مقدمة:
منذ عام 2011، دفع الصراع في سوريا ملايين السكان إلى النزوح الداخلي واللجوء إلى الخارج، مخلفًا تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة.
ومع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، دخل ملف عودة اللاجئين مرحلة جديدة، تزامنت مع تزايد أعداد العائدين طوعًا، وارتفع اهتمام السلطات السورية والدول المضيفة والمنظمات الدولية بهذا الملف. غير أن سوريا تواجه تحديات متراكمة من أبرزها إعادة الإعمار وضعف الخدمات العامة.
ويثير ذلك تساؤلًا حول قدرة المؤسسات الخدمية والاقتصاد المحلي بما فيه سوق العمل على استيعاب أعداد إضافية من العائدين طوعًا، دون تراجع مستوى الخدمات العامة، أو نشوء منافسة حادة مع السكان المقيمين على السكن وفرص العمل.
وفي ضوء ذلك تهدف هذه الورقة إلى تقييم قدرة الخدمات العامة وسوق العمل على تحمل استيعاب موجات عودة إضافية، وتحديد أبرز التحديات التي تهدد استدامتها، واستشراف السيناريوهات لمساراتها المحتملة.
أولًا: حجم اللجوء السوري وتوزعه الجغرافي
بدأت موجات اللجوء السوري بأعداد محدودة نسبيًا، ثم تصاعدت مع تفاقم الصراع وتدهور الأوضاع الإنسانية، إذ كان العنف والخوف من العمليات العسكرية أحد أبرز دوافع مغادرة البلاد في السنوات الأولى، حيث تجاوز عدد اللاجئين في دول الجوار أربعة ملايين بحلول تموز 2015 وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.[1]
ومع امتداد الحرب، لم تعد دوافع اللجوء مقتصرة على الاعتبارات الأمنية، بل شملت تراجع فرص العمل والدخل، وتضرر البنى التحتية، وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية، وبلغ عدد اللاجئين السوريين وطالبي اللجوء خارج البلاد نحو 6.1 مليون شخص في نهاية عام 2024، وفق تقرير الاتجاهات العالمية الصادر عن المفوضية في حزيران 2025.[2]
جغرافيًا، تركز معظم اللاجئين السوريين في دول الجوار، ولا سيما تركيا ولبنان والأردن والعراق، كما استضافت دول أوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، أعدادًا كبيرة منهم، وبما أن دول الجوار هي مصدر أغلب العائدين، فهي تتحمل عبئًا كبيرًا في الاستضافة.
وينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها تقديرات إحصائية تستند إلى آليات التسجيل المعتمدة، لا إحصاءً شاملًا لجميع السوريين خارج البلد، فدقتها تتأثر باختلاف نظم التسجيل والتحديث بين الدول واحتمالية عدم تسجيل بعض الوفيات أو الولادات، أو التأخر في إدراجها، ولذلك فهي تتيح تقدير حجم الظاهرة، دون أن تطابقها تمامًا.
وينطبق التحفظ نفسه على نتائج المسوح الخاصة بالعائدين المستخدمة لاحقًا، فهي تعبر عن المستجيبين لا عن جميع العائدين.
ثانيًا: تطورات العودة إلى سوريا وسياقاتها
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 نقطة تحول في حركة العودة، إذ ترافق التحول السياسي مع عودة لاجئين من الخارج، إضافة إلى عودة أعداد كبيرة من النازحين داخليًا إلى مناطقهم.
ووفق تحديث المفوضية الصادر في أيلول 2026، بلغ عدد العائدين إلى سوريا من دول الجوار حتى نهاية شهر أب نحو 1.8 مليون شخص، بينما تجاوز عدد العائدين داخليًا مليوني شخص.[3]
تعكس هذه الأرقام اتساع حركة العودة، لكنها لا تكفي بمفردها لتقييم قدرة العائدين على الاستقرار المستدام، فالعودة تتركز في مناطق بعينها، ولذلك لا يتحدد أثرها برقم العائدين الإجمالي، بل بمدى تركزهم في هذه المناطق، وبقدرتها على تأمين الخدمات والسكن وفرص العمل.
