مجلس الشعب

مجلس الشعب السوري: بين استكمال مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار

محمد حسام زيتون

|

2026-08-02

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-08-02

|

طباعة

|

مشاركة

محمد حسام زيتون

|

2026-08-02

|

طباعة

مشاركة

 انطلاقًا من كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام أعضاء مجلس الشعب: “إن بعد تحرير الوطن واستعادة حريته، تنتقل سوريا إلى مرحلة ترسيخ الدولة وبناء مؤسستها على أسس المسؤولية والكفاءة، دولة تصان فيها الكرامة وتُحترم فيها الإرادة”، وهو توجه يعكس إدراكًا بأن ترسيخ الاستقرار لا يتحقق بإدارة المرحلة الانتقالية فحسب، وإنما عبر استكمال مؤسسات الدولة وإعادة تفعيل وظائفها الدستورية؛ وفي هذا السياق، يأتي انعقاد مجلس الشعب بوصفه إحدى أبرز الخطوات المؤسسية التي تشهدها سوريا خلال المرحلة الراهنة، باعتباره السلطة التشريعية التي تستكمل بها الدولة سلطاتها الثلاث، وتؤسس لمرحلة تقوم على توزيع الاختصاصات، وتعزيز العمل المؤسسي، وإرساء قواعد إدارة الشأن العام ضمن أطر دستورية وقانونية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تمر بها سوريا، إذ تمثل مؤشرًا على انتقال تدريجي من إدارة مرحلة استثنائية فرضتها سنوات الصراع إلى مرحلة يزداد فيها الاعتماد على المؤسسات بوصفها الأداة الرئيسة لبناء الدولة وتعزيز الاستقرار السياسي، كما تعكس توجهًا نحو إعادة الاعتبار للدور التشريعي والرقابي بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لتطوير الأداء العام، وتنظيم العلاقة بين السلطات، ومواكبة متطلبات الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي.

وتبرز أهمية هذا التحول بصورة أوضح عند مقارنته بطبيعة الدور الذي اضطلع به مجلس الشعب خلال عهد نظام الأسد البائد، حيث فقد المجلس إلى حد كبير استقلاليته ووظيفته الدستورية، وتحول في كثير من الأحيان إلى منبر لتبجيل وتعظيم قيادات النظام البائد، وإظهار التأييد المطلق لسياساته، وإضفاء الشرعية على قراراته، أكثر من كونه مؤسسة تمارس التشريع والرقابة باسم الشعب، كما ارتبطت وظيفته التشريعية بإقرار قوانين وتشريعات عززت سلطة النظام، وأسهم بعضها في تقييد المجالين السياسي والمدني، بدلًا من حماية الحقوق وتكريس سيادة القانون، الأمر الذي أفقد المجلس دوره الطبيعي بوصفه سلطة تمثل الشعب وتراقب أداء السلطة التنفيذية.

وانطلاقًا من ذلك، يكتسب انعقاد مجلس الشعب في المرحلة الحالية أهمية تتجاوز تشكيل مؤسسة دستورية جديدة، ليصبح جزءًا من مسار أوسع يستهدف استكمال بناء مؤسسات الدولة السورية، وتعزيز قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية بصورة أكثر مؤسسية واستقرارًا، وفي هذا الإطار، تسعى هذه الورقة إلى تقدير الدلالات السياسية لانعقاد مجلس الشعب السوري، وقراءة ما يعكسه من مؤشرات على مسار استكمال بناء مؤسسات الدولة، إلى جانب تحليل الأدوار المتوقعة للمجلس، والانعكاسات المحتملة لانعقاده، والتحديات التي قد تؤثر في فاعلية أدائه، وصولًا إلى تقدير المسار الأكثر ترجيحًا لانعكاسات هذه الخطوة على تعزيز الاستقرار خلال المرحلة.

