأت تركيا بالتلويح به حتى وأن كانت سوريا اليوم لا تملك نفس ثقل هذه الدول، لكن من لا يرى مستقبل هذه المنطقة والمسار الذي اتخذت وما سيؤول إليه، غالبًا ما يكون ذلك مرتبطًا بقراءة غير شاملة للتفاعلات الإقليمية والدولية، أو أن المشاريع والعوامل المتنافسة في عدم استقرار المنطقة يجب النظر فيها واستشراف مآلاتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

 

  • أمال قواسمية، عبد القادر بوغازي، العلاقات التركية السورية بعد 2002، مجلة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، 27 ديسمبر 2022، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://asjp.cerist.dz/en/article/208154
  • سعيد الحاج، تركيا وسوريا الجديدة تحديات كبيرة أمام المكاسب الاستراتيجية وسعي لتجنب المواجهة مع إسرائيل، مركز الجزيرة للدراسات، 22 ديسمبر 2025، تم الاطلاع بتاريخ 6يونيو 2026، https://n9.cl/6pcmq
  • عماد قدورة، سوريا وتركيا ومسألة البوابة المتبادلة، 6 فبراير 2025، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://n9.cl/jsom1
  • فيصل الحجي، الرؤية التركية لمستقبل العلاقات مع سوريا.. قراءة في تقرير مركز “سيتا” حول المشهد الجيوسياسي لتركيا عام 2025، 4 فبراير 2025، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://n9.cl/z5uhhe
  • إسرائيل تستولي على أراٍض سورية بعد انهيار نظام الأسد، أكسيوس، 8 ديسمبر 2024، تم الاطلاع بتاريخ 9 يناير 2026، https://n9.cl/f0f0v
  • البنك الدولي يمنح سوريا 200مليون دولار لتحديث السكك الحديدية، الجزيرة نت، 21 أبريل 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://aja.ws/w6jvpb
  • تصريح رجب طيب أردوغان، RT ARABIC، 22 سبتمبر 2011، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://n9.cl/jlddh
  • تركيا تخطط لفتح فروع لبنوكها في سوريا وتبحث طباعة العملة، زمان التركية، 9 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 9 يونيو 2026، https://n9.cl/d4qrbt
  • تركيا تعين قائمًا بالأعمال لسفارتها في العاصمة السورية دمشق، TRT عربي، 12 ديسمبر 2024، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/bdv93dht
  • جلسة خاصة بسوريا.. الشرع يصل إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، تليفزيون سوريا، 11 أبريل 2025، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/43bbayd5
  • خطط للريط السككي مع دول الجوار وتفعيل الترانزيت الطرقي قبل نهاية 2026، سانا، 24 مايو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://n9.cl/gt529e
  • الدفاع التركية تعلن تفاصيل اتفاق “التعاون العسكري” مع سوريا، سكاي نيوز، 14 أغسطس 2025، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/ysx8pfpb
  • درع الفرات.. عملية عسكرية متعددة الأهداف والجبهات، الجزيرة نت، 5 سبتمبر 2016، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://aja.me/ojd0px
  • د/ عام/ سوريا وتركيا/ افتتاح خط حديدي، وكالة الأنباء السعودية، يناير 2010، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://n9.cl/8gg7sn
  • رئيس الاستخبارات التركية في دمشق، الجزيرة نت، 12 ديسمبر 2024، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/mv6j4mbh
  • روسيا تعزز إمدادات حميميم وسط استمرار وجوده في سوريا، الجزيرة نت، 2 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://aja.ws/r7miw8
  • زيلينسكي في سوريا لأول مرة لتعزيز التعاون والأمن الغذائي، الجزيرة نت، 5 أبريل 2026، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://aja.ws/pfk3ak
  • سوريا وتركيا.. علاقات متأرجحة، سكاي نيوز عربية، يونيو 2012، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://n9.cl/o4aiv
  • مباحثات سورية تركية لإحياء قطار الحجاز وربط الخليج بأوروبا، الجزيرة نت، 6 مايو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://aja.ws/gp50f4
  • الممر التركي السوري الأردني الخليجي، تيار المستقبل السوري، 3 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://n9.cl/ybrhi
  • مناورات أفس 26 في تركيا، الجزيرة نت، 21 مايو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://aja.ws/k90wtj
  • النظام السوري يعلق على أنباء عقد مفاوضات لتطبيع العلاقات مع تركيا، الجزيرة نت، 24 سبتمبر 2022، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://aja.me/p5vvtd
  • وزير النقل السوري يؤكد وجود خطة شاملة لإعادة تأهيل شبكة الطرق، العربي الجديد، 3 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 9 يونيو 2026، https://n9.cl/wa4bpq

