بوست(3)

الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا: بين منطق المنطقة الأمنية وضغوط الانسحاب

بسمة عربشة

|

2026-08-03

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-08-03

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-08-03

|

طباعة

مشاركة

سؤال البحث: ما أهداف إسرائيل؟ وهل تتجه إلى الانسحاب أم تثبيت وجود طويل الأمد؟

مقدمة

بعد سقوط نظام الأسد في ليلة 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، شعرت إسرائيل بقلق متزايد، ولا سيما أن السلطة الجديدة في دمشق جاءت – من وجهة النظر الإسرائيلية – من خلفية إسلامية، وهو ما أثار مخاوفها من احتمالية تشكل تهديدات أمنية جديدة على حدودها الشمالية. وفي هذا السياق، سيطرت القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة تُقدَّر بنحو 665 كيلومتراً مربعاً داخل الأراضي السورية، [1]وأنشأت مواقع عسكرية ثابتة. وتشمل هذه المناطق أجزاءً من ريفي القنيطرة ودرعا، وتمتد إلى بلدات مثل القنيطرة، وخان أرنبة، والجانب السوري من جبل الشيخ، بالإضافة إلى التوغل في قرى صيدا، وعابدين، ومعربة في حوض اليرموك بريف درعا.

 

أولاً: تطور الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا

 

المرحلة الأولى: ما بعد سقوط النظام (2024)

في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تجاوز الجيش الإسرائيلي خط “ألفا”، ودخل المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974. وفي اليوم التالي، سيطر على قمة جبل الشيخ، ونفذ غارات جوية واسعة استهدفت قواعد ومطارات ومستودعات أسلحة ومنظومات دفاع جوي تابعة للجيش السوري.

واقتصر الوجود الإسرائيلي حتى نهاية عام 2024، على إنشاء مواقع عسكرية داخل المنطقة العازلة، والانتقال تدريجياً من سياسة التوغل المؤقت إلى سياسة التمركز العسكري.

المرحلة الثانية: التوغل والتمركز الإسرائيلي (2025)

أنشأ الجيش الإسرائيلي تسع نقاط عسكرية دائمة، كان أبرزها القاعدة العسكرية المقامة على قمة جبل الشيخ. كما وسّع تحصيناته الدفاعية، وشق طرقاً عسكرية، وأقام سواتر ترابية حول مواقع انتشاره.

وفي 28 كانون الثاني/يناير 2025، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن القوات الإسرائيلية ستبقى في جبل الشيخ إلى أجل غير مسمى، في إشارة إلى توجه تل أبيب نحو تثبيت وجودها العسكري في المنطقة.[2]

المرحلة الثالثة: الانفتاح الأمني والمحادثات (2026)

شهدت نهاية عام 2025، توثيق أكثر من 800 عملية توغل داخل الأراضي السورية، وصلت إحداها إلى مسافة 20 كيلومتراً من دمشق، فيما بلغ عمق بعض التوغلات نحو 63 كيلومتراً في ريف درعا و22 كيلومتراً في محافظة السويداء.[3]

وفي 5 كانون الثاني/يناير 2026، أجرى الجانبان السوري والإسرائيلي محادثات أمنية بوساطة أمريكية، أعقبها في اليوم التالي الاتفاق على إنشاء آلية اتصال لخفض التصعيد وتبادل المعلومات. إلا أن القوات الإسرائيلية واصلت عمليات التوغل خلال حزيران/يونيو وتموز/يوليو 2026، ما عكس محدودية تأثير تلك التفاهمات على الواقع الميداني.

 

ويطرح ذلك تساؤلاً رئيسياً: ما الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من استمرار توغلها داخل الأراضي السورية؟

بعد سقوط نظام الأسد، سعت إسرائيل إلى منع تعافي الدولة السورية وإبقائها في حالة من الضعف الاستراتيجي، كما عملت على بناء قنوات تواصل مع بعض الشخصيات والمجموعات المحلية في محافظة السويداء، وقدمت نفسها بوصفها حامية للطائفة الدرزية، في محاولة لاستخدام هذا الملف كورقة ضغط على دمشق.

