موقع(1)

الاقتصاد السياسي لإعادة إعمار سوريا: من سيمول؟ ومن سيستفيد؟

بسمة عربشة

|

2026-09-01

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-09-01

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-09-01

|

طباعة

مشاركة

المقدمة

 

بعد انتصار الثورة السورية في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وطيّ صفحة أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية والاقتصاد، برز ملف إعادة الإعمار بوصفه التحدي الأكبر أمام الدولة السورية الجديدة. فقد ورثت الحكومة واقعاً اقتصادياً وخدمياً منهكاً، نتيجة سنوات الحرب، إضافة إلى عقود من التراجع التنموي خلال حكم عائلة الأسد، الذي لم يشهد تطويراً حقيقياً للبنية التحتية أو تأهيلاً لشبكات الطرق والمرافق العامة، ولا تحديثاً للقطاعات الحيوية كالكهرباء، والطاقة، والصناعة، والتعليم، والصحة، الأمر الذي ضاعف حجم الأعباء الملقاة على عاتق الإدارة الجديدة.

ومع تسلّم الحكومة الجديدة زمام السلطة، بدأت تظهر ملامح مرحلة إعادة الإعمار بصورة تدريجية، من خلال تنفيذ مشاريع محدودة لإعادة تأهيل الطرق والساحات العامة، وترميم عدد من المدارس والمشافي، بما يتناسب مع الإمكانات المالية المتاحة.

وفي ظل الحاجة إلى موارد مالية ضخمة، يبرز عدد من التساؤلات حول الجهات المرشحة لتمويل إعادة الإعمار، وحجم المصالح التي تسعى لتحقيقها، ومدى قدرة سوريا على الاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة. وتحاول هذه الورقة الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال تحليل الجهات الممولة، والمكاسب المتبادلة، وأبرز معوقات إعادة الإعمار.

 

أولاً: دور الدول في إعادة الإعمار:

  • دور دول الخليج في إعادة إعمار سوريا

تُعد دول الخليج العربي من أبرز الأطراف المرشحة لقيادة عملية إعادة إعمار سوريا، انطلاقاً من الأهمية الجيوسياسية التي تمثلها البلاد بوصفها حلقة وصل بين الخليج العربي والبحر المتوسط، وبوابةً نحو الأسواق الأوروبية. وقد ازدادت هذه الأهمية مع التحولات الإقليمية، ولا سيما تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي عزز مكانة سوريا كممر بديل للطاقة والتجارة.

وفي هذا السياق، جاءت الزيارات الرسمية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، لتؤكد توجه دمشق نحو بناء شراكة استراتيجية مع دول الخليج. كما أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أن استقرار سوريا وإعادة إعمارها يمثلان ضرورة إنسانية وأمنية للمنطقة بأسرها.

تتصدر المملكة العربية السعودية قائمة الدول الخليجية الداعمة لإعادة الإعمار، من خلال إطلاق حزمة واسعة من الاستثمارات في قطاعات النقل، والطيران، والاتصالات، والطاقة، والمياه، والكهرباء، إلى جانب مشاريع إعادة تأهيل المدارس والمرافق العامة، فضلاً عن تأسيس مجلس أعمال سعودي-سوري يضم أكثر من 130 مستثمراً ورجل أعمال، بهدف تسهيل دخول الاستثمارات ومتابعة تنفيذ المشاريع التنموية.[1]

ولا يقتصر الدور السعودي على تمويل مشاريع البنية التحتية، بل يمتد إلى إعادة تنشيط الاقتصاد السوري عبر تشجيع الاستثمارات الخاصة، وتأهيل الكوادر المهنية، وخلق فرص عمل جديدة، بما يسهم في دعم عملية التعافي الاقتصادي.

أما دولة قطر، فقد ركزت استثماراتها على مشاريع النقل والإسكان والإعمار المجتمعي، وفي مقدمتها مشروع إعادة تأهيل مطار دمشق الدولي، إضافة إلى برامج واسعة لترميم المنازل المتضررة، وإنشاء تجمعات سكنية متكاملة الخدمات، بما يسهم في تسهيل عودة المهجرين وتحقيق الاستقرار المجتمعي.