 

 

[1] سوريا وتركيا.. علاقات متأرجحة، سكاي نيوز عربية، يونيو 2012، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://n9.cl/o4aiv

[2] أمال قواسمية، عبد القادر بوغازي، العلاقات التركية السورية بعد 2002، مجلة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، 27 ديسمبر 2022، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://asjp.cerist.dz/en/article/208154

[3] تصريح رجب طيب أردوغان، RT ARABIC، 22 سبتمبر 2011، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://n9.cl/jlddh

[4] درع الفرات.. عملية عسكرية متعددة الأهداف والجبهات، الجزيرة نت، 5 سبتمبر 2016، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://aja.me/ojd0px

[5] النظام السوري يعلق على أنباء عقد مفاوضات لتطبيع العلاقات مع تركيا، الجزيرة نت، 24 سبتمبر 2022، تم الاطلاع بتاريخ 6 يونيو 2026، https://aja.me/p5vvtd

[6] رئيس الاستخبارات التركية في دمشق، الجزيرة نت، 12 ديسمبر 2024، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/mv6j4mbh

[7] جلسة خاصة بسوريا.. الشرع يصل إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، تليفزيون سوريا، 11 أبريل 2025، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/43bbayd5

[8] تركيا تعين قائمًا بالأعمال لسفارتها في العاصمة السورية دمشق، TRT عربي، 12 ديسمبر 2024، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/bdv93dht

[9] تركيا تخطط لفتح فروع لبنوكها في سوريا وتبحث طباعة العملة، زمان التركية، 9 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 9 يونيو 2026، https://n9.cl/d4qrbt

[10] الدفاع التركية تعلن تفاصيل اتفاق “التعاون العسكري” مع سوريا، سكاي نيوز، 14 أغسطس 2025، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://tinyurl.com/ysx8pfpb

[11]  مناورات أفس 26 في تركيا، الجزيرة نت، 21 مايو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://aja.ws/k90wtj

[12] عماد قدورة، سوريا وتركيا ومسألة البوابة المتبادلة، 6 فبراير 2025، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://n9.cl/jsom1

[13] عماد قدورة، مرجع سابق

[14] زيلينسكي في سوريا لأول مرة لتعزيز التعاون والأمن الغذائي، الجزيرة نت، 5 أبريل 2026، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://aja.ws/pfk3ak

[15] روسيا تعزز إمدادات حميميم وسط استمرار وجوده في سوريا، الجزيرة نت، 2 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 7 يونيو 2026، https://aja.ws/r7miw8

[16] د/ عام/ سوريا وتركيا/ افتتاح خط حديدي، وكالة الأنباء السعودية، يناير 2010، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://n9.cl/8gg7sn

[17] البنك الدولي يمنح سوريا 200مليون دولار لتحديث السكك الحديدية، الجزيرة نت، 21 أبريل 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://aja.ws/w6jvpb

[18] عماد قدورة، مرجع سابق

[19] الممر التركي السوري الأردني الخليجي، تيار المستقبل السوري، 3 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://n9.cl/ybrhi

[20] خطط للريط السككي مع دول الجوار وتفعيل الترانزيت الطرقي قبل نهاية 2026، سانا، 24 مايو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://n9.cl/gt529e

[21] مباحثات سورية تركية لإحياء قطار الحجاز وربط الخليج بأوروبا، الجزيرة نت، 6 مايو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 8 يونيو 2026، https://aja.ws/gp50f4

[22] وزير النقل السوري يؤكد وجود خطة شاملة لإعادة تأهيل شبكة الطرق، العربي الجديد، 3 يونيو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 9 يونيو 2026، https://n9.cl/wa4bpq

[23] إسرائيل تستولي على أراٍض سورية بعد انهيار نظام الأسد، أكسيوس، 8 ديسمبر 2024، تم الاطلاع بتاريخ 9 يناير 2026، https://n9.cl/f0f0v

مقالات ذات صلة