وفي هذا السياق، استهدفت إسرائيل فجر الجمعة 2 أيار/مايو 2025، محيط القصر الرئاسي في دمشق، بعد اشتباكات شهدتها مناطق ذات أغلبية درزية، ووصفت الحكومة الإسرائيلية الضربة بأنها “تحذيرية” لمنع استهداف الطائفة الدرزية. كما نفذ سلاح الجو الإسرائيلي في 16 تموز/يوليو 2025، غارات مكثفة استهدفت مبنى وزارة الدفاع، ومحيط القصر الجمهوري، ورئاسة الأركان في العاصمة دمشق.

  • تنقسم أهداف إسرائيل من التوغل إلى قسمين: 

الأول: أهداف دفاعية تكتيكية

تمثلت في ملء الفراغ الأمني الذي أعقب سقوط النظام، وتدمير البنية التحتية العسكرية القريبة من الحدود، بما يحدّ من احتمالية تعرض إسرائيل لأي تهديدات مستقبلية.

الثاني: أهداف استراتيجية

1- الذريعة الإنسانية غطاءً للاستراتيجية العسكرية

استخدمت إسرائيل شعار “حماية الدروز” خلال غارات أيار/مايو وتموز/يوليو 2025، بوصفه غطاءً سياسياً وأخلاقياً أمام المجتمع الدولي، لتبرير استهداف مواقع سيادية في العاصمة دمشق، أبرزها محيط القصر الرئاسي ومبنى وزارة الدفاع.

2- إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جنوب سوريا

هدفت الضربات الإسرائيلية إلى فرض واقع ميداني جديد يجعل من إسرائيل الطرف الأكثر تأثيراً في المعادلة الأمنية جنوب سوريا، وإرسال رسالة مفادها أن أي تغيير في التوازنات الأمنية أو الديموغرافية في تلك المنطقة سيقابَل برد عسكري مباشر، حتى وإن استدعى استهداف العاصمة دمشق.

3- استراتيجية تفكيك الجبهات

سعت إسرائيل إلى عزل الملف الأمني في الجنوب السوري عن الإدارة المركزية في دمشق، من خلال توظيف ملف حماية الدروز والتعامل مع الجنوب بوصفه منطقة عازلة، الأمر الذي يمنحها مبرراً لإطالة أمد وجودها العسكري وتأجيل أي انسحاب محتمل بذريعة غياب الاستقرار الأمني.

 

ثانياً: سياقات العلاقات السورية الإسرائيلية

_ تعاظم قدرات الجيش السوري الجديد:

منذ مطلع عام 2025، بدأ الجيش السوري الجديد عملية إعادة بناء شاملة لقدراته العسكرية واللوجستية، مستفيدًا من فتح باب الانتساب الطوعي، الأمر الذي أسهم في تشكيل نواة جيش وطني يقوم على حماية الدولة ومؤسساتها. كما شرعت الحكومة في دمج الفصائل المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع، بالتوازي مع إطلاق برامج لإصلاح المؤسسة العسكرية ورفع جاهزيتها.

وفي هذا الإطار، وقعت دمشق وأنقرة في 13 آب/أغسطس 2025، اتفاقية تعاون عسكري مشترك تهدف إلى تطوير قدرات الجيش السوري، وإعادة هيكلة مؤسساته، ودعم إصلاح قطاع الأمن. وتشمل الاتفاقية برامج تدريب متخصصة، وتبادل الخبرات، وإرسال خبراء عسكريين للمساهمة في تحديث الأنظمة العسكرية والهيكل التنظيمي، وتعزيز قدرات القيادة والسيطرة.

وبالتوازي مع ذلك، ركز التعاون مع موسكو على إعادة تأهيل وصيانة العتاد العسكري ذي المنشأ السوفيتي والروسي، إلى جانب إبرام عقود تسليح جديدة، وتحويل قاعدة حميميم إلى مركز لتدريب الجيش السوري بإشراف خبراء روس. كما قدم الأردن دعمًا محدودًا تمثل في تزويد الجيش بعدد من العربات وناقلات الجند.

