سوريا ومستقبل حزب الله موقع

سوريا ومستقبل حزب الله: كيف يغيّر التحول السوري ميزان القوى في لبنان؟

بسمة عربشة

|

2026-08-12

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-08-12

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-08-12

|

طباعة

مشاركة

مقدمة

شهدت الساحة الإقليمية، منذ نهاية شباط/فبراير وبداية آذار/مارس، تصعيداً عسكرياً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، الأمر الذي دفع عدداً من الحلفاء الإقليميين لإيران، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان وجماعة الحوثيين في اليمن، إلى التحرك في محاولة لتوسيع نطاق المواجهة وتخفيف الضغوط العسكرية والسياسية عن طهران. وفي هذا السياق، وجّه حزب الله، في 1 آذار/مارس، عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ضربات صاروخية مكثفة باتجاه شمال إسرائيل.

وقد استدعى ذلك رداً إسرائيلياً تمثل في تكثيف العمليات العسكرية في جنوب لبنان، شملت عمليات قصف وتهجير واستهدافاً لمواقع وعناصر الحزب. وباعتبار سوريا الدولة المجاورة للبنان وصاحبة الحدود البرية الأطول معه، فإن أي نشاط لجماعات مسلحة مرتبطة بإيران خارج إطار سلطة الدولة يشكل تحدياً أمنياً بالنسبة للإدارة السورية الجديدة.

وانطلاقاً من ذلك، تتناول هذه الورقة طبيعة الدور السوري تجاه حزب الله في ظل المتغيرات السياسية التي شهدتها سوريا، ومدى انعكاس هذا التحول على مستقبل الحزب وميزان القوى داخل لبنان.

أولاً: العلاقات السورية اللبنانية ودور حزب الله في عهد الأسد الأب والابن

 

  • العلاقات السورية اللبنانية في عهد حافظ الأسد

شكّلت فترة حكم حافظ الأسد إحدى أكثر المراحل تعقيداً في العلاقات السورية اللبنانية، إذ ارتبطت بتدخل عسكري وسياسي واسع في الشأن اللبناني خلال الحرب الأهلية (1975-1990) وما بعدها، الأمر الذي رسّخ النفوذ السوري داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وأثار انقساماً واسعاً بين القوى السياسية اللبنانية.

وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990، شنّ الجيش السوري عملية عسكرية واسعة، مدعومة بالطيران والمدفعية، أنهت الحكومة العسكرية بقيادة الجنرال ميشال عون في قصر بعبدا، وهو ما عزز سيطرة دمشق على القرار اللبناني. وبعد إقرار اتفاق الطائف، فرض النظام السوري وصاية سياسية وأمنية امتدت لسنوات، وتحولت دمشق ومنطقة عنجر إلى مركز رئيسي للتأثير في تعيين الرؤساء والوزراء والنواب، فضلاً عن توجيه السياسات الداخلية والخارجية للبنان.[1]

كما ارتبطت تلك المرحلة بملفات أثارت جدلاً واسعاً، من بينها اعتقال آلاف اللبنانيين داخل السجون السورية، ولا يزال مصير عدد منهم مجهولاً حتى اليوم. كذلك شهدت تلك الحقبة تضييقاً على عدد من القوى السياسية، حيث حُظر حزب القوات اللبنانية، وسُجن قائده سمير جعجع عام 1994، كما نُفي ميشال عون إلى خارج البلاد، وتعرضت الاحتجاجات الطلابية المناهضة للوجود السوري إلى القمع خلال تسعينيات القرن الماضي.

