مقدمة:
يُعدّ الشرق الأوسط من الأقاليم الجيوسياسية الأكثر تأثرًا بصراعات النفوذ الإقليمي والدولي، نظرًا لموقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية الغنية، ما جعله ساحة رئيسية للتنافس الإقليمي والدولي.
ومن أبرز أدوات هذا التنافس حروب الوكالة، التي تتيح للقوى المتنافسة إدارة الصراعات عبر قوى محلية، وتقليل كلفة المواجهة المباشرة.
ترجع جذور الحروب بالوكالة في المنطقة العربية إلى خمسينيات القرن العشرين، حيث ظهر مصطلح الحرب العربية الباردة، التي شهدت تنافسًا بين الأنظمة الملكية والجمهورية. وتُعدّ الحروب الأهلية نماذج مبكرة لحروب الوكالة، مثل حرب اليمن عام 1962، ومع تغير موازين القوى في العالم وتزايد التنافس، ونتيجة الخسائر التي ألحقتها الحروب من جنود وأموال، وبدء انتشار سياسات الردع كالأسلحة النووية، درج أسلوب الحرب بالوكالة كإحدى أدوات إدارة الصراع والتنافس الإقليمي.
ومن بين أبرز الدول التي تستخدم هذا الأسلوب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث إنها منذ قيام الجمهورية عام 1979 طوّرت نموذجًا خاصًا للحرب بالوكالة أصبح من أهم مرتكزاتها الاستراتيجية.
مع التحولات العديدة التي شهدتها المنطقة ابتداءً من ثورات الربيع العربي وانتهاءً بالحرب الإسرائيلية الإيرانية، والصراعات الداخلية التي تجتاح دول المنطقة، برز التساؤل حول مدى قدرة إيران على الاستمرار بفرض نفوذها ضمن نموذج الوكالات المعتاد، أم نشهد تغيرًا في نمط الوكالات وإعادة هيكلتها، أو أننا نشهد انهيارًا لأذرع إيران في المنطقة؟ �
أولًا: مرتكزات النفوذ الإيراني في المنطقة
على الرغم من التنوع الإثني والعرقي الذي تتميز به إيران، حيث لا تشكل القومية الفارسية نسبة كبيرة من السكان، فإنها تستند إلى هوية سياسية متماسكة ساهمت في ترسيخها عدة عوامل، منها اللغة المشتركة، ونموذج الدولة المركزية، بالإضافة إلى الدين؛ حيث أصبح المذهب الشيعي منذ العصر الصفوي أحد أهم عناصر الهوية السياسية للدولة، إضافة إلى التجارب التاريخية المرتبطة بالحروب والغزوات.
في هذا السياق، اتسمت السياسة الخارجية الإيرانية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بسمات براغماتية واقعية، حيث ارتكزت على تعزيز التحالف مع الدول الغربية، مع الحفاظ على قنوات تواصل محدودة مع الاتحاد السوفيتي، بما يتماشى مع المصالح الوطنية الإيرانية، بهدف تعزيز مكانتها كقوة إقليمية، خاصة في منطقة الخليج العربي، متجنبة الانخراط في أي مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود.
كانت نقطة التحول الواضحة في توجهات الدولة الإيرانية عام 1979 مع انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الخميني؛ إذ انتقلت بنية الدولة السياسية من نموذج الدولة العلمانية إلى نموذج الدولة الأيديولوجية الدينية التي تحمل مبدأ «لا شرقية ولا غربية… جمهورية إسلامية».
ولم يقتصر هذا التحول على إعادة تشكيل النظام السياسي الداخلي، بل امتد إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية وفق مبادئ الثورة. �
1- العقيدة الأمنية الإيرانية:
تعود جذور العقيدة الأمنية الإيرانية إلى جذور تاريخية أعمق من الثورة، حيث بدأت من الحوزات الدينية التي كانت مراكز لإنتاج المعرفة الدينية والفقهية، وتطورت تدريجيًا لتصبح مؤسسات ذات تأثير اجتماعي وسياسي.