 

الدلالات السياسية لانعقاده

لا يقتصر انعقاد مجلس الشعب على كونه استحقاقًا دستوريًا ضمن هذه المرحلة، بل يعكس انتقال الدولة السورية إلى مستوى أكثر تقدمًا في إعادة بناء مؤسساتها على أسس دستورية ومؤسسية[1]، فبعد استكمال تشكيل السلطة التنفيذية وصدور الإعلان الدستوري، جاء انعقاد السلطة التشريعية ليكمل البناء المؤسسي للدولة، ويؤشر إلى تجاوز مرحلة الإدارة المؤقتة التي فرضتها ظروف المرحلة الانتقالية باتجاه انتظام عمل السلطات العامة ضمن أطر دستورية واضحة، وبهذا المعنى، يمثل المجلس أحد أبرز المؤشرات على استكمال هيكل السلطات الدستورية الثلاث، بما يعزز توزيع الاختصاصات بين المؤسسات ويكرس العمل المؤسسي في إدارة الشأن العام.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة بعدها التنظيمي، إذ تحمل دلالات سياسية تُسهم بترسيخ الاستقرار خلال المرحلة، فوجود سلطة تشريعية تمارس دورها فإن ذلك يوسع الإطار المؤسسي لعملية صنع القرار، ويعزز التكامل بين السلطات، بما يدعم قدرة الدولة على إدارة الملفات الوطنية عبر آليات دستورية مستقرة، حيث قال رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي ” نتطلع إلى مرحلة جديدة من العمل الوطني المشترك، تقوم على التكامل والتنسيق مع مجلس الشعب في ممارسة العمل الرقابي، بما يعزز المنظومة الرقابية في الدولة السورية، ويُسهم في بناء مؤسسات وطنية تستند إلى سيادة القانون والكفاءة المؤسسية[2].

كما أن تشكيل المجلس، بما يضمّه من تمثيل للمحافظات والشرائح الاجتماعية وفق التوزيع الانتخابي، يعكس توجهًا نحو توسيع المشاركة في الشأن العام وتعزيز التمثيل السياسي داخل مؤسسات الدولة، وهي عناصر تسهم في ترسيخ شرعية المؤسسات خلال مرحلة البناء ونهضة سوريا الجديدة.

 

ما هي أدواره المنتظرة؟

تتجاوز مهام مجلس الشعب ممارسة الدور التشريعي التقليدي، إذ تُحمّله طبيعة المرحلة مسؤوليات ترتبط بإعادة تأسيس البيئة القانونية والمؤسسية التي ستستند إليها الدولة في السنوات المقبلة، ويأتي في مقدمة هذه المسؤوليات مراجعة التشريعات النافذة وتحديث المنظومة القانونية بما ينسجم مع أحكام الإعلان الدستوري ومتطلبات المرحلة، إلى جانب سن قوانين جديدة تعالج الملفات التي أفرزتها سنوات الصراع وإلغاء قوانين سنها النظام البائد والتي تُعتبر أداة تشريعية لقمع الشعب، والمصادقة على المعاهدات الدولية وإقرار الموازنة العامة والعفو العام[3]؛ والعمل على توفير إطارًا قانونيًا أكثر استجابة للتحولات السياسية والإدارية التي تشهدها البلاد، كما يُنتظر من المجلس أن يفعّل دوره الرقابي على أداء الحكومة، من خلال متابعة تنفيذ السياسات العامة، وعقد جلسات اجتماع للوزراء، بما يعزز مبدأ المساءلة والمسؤولية ويرفع من كفاءة الإدارة العامة.

ويمتد دور المجلس كذلك إلى دعم مسار الإصلاح الإداري، عبر إقرار التشريعات التي تُسهم في تحديث مؤسسات الدولة، وتحسين الحوكمة، وإزالة التشوهات القانونية والإجرائية التي تراكمت خلال السنوات الماضية، وفي الجانب الاقتصادي، يبرز المجلس بوصفه شريكًا رئيسًا في تهيئة بيئة تشريعية أكثر جاذبية للاستثمار، من خلال إصدار أو تعديل القوانين الناظمة للاستثمار والتجارة وحماية الملكية وتسوية المنازعات، بما ينعكس على تنشيط الاقتصاد الوطني واستقطاب رؤوس الأموال اللازمة لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ويكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة في ظل الحاجة إلى مواكبة المشروعات المرتبطة بإعادة بناء البنية التحتية واستعادة النشاط الاقتصادي، بما يتطلب إطارًا تشريعيًا مستقرًا يواكب متطلبات التنمية ويعزز ثقة المستثمرين.