  • العلاقات السورية مع حزب الله في عهد الأسد الأب والابن

بدأت ملامح التعاون بين النظام السوري وحزب الله بالتشكل عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين سمح حافظ الأسد للحرس الثوري الإيراني باستخدام الأراضي السورية للوصول إلى لبنان، والمساهمة في تدريب ودعم حزب الله في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

ومع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وترسيخ الوصاية السورية على لبنان، نشأت تفاهمات غير معلنة بين دمشق وطهران وحزب الله، سُمح بموجبها للحزب بالاحتفاظ بسلاحه تحت شعار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، مقابل الاعتراف بالدور السوري المهيمن على القرار السياسي اللبناني وعدم معارضته.[2]

ومع وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، شهدت العلاقة بين الطرفين تطوراً ملحوظاً، إذ لم يعد حزب الله مجرد ورقة إقليمية بيد دمشق، وإنما تحول إلى شريك رئيسي ضمن المحور الذي تقوده إيران. وبلغ هذا التعاون ذروته بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، عندما شارك الحزب عسكرياً إلى جانب قوات النظام السوري في مواجهة فصائل المعارضة.

كما فتح النظام السوري مخازن أسلحته أمام حزب الله، وزوده بأنواع مختلفة من الصواريخ والأسلحة النوعية، مما عزز من قدراته العسكرية. وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وما تبعه من انسحاب الجيش السوري من لبنان، برز حزب الله بوصفه أبرز المدافعين عن استمرار النفوذ السوري داخل الساحة اللبنانية.

وبشكل عام، أسهم التحالف الوثيق بين نظامي حافظ وبشار الأسد وحزب الله في ترسيخ النفوذ الإيراني داخل لبنان، وألقى بظلاله على العلاقات السورية اللبنانية، في ظل ما رافق تلك المرحلة من خلافات سياسية وأمنية وانقسامات داخل المجتمع اللبناني.

ثانياً: العلاقات السورية اللبنانية بعد سقوط نظام الأسد ودور حزب الله

شهدت العلاقات السورية اللبنانية تطوراً ملحوظاً بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث تبادل الجانبان الزيارات الرسمية، ومع انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية ترسخت العلاقات بصورة أكبر بين الطرفين. إلا أن ملف حزب الله برز بوصفه إحدى أبرز القضايا العالقة، نظراً لمشاركته في الحرب السورية، وما ارتكبته قواته من انتهاكات بحق الشعب السوري، ولا سيما في محافظة حمص ومدينة القصير، اللتين كانتا شاهدتين على حجم الانتهاكات التي ارتكبتها جماعات الحزب.

لذلك، شكّل انتصار الثورة السورية مصدر قلق متزايد لدى حزب الله، في ظل المخاوف من احتمال توجه الدولة السورية نحو محاسبته على دوره خلال سنوات الحرب. وقد طُرحت هذه الفكرة في أكثر من مناسبة على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرح مراراً بأن حكومة دمشق قادرة على التعامل مع حزب الله والقضاء على قوته دون إحداث الدمار الذي تتسبب به العمليات العسكرية الإسرائيلية.[3]

لقد أدى انتصار الثورة السورية إلى تحقيق مكاسب للدولة السورية على حساب حزب الله، من أبرزها:

  • خسارة حزب الله لخطوط الإمداد عبر سوريا

مثلت سوريا لسنوات طويلة حلقة الوصل بين إيران وحزب الله، حيث كانت عمليات نقل السلاح تتم من إيران عبر الأراضي العراقية، مروراً بسوريا، وصولاً إلى لبنان. إلا أن سقوط النظام الذي كان يرعى هذه العملية أدى إلى انقطاع خطوط الإمداد، وهو ما يمثل ورقة رابحة بالنسبة لحكومة دمشق، التي تواجه ضغوطاً أمريكية للانخراط في مواجهة النفوذ الإيراني عبر إضعاف حزب الله.

ولا ترغب حكومة دمشق في الدخول في مواجهة عسكرية داخل لبنان، إلا أنها، بفضل موقعها الجيوسياسي والاستراتيجي، تستطيع الحد من أي إمدادات عسكرية تصل إلى الحزب، لكون سوريا تشكل المنفذ البري الرئيسي للبنان نحو محيطه الإقليمي.