وقد أتاحت التطورات لهذه المؤسسة القدرة على التأثير في المجال العام وتكوين سلطة رمزية واجتماعية موازية للسلطة السياسية.
وتعود قوة الحوزات إلى بعدها المالي المستقل؛ فالمراجع ليسوا موظفين يتقاضون رواتب من الدولة، بل يقفون على رأس منظومة اقتصادية موازية تستند إلى نظام ديني واجتماعي راسخ، مثل الزكاة والتبرعات التي تُستثمر في مجالات متعددة، تعليمية وخيرية وإعلامية، والتي جميعها تروج للخطاب المرجعي، إضافة إلى الاستثمارات الاقتصادية، مثل المشاريع العقارية والزراعية والتجارية التي تدر أرباحًا مستمرة تعزز استقلال المرجعية.
وهذا ما يجعل هذه الأموال بمنأى عن العقوبات الاقتصادية، ويسهل حركتها وتدفقها، ويصعب تتبعها.
وفي هذا السياق، برز الخميني كأحد أبرز نتاج هذه المؤسسات من خلال الثورة الإسلامية، إذ أعاد تفسير دور المرجعية الشيعية من خلال نظرية ولاية الفقيه، التي تمنح المرشد صلاحيات واسعة ضمن الدستور الإيراني، حسب المادة (110)، منها إعلان الحرب والسلم والنفير العام، وتعيين المسؤولين، بما فيهم رئيس الجمهورية، وغيرها من الصلاحيات السياسية والدينية والاجتماعية.
هذه النظرية نقلت الفقيه من موقع المرجعية الدينية التقليدية إلى موقع القيادة السياسية المباشرة، وأصبحت هذه المرجعية، وفق هذا التصور، ليست مجرد سلطة دينية إرشادية، وإنما إطارًا حاكمًا لإدارة الدولة وتوجيه مؤسساتها السياسية والأمنية.
وقد أسهمت هذه المؤسسات، بمقوماتها الضخمة، في تعزيز قدرة النظام الإيراني على التماسك الداخلي خلال سنوات الضغط والأزمات المتراكمة.
وبرز هذا التأثير في مسألة اغتيال المرشد الأعلى للثورة في إيران، علي خامنئي، إذ ظهرت تقديرات في بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بأن غياب المرشد سوف يؤدي إلى انهيار سريع في النظام الإيراني وفتح مجالات الاضطرابات الداخلية.
ومع ذلك، استمرت مؤسسات الدولة الإيرانية ولم يحدث انهيار فوري؛ بسبب ارتباط الدولة بالبنية المؤسسية العميقة للمراجع والحوزات، التي تتجاوز شخص المرشد، وتحول دون الانهيار الداخلي لما تمتلكه من أدوات الشرعية والتعبئة وامتصاص الصدمات الداخلية.
2- مبدأ تصدير الثورة وتطور عقيدة الدفاع المتقدم:
بعد قيام الثورة، أصبح مبدأ تصدير الثورة الإطار الحاكم للسياسة الخارجية الإيرانية. انطلق هذا المبدأ من رؤية أيديولوجية تستند إلى نظرية ولاية الفقيه، التي اعتبرت الثورة مشروعًا يتجاوز الداخل الإيراني، ويرسل رسائل تتخطى الجغرافيا، ويبني هيكل الارتكازات الإيرانية في المنطقة.
وقسمت النظرية العالم إلى فئتين: المستكبرون والمستضعفون، وتعمل الثورة على حماية ودعم المستضعفين ومواجهة قوى الهيمنة.
ولم تحدد القيادة الإيرانية المقصود بالمستكبرين والمستضعفين وفق معايير ثابتة، الأمر الذي أتاح لها المرونة في بناء التحالفات والعداوات في المنطقة وفقًا لمتطلبات البيئة السياسية والاستراتيجية.