في المقابل، اتجهت دولة الإمارات العربية المتحدة نحو الاستثمار في القطاعات اللوجستية والعقارية والسياحية، من خلال تطوير الموانئ السورية، ولا سيما ميناء طرطوس، والاستثمار في ميناء اللاذقية، إلى جانب إطلاق مشاريع عقارية وسياحية ضخمة في الساحل السوري. كما أعلن عدد من كبار المستثمرين الإماراتيين، وفي مقدمتهم محمد العبار وخلف الحبتور، عن خطط استثمارية واسعة تشمل المجمعات السكنية، والفنادق، والمرافق الخدمية، إلى جانب مبادرات مجتمعية لدعم قطاع التعليم.

ولا يمكن النظر إلى هذا الانخراط الخليجي بوصفه عملاً تنموياً بحتاً، إذ ترتبط هذه الاستثمارات بجملة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فمن الجانب السوري، توفر هذه المشاريع التمويل اللازم لإعادة بناء البنية التحتية، وتخفف العبء المالي عن الدولة، وتسهم في خلق فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد. أما بالنسبة لدول الخليج، فتمثل سوريا سوقاً استثمارية واعدة، فضلاً عن كون استقرارها يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز الأمن الإقليمي، والحد من التهديدات الأمنية، وفتح ممرات جديدة للتجارة والطاقة بين الخليج وأوروبا.

 

  • دور الاتحاد الأوروبي في إعادة إعمار سوريا

يمثل الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الفاعلين الدوليين في ملف إعادة إعمار سوريا، انطلاقاً من جملة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي مقدمتها معالجة ملف اللاجئين السوريين، وتعزيز حضوره في منطقة شرق المتوسط، إضافة إلى تأمين مسارات جديدة للطاقة والتجارة تربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي السورية.

وفي هذا الإطار، اتخذ الاتحاد الأوروبي سلسلة من الخطوات الرامية إلى دعم عملية التعافي الاقتصادي في سوريا، كان أبرزها رفع العقوبات الاقتصادية المتبقية، بما أتاح المجال أمام البنوك والشركات الأوروبية لاستئناف نشاطها في السوق السورية، إلى جانب إنهاء تعليق اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، بما يسهم في استعادة العلاقات التجارية ومنح الصادرات السورية مزايا تفضيلية داخل الأسواق الأوروبية.

أما على صعيد التمويل، فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي حزمة أولية بقيمة 175 مليون يورو لدعم برامج التعافي الاقتصادي والاجتماعي[2]، ثم أتبعها بحزمة جديدة بلغت 620 مليون يورو[3]، خُصصت للمساعدات الإنسانية ومشاريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إضافة إلى تمويل مشاريع نوعية، من بينها إعادة تأهيل مستشفى الرستن في محافظة حمص.

كما يسعى الاتحاد الأوروبي، من خلال الحوار السياسي رفيع المستوى مع الحكومة السورية، إلى إعادة دمج سوريا في مبادرات الشراكة المتوسطية، وتشجيع البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية على تقديم قروض ميسرة لتمويل مشاريع البنية التحتية طويلة الأجل.

ولم يقتصر الدعم الأوروبي على مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، إذ قدم الاتحاد الأوروبي، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، نحو 41 مليار يورو شملت المساعدات الإنسانية، والإغاثية، وبرامج دعم الاستقرار داخل سوريا وفي دول الجوار.[4]

وبالتوازي مع ذلك، سارعت الدول الأوروبية الكبرى إلى ترسيخ حضورها في سوريا الجديدة، فكانت ألمانيا وفرنسا في مقدمة الدول الساعية إلى بناء شراكات استراتيجية مع دمشق. فقد وقعت فرنسا ستة عشر اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، شملت قطاعات البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والقطاع المالي، فيما أعلنت ألمانيا تخصيص حزمة تمويل عاجلة بقيمة 200 مليون يورو لإعادة تأهيل المستشفيات وشبكات مياه الشرب، ودعم عدد من المشاريع الحيوية.[5]

