صالون

اللامركزية

اللامركزية الإدارية في سوريا: سيناريوهات التحول وآفاق الإصلاح المؤسسي

محمد حسام زيتون

|

2026-07-20

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-07-20

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-07-20
طباعة

مشاركة

|

 

تشهد سوريا اليوم مرحلة إعادة بناء المؤسسات وإصلاحها، ويعد ذلك جزءً من الجهود المبذولة لمواجهة التحديات الإدارية والتنموية التي ورثتها الحكومة السورية الجديدة، حيث تمثل اللامركزية الإدارية أحد أبرز التوجهات الحديثة في تطوير الإدارة العامة، إذ تعتمد على توزيع بعض الصلاحيات والاختصاصات الإدارية والتنفيذية بين الحكومة المركزية والوحدات الإدارية المحلية في المحافظات كالبلديات، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء، وتحسين مستوى الخدمات العامة، وتعزيز التنمية المحلية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسلامة مؤسساتها، إذ تبقى هذه الوحدات تحت مراقبة وتوجيه الحكومة المركزية؛ وقد اتجهت العديد من الدول إلى تبني هذا النموذج بعد سنين من الصراع الذي أدى إلى تهالك المنظومة الإدارية والمؤسساتية؛ وتتسم مرحلة ما بعد الصراع بالحساسية والحاجة إلى ترميم هذه المنظومة بأسرع وقت ممكن، وكانت سوريا في عهد النظام البائد تقوم على مركزية إدارية مُطلقة وبيروقراطية معقدة والتي غالبًا ما تؤدي إلى بطء اتخاذ القرار، وتعقيد الإجراءات، وضعف قدرة الإدارات المحلية على الاستجابة للاحتياجات التنموية المختلفة.

ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في ظل المرحلة الراهنة والحاجة لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة، ويبرز ملف اللامركزية الإدارية بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتعزيز كفاءة الإدارة المحلية، وتمكين الوحدات الإدارية من ممارسة دور أكبر في إدارة شؤونها، مع الإبقاء على الملفات السيادية والاستراتيجية بيد الحكومة المركزية مثل الأمن والجيش والسياسة الخارجية وغيرها، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية المحلية والحفاظ على وحدة الدولة.

وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا التقدير إلى بيان دوافع التوجه نحو اللامركزية الإدارية في سوريا، واستعراض أبرز التحديات المرتبطة بتطبيقها، وصولًا إلى طرح السيناريوهات المحتملة لمستقبل الإدارة المحلية.

 

دوافع التوجه نحو اللامركزية الإدارية

هناك العديد من الدوافع التي يمكن أن تدفع سوريا إلى التوجه نحو لا مركزية إدارية لإعادة بناء المؤسسات والتنمية ورفع مستوى معيشة المواطن وحثّه على المبادرة الذاتية ومشاركته في التنمية.

من الناحية الاقتصادية تتمثل في قدرة المجتمعات المحلية على استخدام مواردها المتاحة بالشكل الأمثل بما يتناسب مع احتياجاتها يمثل إحدى مرتكزات نجاح التنمية المحلية، ذلك أن هذه المجتمعات تستطيع من خلال الدراسة الجيدة لإمكاناتها الاقتصادية أن تتفهم وتدرك الفرص المتاحة والمعوقات التي تقف أمام النمو والاستثمار، وبالتالي العمل على توسيع القاعدة الاقتصادية وزيادة فرص العمل، من خلال ابتكار وتنفيذ برامج استراتيجية ومشاريع تنموية لإزالة العقبات وتيسير إجراءات الاستثمار داخل مناطقها. فيعد تبني العديد من الدول لسياسة الخصخصة تغيّر دور الوحدات المحلية، حيث أصبحت مسؤولة إلى جانب تقديم الخدمات العامة التقليدية عن تهيئة المناخ الملائم لجذب الاستثمارات وتقديم الفرص للمستثمرين والتعاقد مع القطاع الخاص، من خلال إصدار اللوائح المحلية التي توفر للمستثمر أساسًا قانونيًا للاستثمار في الوحدات المحلية، وإنشاء وتطوير مشروعات البنية الأساسية اللازمة للاستثمار المحلي والأجنبي[1].