وفي 23 تموز/يوليو 2026، نظمت وزارة الدفاع السورية عرضًا عسكريًا بمناسبة تخريج ألف عنصر من صف الضباط في القوة الجوية، وأعلنت عن أول سلاح جوي سوري محلي الصنع، في خطوة تعكس توجه دمشق نحو بناء قاعدة صناعات عسكرية وطنية، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على الدعم الخارجي.[4]

وتنظر إسرائيل إلى هذه التطورات بوصفها تحولًا استراتيجيًا في البيئة الأمنية على حدودها الشمالية، إذ لم يعد الجيش السوري يعاني من حالة التفكك التي أعقبت سقوط النظام، بل بات يتجه تدريجيًا نحو بناء مؤسسة عسكرية أكثر تنظيمًا وكفاءة، مدعومة بشراكات إقليمية ودولية، وعلى رأسها تركيا، التي تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متطورة وثقلًا عسكريًا وسياسيًا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ورغم أن بعض التقديرات أشارت إلى احتمال اتساع نطاق المواجهة مستقبلًا ليشمل سوريا وتركيا، فإن هذا السيناريو يبقى مقيدًا باعتبارات أمريكية ودولية تسعى إلى الحد من توسع الصراعات في الشرق الأوسط، في ظل توجه واشنطن نحو احتواء بؤر التوتر وإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، فضلًا عن إدراكها أن أي مواجهة إقليمية جديدة قد تفتح جبهة يصعب احتواء تداعياتها، خاصة في ظل استمرار الأزمات المرتبطة بقطاع غزة وإيران.

 

_ تعاظم قدرات الدولة السورية واستعادة السيطرة الداخلية:

شهدت الدولة السورية منذ عام 2025 تقدمًا تدريجيًا في استعادة سلطتها على أراضيها، بعد سنوات من الانقسام ووجود قوى عسكرية متعددة خارج سيطرة الدولة.

فقد سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لسنوات على نحو ربع مساحة البلاد، والتي تضم معظم الثروات النفطية والغازية والزراعية، في حين كانت مناطق أخرى خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة. كما برزت في محافظة السويداء مجموعات مسلحة اتهمتها دمشق بتلقي دعم إسرائيلي، الأمر الذي أسهم في تعقيد جهود الحكومة لبسط سيطرتها الكاملة على الجنوب.

إلا أن الحكومة السورية تمكنت، عبر المسار الدبلوماسي، من التوصل إلى اتفاق مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية يقضي بدمجها ضمن الجيش السوري، وإعادة المنطقة الشرقية إلى سلطة الدولة، وهو ما أسهم في استعادة دمشق جزءًا كبيرًا من أراضيها وتعزيز حضورها العسكري والإداري.

وفي المقابل، لا يزال ملف الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون في الجنوب مرتبطًا بالتفاهمات الجارية مع إسرائيل، في ظل اتهامات دمشق لتلك الجماعات بتلقي دعم إسرائيلي. غير أن الوساطة الأمريكية بين دمشق وتل أبيب أسهمت في الحد من الدعم المقدم لها، ما أدى إلى ظهور انقسامات داخلية في صفوفها.

وفي هذا السياق، قد تفضل الحكومة السورية الاستمرار في سياسة الاحتواء التدريجي، بما يدفع تلك الجماعات إلى القبول بتسويات مع الدولة، تجنبًا لخوض مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى خسائر بشرية أو إلى تأجيج التوترات الطائفية.

وبذلك، فإن نجاح دمشق في استعادة السيطرة على معظم الجغرافيا السورية يضع إسرائيل أمام واقع جديد يتمثل في عودة الدولة السورية كفاعل مركزي على حدودها الشمالية، وهو ما قد يدفعها إلى إعادة تقييم جدوى استمرار وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، أو السعي إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة قبل أي انسحاب محتمل.