  • ضبط الحدود السورية والقضاء على تجارة الكبتاغون

بدأت تجارة الكبتاغون والمخدرات، والإنتاج المشترك بين نظام الأسد وحزب الله، بصورة غير رسمية عقب حرب تموز/يوليو عام 2006، ثم تحولت إلى تجارة ممأسسة واقتصاد حرب متكامل بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، بهدف تعويض النقص الحاد في الموارد المالية الناتج عن العقوبات الاقتصادية.[4]

ومع دخول حزب الله بصورة علنية في الحرب السورية، وسيطرته على المناطق الحدودية، ولا سيما القصير والقلمون، انتقلت مصانع الكبتاغون والمختبرات من لبنان إلى داخل الأراضي السورية، خاصة في مناطق الساحل وحمص.

لكن النظام السوري الجديد عمل على القضاء على هذه الظاهرة من خلال إحكام السيطرة على الحدود، كما انضمت سوريا إلى جهود التنسيق الرباعية التي تضم لبنان والأردن والعراق، عبر خلية اتصال أمنية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بتحركات المهربين.

وبذلك، يكون الشريان الاقتصادي للحزب قد تعرض لضربة كبيرة، إذ إن إحكام ضبط الحدود السورية حرمه من تهريب السلاح والمخدرات، اللذين شكلا أحد أهم مصادر قوته خلال السنوات الماضية.

  • موقف الدولة السورية من حزب الله بعد التحرير

اعتمدت الحكومة السورية الجديدة مبدأ “تصفير الخلافات”، بما يعني تجنب الدخول في صراعات مع دول الإقليم. وقد أكد الرئيس أحمد الشرع هذا التوجه في أكثر من مناسبة، مشيراً إلى استعداده للحوار مع حزب الله، رغم ما ارتكبه الأخير بحق الشعب السوري، مع تأكيد حرص دمشق على النأي بنفسها عن أي صراعات مذهبية أو حدودية، ما لم تتعرض لاعتداء مباشر.

في المقابل، تكررت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي دعا فيها إلى تدخل سوريا في الملف اللبناني بهدف إنهاء نفوذ حزب الله.

وفي هذا السياق، يرى بعض الباحثين أنه من الممكن أن تسهم الدولة السورية في إيجاد حلول للدولة اللبنانية، على غرار ما جرى في سوريا مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث نجح الرئيس أحمد الشرع في دمج الأكراد من أصول سورية ضمن مؤسسات الدولة العسكرية. ومن هذا المنطلق، قد يكون من الممكن تطبيق مقاربة مشابهة مع حزب الله، إذا تمكن الجيش اللبناني من بسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية، ونجح في نزع السلاح من جميع الجماعات الخارجة عن سلطة الدولة، وتحويل حزب الله إلى حزب سياسي منزوع السلاح.

 

ثالثاً: السيناريوهات المحتملة بين سوريا وحزب الله… هل تتجه نحو التصعيد؟

 

السيناريو الأول: النجاح في نزع سلاح حزب الله بوساطة الدولة اللبنانية عن طريق الحوار (محتمل)

ينطلق هذا السيناريو من فكرة فرض سيادة الدولة والاستفادة من التجربة السورية، خاصة بعد المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، التي انطلقت برعاية أمريكية في العاصمة الإيطالية روما لتنفيذ “اتفاق الإطار” الموقع بين الجانبين.

وتستند مفاوضات روما الحالية إلى اتفاق إطاري أُبرم في 26 حزيران برعاية واشنطن، ويتضمن:

  1. الانسحاب مقابل السيادة: انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي مقابل انتشار الجيش اللبناني.
  2. سلطة السلاح للدولة: إنهاء الوجود العسكري لأي فصيل خارج القوات الرسمية اللبنانية.
  3. لجنة تنسيق ثلاثية: تشكيل مجموعة تنسيق عسكرية تضم الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل للإشراف على تنفيذ الآلية.

السيناريو الثاني: عمليات استئصالية للجيش السوري بدعم تركي–سعودي داخل الأراضي اللبنانية (مرجح)

ينبع ترجيح هذا السيناريو من طبيعة الصراعات القائمة في الإقليم والحرب الإيرانية، إذ يُعد الجيش اللبناني، وفق هذا التصور، غير قادر على إنهاء وجود حزب الله بمفرده، في حين يمتلك الجيش السوري خبرة واسعة في مواجهة التنظيمات المسلحة، نتيجة تجاربه السابقة مع حزب الله في حمص وريف دمشق، الأمر الذي يمنحه قدرة أكبر على التعامل مع طبيعة الميليشيات وحسم المواجهة معها.