ومن الناحية السياسية، تُسهم اللامركزية الإدارية في توسيع نطاق المشاركة في إدارة الشأن العام، وتعزيز العلاقة بين المواطن والإدارة المحلية، بما يدعم الثقة بالمؤسسات العامة ويعزز الاستقرار من خلال إشراك المجتمعات في تحديد أولوياتها التنموية.

أما من الناحية الإدارية، فإن نقل جزء من الصلاحيات إلى الوحدات المحلية يسهم في تخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية، وتسريع إجراءات اتخاذ القرار، والارتقاء بكفاءة الخدمات العامة، بما يحقق قدرًا أكبر من المرونة في الاستجابة لاحتياجات كل منطقة وفق ظروفها وإمكاناتها.

وعلى الصعيد التنموي، تُسهم اللامركزية الإدارية في إعداد خطط تنموية أكثر ارتباطًا بخصوصية كل إدارة محلية، وذلك يساعد على تحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات والمناطق، والحد من الفوارق التنموية، وتحسين استثمار الموارد المحلية، بما ينعكس إيجابًا على مستوى الخدمات ومستوى المعيشة للمواطنين.

كذلك، إبراز التوجه الجديد وجديته نهجًا وسلوكًا لتحقيق العدالة الإدارية في توزيع الثروة عن طريق التركيز على التنمية المحلية من خلال المحافظات، وإشراك المواطنين المحليين في إدارة أنشطة مناطقهم المحلية المختلفة[2].

 

تحديات اللامركزية الإدارية والتنمية في سوريا

 

كحال أي دول خارجة من صراع، سوريا اليوم تمر بمرحلة انتقالية مفصلية تعيد بناء الدولة ومؤسساتها، إذ تواجه مجموعة من القضايا والملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تقف عائقًا أمام مسار التنمية.

أن ضعف كوادر المؤسسات الإدارية المحلية في التخطيط التنموي وإدارة الموارد وإعداد الموازنات، يمثل تحديًا في وجه اللامركزية الإدارية والتنمية في سوريا.

وأيضًا، من التحديات المالية هي اعتماد الإدارة المحلية على تمويلات الحكومة المركزية، والضعف في الإيرادات المحلية مثل الضرائب والرسوم والاستثمارات والمشاريع التنموية التي تدر عوائد، أي أن من الضروري أن ترافق اللامركزية الإدارية نظام لا مركزي مالي.

كذلك، التفاوت التنموي بين المحافظات والمناطق السورية كبير جدًا، فهناك محافظات تحتوي على مصادر دخل متنوعة وكفاءات وخبرات في الكوادر البشرية وتتمتع باستقرار وموقع جيوسياسي مميز، في المقابل هناك محافظات ومناطق مدمرة بالكامل بفعل الحرب الطويلة وتحتاج إلى إعادة إعمار قبل أي تخطيط تنموي.

ومن التحديات الاجتماعية والثقافية، ضعف الثقة بين المواطن والبلديات أو الإدارات المحلية، وذلك لأن بعض البلديات تحول في فترة النظام السابق إلى فرع أمني مصغر أو مركز جباية وتسلط مالي؛ وأيضًا هناك اعتياد وثقافة تقوم على انتظار القرار المركزي وعدم المشاركة المجتمعية في صنع القرار المحلي، مما أدى ذلك إلى ضعف حس المبادرة والمسؤولية.

إن من التحديات الهامة في تطبيق اللامركزية الإدارية في الدول الخارجة من الصراع والتي يعاد بناؤها، قيام الإدارة المحلية بإساءة استخدام سلطتها على الموارد المحلية، من خلال انتشار الفساد المحلي والذي يشكل تهديدًا خطيرًا لنجاح عمليات التنمية المحلية وإعادة الإعمار[3].

 

السيناريوهات المحتملة

 

وبناءً على ما ذكرناه سابقًا من دوافع وتحديات تواجه سوريا للتحول إلى نموذج لا مركزية إدارية والاعتماد على الإدارات المحلية في المحافظات والإدارات المحلية في المناطق للوصول إلى تنمية مستدامة، حيث يستعرض هذا التقدير أبرز السيناريوهات المحتملة لمسار اللامركزية الإدارية.