 

_ تراجع النفوذ الإيراني في سوريا والضغوط الأمريكية – الإسرائيلية لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة

مع سقوط نظام الأسد، الحليف الأبرز لإيران، والذي جعل من سوريا ساحة رئيسية لنفوذها الإقليمي، تراجع الحضور الإيراني بصورة ملحوظة، ولا سيما بعد أن أحكمت السلطات السورية الجديدة سيطرتها على الحدود مع العراق ولبنان، وقطعت خطوط الإمداد التي كانت تستخدمها الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، وفي مقدمتها حزب الله.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية–الإيرانية في شباط/فبراير 2026، استغلت إسرائيل هذا التحول لتكثيف عملياتها العسكرية ضد مواقع حزب الله في جنوب لبنان، سعيًا لإنهاء أحد أبرز أذرع إيران العسكرية في المنطقة. إلا أن استمرار المواجهات لأسابيع، رغم حجم الدمار الكبير، أظهر محدودية قدرة الخيار العسكري وحده على حسم هذا الملف.

وفي هذا السياق، صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة تصريحات اعتبر فيها أن الرئيس السوري أحمد الشرع هو الطرف القادر على إنهاء ملف حزب الله بوسائل أكثر فاعلية من العمليات العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي وضع دمشق أمام ضغوط أمريكية متزايدة للعب دور في معالجة هذا الملف.

واستجابت دمشق جزئيًا لهذه الضغوط عبر تشديد الرقابة على الحدود ووقف تدفق السلاح إلى حزب الله، لكنها في المقابل ربطت أي انخراط أوسع في الملف اللبناني بجملة من المطالب، من أبرزها انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام، واحترام السيادة السورية، وإنهاء ملف الجماعات المسلحة في السويداء، واستكمال تسوية ملف قوات سوريا الديمقراطية.

ومن هذا المنطلق، قد تجد إسرائيل نفسها أمام خيار القبول بتفاهمات أمنية أوسع مع دمشق إذا رأت أن ذلك يحقق هدفها الاستراتيجي المتمثل في الحد من نفوذ حزب الله وتأمين حدودها الشمالية، دون الانخراط في مواجهة عسكرية طويلة الأمد.

في المقابل، يرى بعض الباحثين أن استمرار وجود حزب الله، رغم تراجع قدراته، يبقي إسرائيل منشغلة على الجبهة اللبنانية، ويؤخر انتقال أي مواجهة مباشرة نحو الساحة السورية. ومع ذلك، يبقى هذا الاحتمال أقل ترجيحًا في المرحلة الراهنة، في ظل الكلفة الكبيرة التي تحملتها إسرائيل في حروبها الأخيرة، إضافة إلى وجود اعتبارات إقليمية، من بينها الموقف التركي، الذي قد يحد من أي توسع عسكري جديد.

 

_ الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل وتأثيرها على القرار العسكري

شهدت إسرائيل خلال عام 2026 تصاعدًا في أزمتها السياسية الداخلية، انعكس على مستقبل الحكومة والقرارات المتعلقة بالملفات الأمنية والإقليمية. ففي 17 تموز/يوليو 2026، صادق الكنيست رسميًا على حل نفسه بأغلبية 62 صوتًا، ممهدًا الطريق لإجراء انتخابات عامة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. كما أظهرت استطلاعات الرأي تقدم معسكر المعارضة على ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بما يمنحه فرصة حقيقية لتشكيل الحكومة المقبلة.[5]

وفي حال فوز المعارضة، بقيادة يائير لبيد، ونفتالي بينيت، وعضو مجلس الحرب السابق غادي آيزنكوت، فمن المرجح أن تشهد السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا تحولًا في أسلوب إدارة الملف، دون أن يعني ذلك تغييرًا جذريًا في الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل. فالمعارضة لا تعارض الحفاظ على الأمن الإسرائيلي، لكنها تميل إلى توظيف الأدوات الدبلوماسية والتفاهمات الأمنية إلى جانب القوة العسكرية، بدلًا من الاعتماد على التصعيد المستمر.

وفي هذا السياق، صرّح غادي آيزنكوت بأن أولويته في سوريا تتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي مُحسَّن مع حكومة أحمد الشرع، يقوم على تفاهمات أمنية واضحة تضمن منع تحول الجنوب السوري إلى مصدر تهديد لإسرائيل.