مع ذلك، شكّلت الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) نقطة التحول الجوهرية في السياسة الاستراتيجية لإيران؛ فقد أظهرت أن الخطاب وحده لا يكفي لنشر مبدأ الثورة، كما ترافقت الحرب مع عزلة دولية لإيران ودعم عالمي للعراق.
وانطلاقًا من هذه النقطة، أعادت إيران توظيف مبدأ تصدير الثورة ضمن مقاربة أمنية أكثر براغماتية، معتبرة أن حماية الثورة تبدأ من خارج الحدود الإيرانية.
ومن هنا تبلورت عقيدة الدفاع المتقدم، التي تقوم على مواجهة التهديدات الإقليمية ضمن بيئتها قبل وصولها إلى الداخل الإيراني، وبناء عمق استراتيجي قائم على سياسة الردع، وبناء شبكات من الحلفاء والقوى في الخارج.
3- الوكلاء والأذرع الإقليمية: الأداة التنفيذية للعقيدة الأمنية
إن تكامل عقيدة الثورة يتطلب وجود أداة تنفيذية على الأرض وجناح عسكري، ومن هنا جاءت فكرة الحرس الثوري، الذي يقوم على حماية الثورة في الداخل ونشرها في الخارج، وهو قوة منفصلة تمامًا عن القوة العسكرية النظامية في إيران (الجيش والقوات المسلحة)، إذ يشكل قوة تجمع بين النفوذ العسكري والسياسي والسيطرة الاقتصادية.
ويقع ضمن الحرس الثوري فيلق القدس، المسؤول عن العمليات الخارجية من أجل تحقيق أهداف الثورة ودعم الحركات التحررية في العالم، والذي سُمّي بهذا الاسم ارتباطًا بالقضية الفلسطينية في المنطقة آنذاك، كنوع من الاستغلال العاطفي، وكان على علاقات جيدة مع الفصائل الفلسطينية في تلك الفترة.
ويشكل الفيلق، بحسب القيادي السابق في الحرس حسين كنعاني، «جبهة مقاومة قوية في مواجهة الصهيونية وأميركا في المنطقة من البحر المتوسط إلى شرقي آسيا».
وتجلّى هذا النشاط من خلال تطوير شبكة أذرع إقليمية عبر تقديم الدعم العسكري واللوجستي والمالي، بالإضافة إلى التدريب وتنسيق العلاقات بين مختلف الأذرع والجهات، مما مكّن طهران من إدارة الصراع من خلال الردع دون المواجهة العسكرية المباشرة وبأقل التكاليف. ومن أهم هذه الأذرع:
• حزب الله في لبنان:
يُعتبر حزب الله التجسيد المثالي لاستراتيجية الوكلاء، إذ يمثل أول تجربة ناجحة في تصدير الثورة وعقيدة الدفاع المتقدم خارج الحدود.
تأسس الحزب عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تحت مسمى حركة أمل التي تبنت منهج المقاومة ضد إسرائيل، ثم تطور التنظيم لاحقًا باسم حزب الله.
لكن البداية كانت عندما طُرحت فكرة إنشاء تنظيم شيعي مسلح لمواجهة التدخل الإسرائيلي المتكرر في لبنان في بداية ثمانينيات القرن الماضي، على يد رجال دين شيعة لبنانيين متحمسين للثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، ولا سيما أن معظم هؤلاء درسوا في حوزة النجف.
ولا تتجاوز أهمية حزب الله بالنسبة لإيران كونه ذراعًا عسكرية، بل يُعد حليفًا استراتيجيًا وأيديولوجيًا يؤدي دورًا محوريًا في استراتيجية الردع تجاه إسرائيل، ويمتلك قدرات عسكرية متطورة، كما يساهم في حماية المصالح الإيرانية في لبنان والمنطقة.