ولا يمكن فصل هذا الانخراط الأوروبي عن المصالح الاستراتيجية التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيقها في سوريا. فقد أدى توقف إمدادات الغاز الروسي عقب الحرب الروسية الأوكرانية، ثم تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، إلى تصاعد الحاجة الأوروبية لتنويع مصادر الطاقة ومسارات نقلها. وفي هذا السياق، برزت سوريا بوصفها ممراً محتملاً لخطوط الطاقة الخليجية باتجاه أوروبا، ولا سيما بعد طرح المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، فكرة تحويلها إلى ممر استراتيجي للطاقة بين الخليج والقارة الأوروبية.

إلى جانب ذلك، يشكل ملف اللاجئين السوريين أحد أبرز الدوافع الأوروبية لدعم إعادة الإعمار، إذ ترى العواصم الأوروبية أن تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية داخل سوريا يعد شرطاً أساسياً لتهيئة بيئة آمنة تشجع اللاجئين على العودة الطوعية، بما يخفف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول الأوروبية.

وبناءً على ذلك، تبدو العلاقة بين سوريا والاتحاد الأوروبي قائمة على تبادل المصالح؛ فمن جهة، تستفيد دمشق من تدفق التمويل، ونقل الخبرات، وتحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتحسين البنية التحتية، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز أمنه الطاقي، والحد من تدفقات الهجرة، وترسيخ حضوره الاقتصادي والاستراتيجي في منطقة شرق المتوسط.

 

  • دور تركيا في إعادة إعمار سوريا

تُعد تركيا من أوائل الدول التي سارعت إلى دعم الدولة السورية الجديدة، بل إنها كانت، حتى قبل سقوط النظام، من أبرز الداعمين للمعارضة السورية ممثلةً بالجيش السوري الحر الذي خاض مواجهة طويلة مع نظام الأسد. ومع انطلاق مرحلة ما بعد التحرير، اتسع نطاق الدعم التركي ليشمل مجالات متعددة، بدءاً من المساهمة في بناء قدرات الجيش السوري الجديد، ودعم الجهود الرامية إلى رفع العقوبات الدولية عن سوريا، وصولاً إلى الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، عملت أنقرة على تطوير مطار دمشق الدولي، ووقعت عدداً من الاتفاقيات المتعلقة بالاستثمار في الساحل السوري ومرفأ طرطوس، كما تستهدف شركات المقاولات والإنشاءات التركية الكبرى، مثل Kalyon وCengiz وTAV، الدخول بقوة إلى سوق إعادة الإعمار السوري من خلال ترميم الأبنية والمرافق العامة والجسور المدمرة، إضافة إلى الاستثمار في قطاع الكهرباء والمشاريع التنموية، ولا سيما في مدينة حلب.

ويعود هذا الانخراط التركي إلى تشابك المصالح الجيوسياسية والأمنية بين البلدين، إذ أظهرت التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة أهمية وجود دولة سورية مستقرة وقوية تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي التركي، وقادرة على مواجهة التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة. كما عزز توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان الحديث عن ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، لا سيما بعد تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بإمكانية انضمام سوريا إلى هذا التحالف[6]، وهو ما قد يسهم في إعادة رسم موازين القوى الإقليمية، في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب الأمريكية الإيرانية والحرب في غزة.