كما تتبنى المعارضة الإسرائيلية فكرة وضع “خطوط حمراء” أمنية، في مقدمتها منع انتشار الأسلحة الثقيلة في الجنوب السوري، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا قبل البحث في أي ترتيبات تتعلق بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية أو تعديل واقع المنطقة العازلة. وفي الوقت نفسه، تدعم استمرار قنوات الاتصال الأمنية غير المباشرة، برعاية الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى ترتيبات إقليمية تقلل احتمالات التصعيد وتحافظ على الاستقرار في جنوب سوريا.

وبناءً على ذلك، فإن أي تغيير محتمل في القيادة السياسية الإسرائيلية قد ينعكس على آليات إدارة العلاقة مع دمشق أكثر من انعكاسه على الأهداف الاستراتيجية، إذ قد تنتقل إسرائيل من سياسة فرض الوقائع العسكرية إلى سياسة التفاوض المشروط، دون التخلي عن مطالبها الأمنية الأساسية.

وفي حال نجحت هذه المقاربة، بالتوازي مع التوصل إلى تفاهمات أمنية مستقرة بين الجانبين، فقد يفتح ذلك المجال أمام أشكال محدودة من التعاون الاقتصادي أو الإقليمي في المستقبل، ولا سيما في ملفات الطاقة والنقل، إلا أن تحقق هذا الاحتمال يبقى مرهونًا بتسوية الملفات الأمنية العالقة، وفي مقدمتها مستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا.

 

ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة

 

السيناريو الأول: انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل ترتيبات أمنية وشراكات اقتصادية (الأكثر ترجيحًا)

يفترض هذا السيناريو أن تتجه إسرائيل، بضغط أمريكي ودولي، نحو انسحاب تدريجي من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السوري، مقابل التوصل إلى تفاهمات أمنية مع دمشق تضمن استقرار الحدود ومنع أي تهديدات مستقبلية لأمنها.

ويستند هذا السيناريو إلى جملة من المعطيات، أبرزها التحول في أولويات السياسة الأمريكية، التي باتت تميل إلى احتواء بؤر الصراع في الشرق الأوسط بدلاً من توسيعها، في ظل سعيها لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية على المستوى الدولي. كما أن القيادة السورية الجديدة أظهرت، خلال فترة وجيزة، قدرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة السيطرة على معظم الجغرافيا السورية، والانفتاح على المجتمعين الإقليمي والدولي، الأمر الذي عزز الثقة بقدرتها على معالجة الملفات الأمنية المعقدة، ومن بينها الحد من نفوذ حزب الله، عبر أدوات سياسية وأمنية، بعيدًا عن الانخراط في مواجهات عسكرية واسعة.

وفي المقابل، فإن دمشق تربط أي دور مستقبلي في معالجة الملف اللبناني أو الملفات الأمنية الإقليمية بجملة من الشروط، في مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، واحترام السيادة السورية، وإنهاء الملفات الأمنية العالقة في الجنوب.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات السورية–الإسرائيلية تقوم على ترتيبات أمنية متبادلة، وربما تتطور لاحقًا إلى مشاريع تعاون اقتصادي وإقليمي، إذا ما توافرت الإرادة السياسية لدى الطرفين.

 

السيناريو الثاني: استمرار الوجود الإسرائيلي طويل الأمد (مرجح بدرجة متوسطة)

يقوم هذا السيناريو على استمرار تمسك إسرائيل بوجودها العسكري في جنوب سوريا، انطلاقًا من اعتبارها أن إعادة بناء الجيش السوري، وتعاظم التعاون العسكري بين دمشق وكل من تركيا وروسيا، يمثلان تحولًا استراتيجيًا قد يغير ميزان القوى على حدودها الشمالية.

ومن هذا المنطلق، قد تواصل إسرائيل التعامل مع المناطق التي تسيطر عليها بوصفها منطقة أمنية عازلة، إلى حين الحصول على ضمانات أمنية تعتبرها كافية لمنع أي تهديد مستقبلي.

إلا أن فرص تحقق هذا السيناريو تبقى محدودة بعاملين رئيسيين؛ أولهما الرفض السوري القاطع لأي وجود عسكري إسرائيلي دائم داخل الأراضي السورية، وثانيهما الضغوط الأمريكية والدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي، والتي قد تحد من قدرة إسرائيل على تحويل وجودها العسكري المؤقت إلى واقع دائم.