وبذلك يكون الحزب أحد أهم مكونات العمق الاستراتيجي الإيراني، وشبكة الاتصالات التي تسهم في تطوير علاقات إيران مع الدول المجاورة للبنان.
• المقاومة العراقية (الحشد الشعبي):
إن النفوذ الإيراني في العراق لم يبدأ مع تأسيس الحشد الشعبي، بل تعود جذوره إلى فترة سابقة على قيام الثورة الإسلامية، حيث شكّل انتقال الخميني إلى النجف عام 1965، بعد نفيه من إيران إلى تركيا، نقطة تحول رئيسية في تطور العلاقة بين المرجعية الإيرانية والبيئة الشيعية في العراق.
وقد ألقى خلال إقامته هناك سلسلة من المحاضرات التي وضعت الأسس النظرية لولاية الفقيه، وأسهمت هذه المرحلة في تكوين قاعدة من الأنصار والمؤيدين لتلك النظرية، التي اعتمدت عليها إيران في بناء نفوذها في العراق.
ومع تطور المشهد العراقي، وخصوصًا بعد عام 2003، تمكنت إيران من توسيع شبكة الفصائل المتحالفة معها، قبل أن تظهر بشكلها النهائي ضمن إطار الحشد الشعبي عام 2014.
ويُعد الحشد الشعبي النموذج الأقرب للحرس الثوري من حيث البنية التنظيمية، والارتباط العقائدي، وتداخل الأدوار السياسية والاقتصادية.
ومع ذلك، يختلف عن الحرس الثوري في كونه أُطر قانونيًا ضمن مؤسسات الدولة العراقية، وأصبح جزءًا من القوات المسلحة.
وقد ساهم وجود الحشد الشعبي في إرباك السياسة الداخلية العراقية، والتحفظ في السياسة الخارجية، والانحياز نحو توازنات إقليمية معينة؛ بسبب التبعيات التي شكّلتها مؤسسة الحشد الشعبي ضمن المواقع الحكومية العراقية.
• حركة أنصار الله (الحوثيون):
تجسد تطور العلاقة بين إيران واليمن بعد الثورة الإسلامية بتحول ملحوظ من حالة الحذر الدبلوماسي وعدم الاكتراث في عهد الشاه إلى الانخراط السياسي والأمني بعد الثورة، إلا أن خطاب الثورة الأيديولوجية أثار حالة من التحفظ في بداياته لدى الشعوب العربية، بما في ذلك اليمن.
وبعد الحرب العراقية الإيرانية ومشاركة اليمن إلى جانب العراق في الحرب، ازداد اهتمام إيران باليمن، ولا سيما بمنطقة باب المندب.
ومنذ ذلك الحين بدأت إيران توسيع نشاطها داخل اليمن عبر أنشطة اجتماعية وثقافية، قبل أن تنتقل إلى مرحلة التقارب الفكري مع الحوثيين.
وتبدأ قصة أنصار الله مع النفوذ الإيراني من حزب الحق اليمني؛ فعلى الرغم من الاختلاف المذهبي بين المرجعية الإيرانية الاثني عشرية والمذهب الزيدي الذي ينتمي إليه حزب الحق، نشأت بينهما علاقة بدأت كتبادل ثقافي وفكري، ثم تبلورت لاحقًا كأيديولوجيا مع ظهور شعار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، ليعلن انطلاق الذراع الحوثي الإيراني في اليمن.
ويمثل النموذج الحوثي محاولة إيرانية لتكرار نموذج حزب الله في لبنان ضمن بيئة مختلفة، إلا أن هذا النموذج لم يحقق النجاح ذاته بسبب الاختلاف البنيوي بين الحالتين، إضافة إلى اختلاف البيئة السياسية والاجتماعية.
كما أن الموقع الجغرافي لليمن، وقربه من الممرات البحرية ومجاورته لدول الخليج، منحه أهمية استراتيجية لإيران، لكنه في الوقت نفسه حال دون تكرار نموذج حزب الله بصورة كاملة، بسبب ارتباط اليمن المباشر بتوازنات دول الخليج الإقليمية.