ومن منظور تحليلي، يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى إعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة، من خلال تقليص الاعتماد على إسرائيل في إدارة التوازنات الإقليمية، وتعزيز الشراكة مع كل من تركيا والسعودية والحكومة السورية الجديدة، بما يحقق قدراً أكبر من الاستقرار الإقليمي ويحد من بؤر التوتر. وفي هذا الإطار، تكتسب إعادة إعمار سوريا أهمية خاصة، إذ تسعى تركيا إلى وجود دولة سورية مستقرة ومتقدمة على حدودها الجنوبية، خالية من الميليشيات ومسببات عدم الاستقرار، بما يحد من موجات الهجرة غير الشرعية، ويشجع على العودة الطوعية للاجئين السوريين، إلى جانب فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

 

  • دور روسيا في إعادة إعمار سوريا

يشكل الدور الروسي في إعادة إعمار سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات السورية الروسية، نظراً للإرث السياسي والعسكري الذي خلفه التدخل الروسي إلى جانب نظام الأسد منذ عام 2015. إلا أن مرحلة ما بعد سقوط النظام فتحت الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وموسكو على أسس جديدة، تقوم على احترام سيادة الدولة السورية، والحفاظ في الوقت ذاته على المصالح المشتركة بين البلدين.

وفي هذا الإطار، زار دمشق وفد حكومي روسي رفيع المستوى ضم وزير الإسكان الروسي إيريك فايزولين وعدداً من المستشارين الاقتصاديين، لبحث مشاريع مشتركة في قطاعات التشييد والبناء والتطوير العقاري، وتأهيل المناطق المتضررة بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية. كما توصل الجانبان إلى تفاهمات تتعلق بإعادة توظيف بعض المنشآت والمرافق العسكرية السابقة في برامج تدريب الكوادر السورية، والإسهام في بناء قدرات الجيش السوري الجديد.

ومن جهة أخرى، قد يُنظر إلى المشاركة الروسية في مشاريع إعادة الإعمار بوصفها محاولة لإعادة بناء الثقة مع الحكومة السورية الجديدة، وتجاوز تداعيات المرحلة السابقة، عبر الإسهام في عملية التعافي الاقتصادي وإعادة تأهيل البنية التحتية.

وفي المقابل، تنظر موسكو إلى سوريا باعتبارها ركناً أساسياً في استراتيجيتها الإقليمية، وموطئ قدم يضمن استمرار حضورها في شرق البحر المتوسط. كما تسعى إلى الحفاظ على موقعها في معادلات الطاقة الإقليمية، ولا سيما في ظل الحديث المتزايد عن مشاريع لنقل الطاقة من دول الخليج إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، وهو ما قد يؤثر في المكانة التقليدية لروسيا بوصفها أحد أبرز موردي الطاقة إلى الأسواق الأوروبية، خاصة خلال فترات الأزمات الإقليمية والدولية، كالحرب الأمريكية الإيرانية.

 

  • دور الولايات المتحدة في إعادة إعمار سوريا

تحتل الولايات المتحدة موقعاً محورياً في ملف إعادة إعمار سوريا، لا بوصفها ممولاً مباشراً بالدرجة الأولى، بل بوصفها الطرف الذي يملك مفتاح تفعيل أو تعطيل مسار التمويل الدولي بأكمله، عبر قراراتها المتعلقة بالعقوبات. فقد التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض في أيار/مايو 2025، وأعلن خلال اللقاء نيته رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، قبل أن يُقرّ الكونغرس الأمريكي في كانون الأول/ديسمبر 2025، ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، الإلغاء النهائي لقانون قيصر الذي شكّل لسنوات العائق الأكبر أمام عودة سوريا إلى النظام المصرفي الدولي، ووقّع الرئيس ترامب على القانون في 19 كانون الأول/ديسمبر 2025[7].

ويحمل هذا القرار بعداً مزدوجاً؛ فهو من جهة يفتح الباب فعلياً أمام تدفق الاستثمارات الخليجية والأوروبية والتركية التي تناولتها هذه الورقة، إذ تشير تقديرات إلى أن كلفة إعادة إعمار سوريا قد تتجاوز 216 مليار دولار[8], ومن جهة أخرى يُبقي بيد الإدارة الأمريكية ورقة ضغط مستقبلية، بما أن القانون الملغى ظل حتى تاريخ إلغائه يمنح البيت الأبيض صلاحية إعادة فرض العقوبات إن رأى أن التطورات السياسية أو الأمنية في سوريا تستدعي ذلك، وهو ما يجعل الانخراط الأمريكي مشروطاً بمسار العلاقة السياسية بين دمشق وواشنطن أكثر من كونه التزاماً تمويلياً مباشراً كما هي الحال مع باقي الفاعلين.