 

السيناريو الثالث: تصعيد عسكري بين الجانبين (ضعيف)

يفترض هذا السيناريو انهيار التفاهمات الأمنية القائمة، أو لجوء الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما في حال استمرار التيار اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو، إلى تصعيد عسكري جديد على الجبهة السورية، سواء بدوافع أمنية أو نتيجة اعتبارات سياسية داخلية، وفي مقدمتها محاولة توحيد الجبهة الداخلية أو الهروب من الأزمات السياسية والقضائية.

إلا أن احتمالية تحقق هذا السيناريو تبدو ضعيفة، في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة. فالولايات المتحدة تبدي رغبة واضحة في احتواء الصراعات الإقليمية وعدم الانجرار إلى مواجهات جديدة، كما أن إسرائيل خرجت من سلسلة حروب استنزفت قدراتها العسكرية والسياسية، في وقت لا تبدو فيه البيئة الإقليمية مهيأة لفتح جبهة جديدة، خاصة في ظل الموقف التركي الرافض لأي توسع عسكري إسرائيلي في سوريا.

 

الخاتمة

تشير المعطيات الحالية إلى أن الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا لم يعد مرتبطًا فقط بالاعتبارات العسكرية المباشرة، بل أصبح جزءًا من عملية إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق العربي، في ظل التحولات التي تشهدها سوريا والإقليم بصورة عامة.

وفي المقابل، نجحت الدولة السورية، خلال فترة وجيزة، في تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، واستعادة السيطرة على معظم أراضيها، والانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي، وهو ما يعكس تحولها التدريجي من دولة تعاني من التفكك إلى دولة تسعى لاستعادة دورها الإقليمي.

وفي ضوء هذه المتغيرات، يبدو أن مستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا سيكون مرتبطًا بدرجة كبيرة بطبيعة التفاهمات التي يمكن أن تتوصل إليها دمشق وتل أبيب، وبالدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة في رسم ملامح الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة.

وبناءً على المعطيات الراهنة، يبقى سيناريو الانسحاب الإسرائيلي التدريجي مقابل ترتيبات أمنية متبادلة هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، خاصة إذا استمرت سوريا في تعزيز قدراتها العسكرية وترسيخ مؤسساتها، واستمرت الولايات المتحدة في تبني سياسة تقوم على احتواء الصراعات الإقليمية بدلاً من توسيعها. وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي أو انزلاق الطرفين نحو مواجهة عسكرية مباشرة سيظل احتمالًا قائمًا، لكنه يبقى أقل ترجيحًا في ظل الكلفة السياسية والعسكرية التي قد تترتب عليه بالنسبة لجميع الأطراف.

 

 

 

 

 

 

[1] إسرائيل تسيطر على 665 كيلومتراً مربعاً في الجنوب السوري، إرم نيوز، تاريخ النشر  (14/2/2025)، تاريخ الاطلاع (31/7/22026)، https://www.eremnews.com/news/arab-world/tnfme00.

[2] إسرائيل تؤكد بقاء قواتها على جبل الشيخ إلى أجلً غير مسمى، الجزيرة نت، تاريخ النشر (28/1/2025)، تاريخ الاطلاع (31/7/2026)، https://2u.pw/Sq6c8p.

[3] إلى أين وصل تمدد الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، الجزيرة نت، تاريخ النشر (2/2/2026)، تاريخ الاطلاع (31/7/2026)،  https://2u.pw/Mh9NzD.

[4] وزارة الدفاع تقيم أول عرض جوي منذ سقوط نظام الأسد، صوت العاصمة، تاريخ النشر (24/7/2026)، تاريخ الاطلاع (31/7/2026)،  https://damascusv.com/archives/69902.

 

[5] 4 سنوات من الأزمات والحروب..الكنيست الإسرائيلي يحل نفسه رسمياً، الجزيرة نت ، تاريخ النشر (17/7/2026)، تاريخ الاطلاع (31/7/2026)،  https://2u.pw/PPJYA1.

الكلمات المفتاحية :