ثالثًا: تحولات النفوذ الإيراني في المنطقة
على الرغم من النجاح الذي حققته إيران خلال العقود الماضية في إنشاء شبكة واسعة من الأذرع والحلفاء في عدد من الدول العربية، والتي تعززت بصورة أكبر مع اندلاع ثورات الربيع العربي، فإن التطورات الإقليمية الأخيرة أوجدت بيئة تختلف جذريًا عن تلك التي نشأ فيها نموذج الوكلاء.
فقد تزايدت الضغوط الأمنية والسياسية والعسكرية التي تواجه هذه الشبكة، بدءًا من استنزاف أذرعها في اليمن عبر عملية عاصفة الحزم التي انطلقت عام 2015 بهدف تقويض النفوذ الإيراني في منطقة باب المندب، مرورًا بحرب غزة وفقدان ورقة المقاومة الفلسطينية، وصولًا إلى اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، المسؤول عن إدارة الأذرع الخارجية.
إلا أن المنعطفات الأكثر تأثيرًا جاءت من خلال:
• التحولات في الساحة السورية
تُعد العلاقات الإيرانية السورية من العلاقات التاريخية التي تعود جذورها إلى ما قبل الثورة الإيرانية، إذ شهدت في عهد الشاه تقاربًا محدودًا مع المعارضة الإيرانية بسبب مواقف الشاه من إسرائيل ودعمه للنظام العراقي في تلك المرحلة.
ومع نجاح الثورة الإسلامية، تحولت العلاقة إلى تحالف استراتيجي؛ فأصبحت سوريا بالنسبة لإيران حلقة الوصل بين لبنان والعراق، وبوابتها الاقتصادية نحو البحر المتوسط.
وعندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، وقفت إيران إلى جانب النظام السوري خشية فقدان هذا الموقع الاستراتيجي، وبدأت بدعمه اقتصاديًا، ثم أرسلت خبراء عسكريين، قبل أن تنتقل إلى تجنيد وإرسال مقاتلين إلى سوريا تحت غطاء ديني، بهدف حماية خطوط الإمداد.
وتبدلت التوازنات الإيرانية في سوريا بحلول عام 2024 مع سقوط النظام السوري، وهو ما شكّل ضربة قاسية لإيران ومصالحها الاستراتيجية، ليس فقط في سوريا وإنما في المنطقة بأسرها.
وقد أدركت إيران حتمية سقوط النظام السوري، إلا أنها فوجئت بسرعة الانهيار، فسحبت بعثتها الدبلوماسية وقواتها من سوريا قبل يومين من إطاحة حكم حليفها الرئيس بشار الأسد، وأحرقت وثائق حساسة، وسحبت جميع الأقراص الصلبة من أجهزة الحاسوب، كما أبلغت جميع العناصر التابعة لها بإخلاء مسؤوليتها عنهم وتسليمهم هوياتهم المدنية.
وشهدت العلاقات السورية الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد قطيعة دبلوماسية، أعقبتها تصريحات حادة من الجانبين، قبل أن تنخفض حدة الخطاب السياسي لاحقًا.
• الحرب الإسرائيلية الإيرانية:
مثّلت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل أبرز تحول في السياسة الخارجية الإيرانية، إذ غيّرت طبيعة وجود الوكلاء في المنطقة، وانتقلت إيران من حرب الوكالة إلى المواجهة المباشرة.
كما كشفت الحرب أن نموذج الوكلاء وحده لم يعد كافيًا لتحقيق سياسة الردع التي تبنتها إيران، وفي المقابل أضعف الهجوم على إيران محور الوكلاء، وتسبب بانقطاع الدعم المالي واللوجستي، وأوجد حالة من الإرباك لدى هذه الأذرع نتيجة غموض مستقبل الحرب.