وتتقاطع هذه السياسة مع أهداف استراتيجية أوسع لواشنطن في المنطقة، أبرزها احتواء النفوذ الإيراني والحد من تعزّز تموضع روسي أو صيني في سوريا، إلى جانب دعم فكرة تحويل الأراضي السورية إلى ممر للطاقة والتجارة بين الخليج وأوروبا التي طرحها المبعوث الأمريكي توم باراك، بما يخدم مصالح حلفاء واشنطن الإقليميين ويعزز حضورها في معادلة الطاقة الإقليمية دون أن تتحمل العبء المالي المباشر لإعادة الإعمار.

 

ثانياً: معوقات إعادة الإعمار في سوريا

على الرغم من الزخم الإقليمي والدولي للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، فإن عملية الإعمار لا تزال تواجه عدداً من التحديات التي قد تؤثر في وتيرة تنفيذها واستدامتها.

  1. تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية: في مقدمة هذه التحديات، تستمر حالة عدم الاستقرار الإقليمي الناتجة عن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وما تفرضه من مخاوف لدى المستثمرين من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على المنطقة، حيث هددت إيران في العديد من المرات أن في حال تم توجيه أي ضربات لحلفائها في العراق او لبنان فسيتم الرد بضرب سوريا.
  2. المخاطر المرتبطة بالتصعيد الإسرائيلي: تشكل احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية أوسع مع إسرائيل قلق عند المستثمرين من الداخل والخارج، في ظل استمرار اعتداءاتها على الأراضي السورية.
  3. عدم استقرار البيئة الأمنية: على الصعيد الداخلي، ورغم التحسن الملحوظ في الأوضاع الأمنية، فإن البيئة الأمنية لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار الكامل، الأمر الذي قد يدفع بعض الشركات والمستثمرين إلى التريث قبل ضخ استثمارات طويلة الأجل. فبعد إغلاق ملف (قسد) بقيت بعض القضايا المرتبطة بمحافظة السويداء، تشكل تحديات أمام استكمال بسط سلطة الدولة على كامل الجغرافيا السورية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على بيئة الاستثمار وإعادة الإعمار.
  4. الإطار التشريعي والاستثماري: ومن المعوقات المهمة أيضاً الحاجة إلى استكمال المنظومة التشريعية الناظمة للاستثمار وإعادة الإعمار، ولا سيما ما يتعلق بقوانين الملكية والأراضي وتسوية الأوضاع العقارية، بما يضمن حماية حقوق الملكية، ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، وهو ما يتطلب دوراً فاعلاً من مجلس الشعب في إقرار التشريعات اللازمة لمواكبة مرحلة التعافي الاقتصادي.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن توافر الإرادة السياسية، واستمرار الدعم العربي والدولي، وإجراء إصلاحات مؤسسية وتشريعية، من شأنها أن تسهم في تذليل العقبات، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً لجذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.

 

 

الخاتمة

تمثل إعادة إعمار سوريا واحدة من أكبر عمليات التعافي الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها لم تعد تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل أصبحت ساحةً لتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الإقليمية والدولية. فلكل طرف مشارك أهدافه الخاصة، سواء تمثلت في تحقيق عوائد اقتصادية، أو تعزيز النفوذ الجيوسياسي، أو حماية الأمن القومي، أو ضمان موطئ قدم في مشاريع الطاقة والتجارة المستقبلية.