 

  • استمرار النموذج التقليدي من المركزية الإدارية

 أي إنه وفقًا للتحديات المذكورة سابقًا، وخصوصًا ضعف خبرة الكوادر الإدارية ونقصها في بعض المحافظات والتحديات المالية، ستستمر مركزية صنع القرار الإداري والتنموي وعدم توسيع صلاحيات الإدارات المحلية، مما يؤدي إلى زيادة البيروقراطية وبطء التنمية.

 

  • التحول نحو اللامركزية الإدارية

 يقوم هذا السيناريو على منح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية، وتعزيز الاستقلال المالي وبناء قدرات الكوادر الإدارية ومساهمة المواطنين في التنمية المحلية، مع حفاظ الحكومة المركزية على الملفات السيادية مثل الأمن والدفاع، والسياسة الخارجية والسياسات النقدية والمالية العامة وغيره؛ الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق تنمية أكثر توازنًا بين المحافظات، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتقليل البيروقراطية وتسريع اتخاذ القرار.

 

  • اللامركزية الإدارية المتدرجة

 يقوم سيناريو اللامركزية الإدارية المتدرجة على نقل الصلاحيات من الحكومة المركزية إلى الوحدات الإدارية بصورة مرحلية ومدروسة، مع ربط هذا الانتقال بمدى جاهزية المؤسسات والإدارات المحلية ومدى قدرتها على إدارة شؤونها بكفاءة، ويستند هذا النهج إلى واقع التفاوت بين المحافظات السورية من حيث الاستقرار، والإمكانات الاقتصادية والموارد المحلية، وواقع المؤسسات، مما يقتضي تطبيق اللامركزية الإدارية وفق أولويات ومعايير موضوعية، وبناءً على تقييم نتائج كل خطوة، بالتوازي مع تأهيل الكوادر الإدارية، وتعزيز المؤسسات، وتطوير الأنظمة الإدارية المحلية، والشراكة مع القطاع الخاص لدعم التنمية، مع بقاء الملفات السيادية بيد الحكومة المركزية.

 

 

خاتمة

 

أخيرًا، ربما تُشير المعطيات المحلية إلى تبني الحكومة السورية نهج أو نموذج اللامركزية الإدارية المتدرجة وذلك بالتوازي مع الجهود المبذولة لإعادة بناء المؤسسات وإعادة تنظيم وتطوير الأنظمة الإدارية، وتأهيل الكوادر والاهتمام بالتنمية الإدارية ومنح المحافظات والإدارات المحلية صلاحيات متفاوتة واستقلال مالي جزئي وإعداد موازنتها التنموية والإشراف على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وذلك بحسب جاهزيتها وقدرتها على إدارة شؤونها؛ وبمعنى آخر، يتم توسيع صلاحيات الإدارات المحلية بالتدرجّ، وذلك بحسب معايير مدروسة وخطوات واضحة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

 

  1. عمار قحف وآخرون، حول المركزية واللامركزية في سورية: بين النظرية والتطبيق، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، سبتمبر 2018، تم الاطلاع بتاريخ 3 يوليو 2026، https://n9.cl/5eezh5
  2. سالم الكثيري، اللامركزية الإدارية ودورها في التنمية المحلية في سلطنة عُمان على ضوء قانون المحافظات رقم (36\ 2022)، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، المجلد 8\ العدد 1(2025)، ص 414 – 427، 15 يناير 2025، تم الاطلاع بتاريخ 4 يوليو 2026، https://asjp.cerist.dz/en/article/263205

[1] عمار قحف وآخرون، حول المركزية واللامركزية في سورية: بين النظرية والتطبيق، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، سبتمبر 2018، تم الاطلاع بتاريخ 3 يوليو 2026، https://n9.cl/5eezh5

[2] سالم الكثيري، اللامركزية الإدارية ودورها في التنمية المحلية في سلطنة عُمان على ضوء قانون المحافظات رقم (36\ 2022)، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، المجلد 8\ العدد 1(2025)، ص 414 – 427، 15 يناير 2025، تم الاطلاع بتاريخ 4 يوليو 2026، https://asjp.cerist.dz/en/article/263205

[3] عمار قحف وآخرون، مرجع سابق.