وبذلك تحوّل الوكلاء، بصورتهم الحالية، من أداة لدعم إيران إلى عبء على سياستها الإقليمية، كما ساهم نموذج الوكلاء في استنزاف إيران، إلى جانب الأعباء التي فرضتها الحرب المباشرة.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة لوكلاء إيران في المنطقة
في ضوء التحولات التي شهدها النفوذ الإيراني والانهيارات النسبية في نماذج الوكلاء، إضافة إلى التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية، يمكن استشراف السيناريوهات الآتية:
السيناريو الأول: استمرار نموذج الوكلاء كأداة مواجهة غير مباشرة في مساحاتهم المحلية
يفترض هذا السيناريو استمرار إيران في الاعتماد على شبكة وكلائها لإدارة التصعيد الإقليمي، بحيث ينخرط كل طرف في مواجهات محلية ضمن نطاقه الجغرافي بهدف التشتيت والاستنزاف وقطع طرق الخصوم.
ويعتمد هذا السيناريو على مبادرات فردية من الوكلاء قد تكون بأدنى مستوى من التواصل مع إيران، مع الاعتماد بصورة أكبر على الموارد الاقتصادية المحلية ومصادر التمويل الذاتية، وهو ما قد يؤدي، في المقابل، إلى استنزاف إيران نتيجة ضعف التنسيق والاتصال مع المركز.
السيناريو الثاني: إعادة هيكلة دور الوكلاء والانتقال إلى أدوات نفوذ غير عسكرية
يقوم هذا السيناريو على احتمال أن تعيد إيران هيكلة شبكة حلفائها بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية، ولا سيما في سوريا، من خلال تقليص الأدوار العسكرية، وإعادة توجيه هذه القوى نحو أدوار سياسية واقتصادية عبر شبكة من الشخصيات المتنفذة والموالية لها.
ويستند هذا السيناريو إلى أن هذه الأذرع لم تنشأ في الأصل كتنظيمات عسكرية، بل تأسست على قواعد دينية واقتصادية ومصالح سياسية، الأمر الذي قد يسمح بإعادة توظيفها ضمن أدوات نفوذ أقل كلفة وأكثر مرونة.
السيناريو الثالث: تراجع شبكة الوكلاء وانحسار النفوذ الإيراني الإقليمي
يقوم هذا السيناريو على فرضية استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران نتيجة الحرب والعقوبات والانقسامات الداخلية، بما يسهم في تفكك الأذرع الإيرانية.
كما أن الاستهدافات المتكررة للقادة الإيرانيين وقادة الوكلاء، إضافة إلى الضغوط داخل الدول المستضيفة، مثل حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الفصائل، وتراجع شعبيتها، قد تدفع إيران إلى التخلي تدريجيًا عن وكلائها الحاليين، بما يسرّع انهيار شبكة الوكلاء.
الخاتمة
تُظهر التحولات الإقليمية الأخيرة أن نموذج النفوذ الإيراني لا يتجه نحو نهايته، بل نحو إعادة تشكيله. فمن المرجح أن تعيد إيران هيكلة شبكة حلفائها تدريجيًا بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة، مع استمرار الاعتماد على الوكلاء ضمن نماذج أكثر لامركزية.
وتُمكّن هذه الصيغة طهران من الاحتفاظ بالقدرة على توجيه المسار الاستراتيجي، مع منح حلفائها مساحة أكبر لإدارة أوضاعهم المحلية واستئناف أنشطتهم، بما يقلل كلفة المواجهة ويحد من انكشافها، مع الحفاظ على جزء من عمقها الاستراتيجي.
وعليه، فإن التحولات الراهنة لا تشير إلى انتهاء عصر الوكلاء، وإنما إلى انتقال إيران من نموذج الوكيل المركزي إلى شبكة نفوذ أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المعطيات الإقليمية الجديدة.