كما يبرز ملف العدالة الانتقالية بوصفه أحد أبرز الملفات المنتظرة، حيث سيكون المجلس معنيًا بمناقشة وإقرار التشريعات المنظمة لهذا المسار، بما يشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والمساءلة، وضمانات عدم التكرار، بما يسهم في ترسيخ سيادة القانون خلال المرحلة الانتقالية، وأكد النائب أحمد محمود عبد الله “إن الأولوية لإقرار قانون العدالة الانتقالية، الذي يشكل هاجس السوريين”[4].

 

انعكاساته المحتملة

يمكن أن يشكل انعقاد مجلس الشعب خطوة مهمة في ترسيخ البناء المؤسسي للدولة، بما يعزز الثقة بالمؤسسات العامة ويؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا في صناعة القرار، فوجود سلطة تشريعية فاعلة يتيح تطوير المنظومة القانونية، وتعزيز الرقابة على الأداء التنفيذي، ورفع كفاءة السياسات العامة، بما يحد من حالة عدم اليقين السياسي والإداري، حيث قال وزير الخارجية أسعد الشيباني “تدخل سوريا مرحلة جديدة عنوانها مؤسسات دستورية فاعلة، وتكامل بين سلطات الدولة في خدمة الوطن والمواطن[5]، ويعكس هذا التوجه انتقالًا تدريجيًا نحو ترسيخ العمل المؤسسي، الأمر الذي من شأنه تشجيع الكفاءات السورية على الإسهام في جهود إعادة البناء، إلى جانب توفير بيئة تشريعية أكثر استقرارًا تعزز ثقة المستثمرين وتدعم تحسن مناخ الاستثمار على المدى المتوسط.

أما على الصعيد الخارجي، فيحمل مجلس الشعب دلالات سياسية تتجاوز البعد الداخلي، فهو يقدم مؤشرًا على استمرار استكمال مؤسسات الدولة وتطور العملية السياسية، الأمر الذي يسهم في تحسين صورة سوريا لدى المجتمع الدولي، كما أن ممارسة المؤسسة التشريعية لاختصاصاتها تعكس قدرًا أكبر من الاستقرار المؤسسي، وتدعم فرص توسيع الانفتاح السياسي والدبلوماسي مع الدول الراغبة في إعادة بناء علاقاتها مع دمشق.

وعلى المستوى الاقتصادي، يوفر المجلس إطارًا تشريعيًا يواكب الإصلاحات الاقتصادية وإقرار القوانين الناظمة للاستثمار، ويمنح ذلك الشركاء الخارجيين قدرًا أكبر من الوضوح والثقة في البيئة القانونية، ويفتح المجال أمام توسيع التعاون الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات والمشاركة في مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.

 

أبرز تحدياته

رغم أهمية تشكيل مجلس الشعب بوصفه خطوة متقدمة في استكمال بناء مؤسسات الدولة، فإن نجاحه سيقاس بقدرته على تحويل صلاحياته الدستورية إلى نتائج ملموسة تستجيب لأولويات المرحلة الانتقالية، وفي مقدمة التحديات الإسراع في إصدار التشريعات اللازمة لمواكبة التحولات السياسية والاقتصادية، وتفعيل الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، ويسهم ذلك في رفع كفاءة المؤسسات وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية.

ويمثل بناء جسور الثقة مع الشعب أولوية لا تقل أهمية، من خلال تبني تشريعات تعكس احتياجات المجتمع وتترجم تطلعاته إلى سياسات عامة فاعلة؛ وفي ذلك، صرّح عدد من أعضاء المجلس بأن أولويات المرحلة تشمل العدالة الانتقالية، ومراجعة القوانين والمراسيم الصادرة خلال الأشهر الماضية، وكتابة الدستور، ووضع قانون للانتخابات والحياة السياسية، وتوفير الخدمات، ويكشف ذلك اتساع المسؤوليات الملقاة على عاتق المجلس خلال المرحلة المقبلة.

وتبرز كذلك أهمية مواكبة برامج الإصلاح الاقتصادي، عبر تحديث البيئة التشريعية الداعمة للاستثمار والتنمية، والإسهام في جهود مكافحة الفساد من خلال تطوير الأطر القانونية وأدوات الرقابة البرلمانية، ويحتاج المجلس أيضًا إلى تحقيق التكامل مع بقية مؤسسات الدولة، لضمان انسجام السياسات العامة وتكامل الأدوار؛ وتظهر أهمية ذلك بصورة خاصة في ملف العدالة الانتقالية، الذي يتطلب سياسة متوازنة ترسخ سيادة القانون، وتحفظ الحقوق، وتجبر الضرر، وتدعم المصالحة الوطنية بوصفها أحد المرتكزات الأساسية لبناء الدولة واستقرارها.