وبالنظر إلى الفاعلين الذين تناولتهم هذه الورقة، يمكن القول إن التمويل الفعلي لإعادة الإعمار يتوزع بين ثلاثة مستويات متداخلة: تمويل مباشر عبر استثمارات ومنح وقروض (دول الخليج والاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا)، وتمويل عبر عقود تنفيذية وشركات مقاولات كبرى (تركيا وروسيا)، وتمكين سياسي يفتح الباب أمام المستويين السابقين دون أن يشكل التزاماً مالياً مباشراً وازناً، وهو الدور الذي تؤديه الولايات المتحدة عبر قرارها بشأن العقوبات. أما الاستفادة، فتتوزع بدورها بين سوريا التي تحصل على التمويل والخبرة وفرص العمل، والدول الممولة التي تحصل في المقابل على مواقع استثمارية وموانئ ونفوذ اقتصادي وسياسي، وضمانات أمنية وطاقوية طويلة الأمد. ويظل هذا التوازن هشاً وقابلاً للتعطل في أي لحظة، بالنظر إلى أن استمرار تدفق أغلب هذا التمويل مرهون عملياً باستقرار قرار رفع العقوبات الأمريكية، وهو قرار يمكن أن تتم إعادة النظر فيه سياسياً في أي مرحلة لاحقة.

وفي المقابل، تمتلك سوريا فرصة لتحويل هذا التنافس الدولي إلى عامل دعم لعملية التعافي، شريطة أن تتمكن من إدارة علاقاتها الخارجية وفق سياسة متوازنة، تضمن الحفاظ على سيادتها الوطنية، وتوظيف الاستثمارات الخارجية لخدمة أولويات التنمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فنجاح إعادة الإعمار لن يقاس بحجم الأموال المستثمرة فحسب، وإنما بقدرة الدولة السورية على بناء اقتصاد مستدام، وتحقيق الاستقرار، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، بما يؤسس لمرحلة جديدة من التنمية بعد سنوات طويلة من الحرب.

 

 

 

[1] وفد سعودي في دمشق لتوقيع اتفاقيات اقتصادية، موقع الجزيرة نت، تاريخ النشر (23/7/2025)، تاريخ الاطلاع (27/8/2026)، https://shorturl.at/7CM1E.

[2] دوبرافكا شويتسا، الاتحاد الأوروبي يُعلن عن تخصيص 175 مليون يورو لدعم التعافي في سوريا، الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي، تاريخ النشر (4/6/2025)، تاريخ الاطلاع (27/8/2026)، https://shorturl.at/dA3et.

 

[3] بير سبير يخت، الاتحاد الأوروبي ينسق الدعم الدولي لتعافي الاقتصاد السوري وعملية إعادة الإعمار، موقع الاتحاد الأوروبي، بروكسيل، تاريخ النشر (11/5/2026)، تاريخ الاطلاع (27/8/2026)، https://shorturl.at/aqbmQ.

 

[4] الاتحاد الأوروبي ينسق الدعم الدولي لتعافي الاقتصاد السوري وعملية إعادة الإعمار، مرجع سابق.

[5] ألمانيا وسوريا تتعهدان بالتعاون في إعادة الإعمار بعد الحرب وعودة اللاجئين، موقع أرابيكا نيوز، تاريخ النشر (31/3/2026)، تاريخ الاطلاع (27/8/2026)، https://shorturl.at/gwPLE.

 

[6] في انضمام سوريا إلى “اتفاق مكة”: ماذا تقدم؟، موقع اندبندنت عربية، تاريخ النشر (24/6/2026)، تاريخ الاطلاع (27/8/2026)، https://shorturl.at/UKHTi.

 

[7] واشنطن ترفع “عقوبات قيصر” عن سوريا.. فهل تبدأ مرحلة إعادة الإعمار؟، مركز الدراسات العربية الأوراسية، تاريخ النشر (17/12/2025)، تاريخ الاطلاع (30/8/2026)، https://shorturl.at/97TBF.

[8] الولايات المتحدة: الكونغرس يقر الرفع النهائي للعقوبات عن سوريا وينهي العمل بقانون قيصر، فرانس 24، تاريخ النشر (17/12/2025)، تاريخ الاطلاع (30/8/2026)، https://shorturl.at/F6Qka.

الكلمات المفتاحية :