إلا أن هذه العملية، وفق هذا السيناريو، لن تنفذها حكومة دمشق بمفردها، وإنما ستحتاج إلى غطاء جوي تركي ودعم سعودي يضفي شرعية سياسية على التدخل، ويجنبها في الوقت نفسه أي ردود فعل إسرائيلية.

كما أن لسوريا، وفق هذا التصور، مجموعة من المطالب قبل الاستجابة لأي تدخل داخل لبنان، من أبرزها انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، والحصول على ضمانات أمريكية تحول دون أي تصعيد إسرائيلي لاحق.

وينطلق هذا الطرح من فرضية أن ما يجري في الإقليم يتم برعاية أمريكية تهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي والحد من نفوذ الميليشيات الإيرانية، في إطار استعداد واشنطن لأي صراعات مستقبلية محتملة، سواء مع إيران أو مع قوى دولية أخرى.

وتنبع أهمية الدور السعودي، في هذا السيناريو، من مكانة المملكة الإقليمية، ولا سيما بعد توقيع اتفاق التعاون النووي السلمي مع الولايات المتحدة.

السيناريو الثالث: عودة قنوات دعم غير مباشرة للحزب نتيجة تغيرات إقليمية أو ضغوط خارجية (ضعيف)

يقوم هذا السيناريو على فرضية مفادها أن وجود حزب الله قد يصبح مهماً للدولة السورية بوصفه قوة مقاومة في مواجهة إسرائيل. وفي هذه الحالة، قد تلجأ دمشق إلى غض الطرف عن بعض عمليات تهريب السلاح إلى الحزب عبر الأراضي السورية، في حال لم تستجب إسرائيل للمطالب السورية المتعلقة بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها.

 

ختاماً

 

أظهرت الدولة السورية قدرتها على إضعاف حزب الله من خلال ضبط الحدود وقطع خطوط الإمداد، بما يوجه رسالة إلى واشنطن بأنها تمتلك القدرة على المساهمة في حسم ملف الحزب، لكنها في المقابل تحتاج إلى تحقيق عدد من المطالب، أبرزها إغلاق ملف السويداء عبر وقف الدعم الإسرائيلي، وانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي احتلتها، وتوقيع اتفاقية تضمن عدم التدخل في الشؤون السورية أو زعزعة أمنها واستقرارها.

كما تحتاج دمشق إلى شرعنة دولية، ولا سيما أمريكية، تتيح لها دعم وحدة الأراضي اللبنانية، سواء عبر الحوار ونزع سلاح حزب الله، أو عبر استخدام القوة من خلال القوات السورية الخاصة. وفي نهاية المطاف، يبقى مسار الأحداث مرتبطاً بقرار قيادة الحزب، خاصة بعد تصريح أمينه العام بأنه لا يمانع عقد لقاء مع القيادة السورية في الوقت الذي يراه الطرفان مناسباً.

 

 

 

[1] زياد ماجد، سوريا ولبنان من الجوار الصعب إلى التعاون، الجزيرة نت، تاريخ النشر (13/4/2025)، تاريخ الاطلاع (8/8/2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6190.

[2] عماد الزوري، تزع سلاح حزب الله قضية سياسية تربك لبنان، الجزيرة نت، تاريخ النشر (7/8/2025)، تاريخ الاطلاع (8/8/2026)، https://shorturl.at/aw822.

[3] ترامب يطرح دور سوري ضد حزب الله..لكن هل تملك دمشق القدرة على خوض المعركة؟، يورو نيوز، تاريخ النشر (17/6/2026)، تاريخ الاطلاع (8/8/2026)، https://shorturl.at/o5qJT.

[4] تيم الحاج، المخدرات: التجارة الرائجة لنظام الأسد،  موقع صدى، تاريخ النشر (6/10/2022)، تاريخ الاطلاع (8/8/2026)، https://shorturl.at/9RJmz.

الكلمات المفتاحية :