 

خاتمة

يتوقف الأثر الذي سيتركه مجلس الشعب خلال المرحلة المقبلة على جملة من المحددات، يأتي في مقدمتها مدى قدرته على ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية بفاعلية، وسرعة إصدار القوانين المرتبطة بأولويات المرحلة، ومستوى التكامل بينه وبين بقية مؤسسات الدولة، ويتصل ذلك أيضًا بمقاربته ملفات الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد والعدالة الانتقالية، وقدرته على بناء ثقة أوسع مع الشعب.

وفي ضوء هذه المحددات، يرجح أن يمثل انطلاق المجلس خطوة مهمة في انتقال الدولة السورية إلى مرحلة أكثر مؤسسية مقارنة بالمراحل السابقة، كما يعكس توجهًا متزايدًا نحو استكمال بناء المؤسسات الدستورية وتفعيل دورها في إدارة المرحلة الانتقالية، وسيبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا بقدرة المجلس على تحويل صلاحياته إلى أداء تشريعي ورقابي ملموس، يساند الاستقرار السياسي، ويحسن البيئة الاقتصادية، ويرسخ ثقة الشعب والشركاء الدوليين بمسار الدولة السورية.

وعليه، لا تقتصر أهمية انعقاد المجلس على استكمال المؤسسة التشريعية، بل تشمل دلالته على ترسيخ منطق المؤسسات بوصفه أحد المسارات الأساسية لتعزيز الاستقرار خلال المرحلة المقبلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

 

  1. بشار أبو زكري، لا تصفيق ولا هتافات.. كيف قرأ السوريون أول جلسة لمجلس الشعب الجديد؟، مركز الجزيرة للدراسات، 12 يوليو 2026، تم الاطلاع 24 يوليو 2026، https://aja.ws/vru52q
  2. خبيران: تشكيل مجلس الشعب خطوة لاستكمال البناء الدستوري ولا يقتصر دوره على التشريعات، سانا، 1 يوليو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 21 يوليو 2026، https://n9.cl/sgapu
  3. رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: بتشكيل مجلس الشعب تكتمل ركائز الدولة الدستورية، سانا، 1 يوليو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 21 يوليو 2026، https://n9.cl/2sed3
  4. ما هي مهام وصلاحيات مجلس الشعب في الإعلان الدستوري؟، سانا، 12 يوليو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 22 يوليو 2026، https://n9.cl/fpvdz
  5. منها العدالة الانتقالية والتشريع.. ما أولويات النواب في مجلس الشعب السوري الجديد؟، الجزيرة نت، 13 يوليو 2026، تم الاطلاع 22 يوليو 2026، https://aja.ws/te7ufr

[1] خبيران: تشكيل مجلس الشعب خطوة لاستكمال البناء الدستوري ولا يقتصر دوره على التشريعات، سانا، 1 يوليو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 21 يوليو 2026، https://n9.cl/sgapu

[2] رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: بتشكيل مجلس الشعب تكتمل ركائز الدولة الدستورية، سانا، 1 يوليو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 21 يوليو 2026، https://n9.cl/2sed3

[3] ما هي مهام وصلاحيات مجلس الشعب في الإعلان الدستوري؟، سانا، 12 يوليو 2026، تم الاطلاع بتاريخ 22 يوليو 2026، https://n9.cl/fpvdz

[4] منها العدالة الانتقالية والتشريع.. ما أولويات النواب في مجلس الشعب السوري الجديد؟، الجزيرة نت، 13 يوليو 2026، تم الاطلاع 22 يوليو 2026، https://aja.ws/te7ufr

[5] بشار أبو زكري، لا تصفيق ولا هتافات.. كيف قرأ السوريون أول جلسة لمجلس الشعب الجديد؟، مركز الجزيرة للدراسات، 12 يوليو 2026، تم الاطلاع 25 يوليو 2026، https://aja.ws/vru52q

الكلمات المفتاحية :