تتداخل في قرار العودة عوامل متعددة، بعضها داخل سوريا وبعضها في دول اللجوء، ففي سوريا أوجد التحول السياسي وانحسار الملاحقات الأمنية أملًا لدى قطاعات واسعة من اللاجئين في استعادة حياتهم، لكن قرار العودة والبقاء بعدها يتوقف على توافر الخدمات واستعادة الممتلكات وفرص الوصول إلى العمل والسكن، مقارنة بما توفره دول اللجوء، في ظل عوائق مثل دمار المساكن ومخلفات الحرب والنزاع على الملكية.
وفي المقابل، تدفع القيود القانونية وتكاليف المعيشة في الدول المضيفة بعض الأسر إلى إعادة حساباتها بشأن البقاء، وإلى العودة قبل الجاهزية، وقد تُحوّل بذلك العودة من خيار إلى اضطرار.
ثالثًا: واقع الخدمات العامة وقدرتها على استيعاب العائدين
تُعدّ قدرة الخدمات على تلبية احتياجات السكان عاملًا حاسمًا في استيعاب موجات عودة إضافية، وأولها السكن، فقد أدى الدمار الواسع إلى تقلص المعروض السكني، بينما تتزايد أعداد العائدين إلى مناطق تحتاج إلى إعادة إعمار، ووفق تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في 2026، يُقدّر عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة بشدة بنحو 1.3 مليون وحدة.[4]
وتبيّن بيانات المفوضية للربع الأول من عام 2026 هشاشة السكن لدى العائدين المستجيبين، إذ يعاني 67% منهم مشكلات سكنية تتراوح بين تضرر جزئي ودمار كامل، ولا يمتلك ربعهم وثائق إثبات ملكية أو حيازة، ما قد يعيق رجوعهم إلى مساكنهم، كما أن 36% منهم يعتمدون على استضافة الأقارب، ما يشكل ضغطًا على الأسر المضيفة. [5]
ولا تقتصر التحديات على السكن، بل تمتد إلى الخدمات العامة، وفي مقدمتها المياه والصحة، فوفق البنك الدولي في نيسان 2026 تضررت، بشدة أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه، وتراجعت الامتدادات بنحو 40%، فيما يعاني القطاع الصحي من ضعف في الخدمات ونقص الكوادر مما يحدّ من قدرة هذه المناطق على خدمة السكان الإضافيين. [6]
وحيث أن عودة اللاجئين لا تتوزع بالتساوي، إنما تتركز في عدد محدود من المحافظات هي دمشق وريفها وحلب وإدلب وحمص، وهي تعاني أصلًا محدودية في قدرة الاستيعاب وضغط على السكن والخدمات. لذلك إن عجز الاستيعاب لن يظهر على المستوى الوطني بقدر ما سيظهر في أحياء ومدن بعينها، حيت ترتفع الإيجارات وتتزاحم العائلات في مساكن متضررة أو عشوائية، فيتحمل العائدون والمقيمون الكلفة معاً.
ولا يقل سوق العمل ضغطًا عن السكن والخدمات، فبحسب بيانات المفوضية للربع الأول من عام 2026يبلغ معدل البطالة 30% بين المستجيبين في سن العمل، وترتفع النسبة إلى 36% من اللاجئين العائدين، ولا تتجاوز نسبة العاملين منهم في وظائف رسمية 6إلى 7%، حيث يعمل 21% من اللاجئين العائدين في القطاع غير الرسمي، منهم 14% يعتمدون على العمل اليومي والمؤقت وتتركز معظم فرص العمل في أعمال غير رسمية وغير مستقرة.[7]
وفي ظل هذه الهشاشة يرجح أن تؤدي عودة أعداد كبيرة خلال فترات قصيرة إلى زيادة المنافسة على الأعمال اليومية والمؤقتة، في قطاعات تتسم أصلًا بتدني الأجور وعدم انتظامها، إذ لا يتجاوز أجر عمال البناء نحو7 إلى 12 دولار يوميًا، وأجر عمال المصانع في الغالب أقل من 100 دولار شهريًا حسب دراسة المجلس الدنماركي للاجئين [8]
تشير المعطيات مجتمعة إلى أن قدرة الاستيعاب تتحدد بالدخل والمسكن أكثر مما تتحدد بالخدمات العامة فاللاجئون العائدون أعلى بطالة من غيرهم، بوجود ضعف السكن والدخل يصبح الاستقرار هشًا، ومن الممكن أن تظهر صورة عودة عكسية في المحافظات الأثر ازدحامًا.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة لعودة اللاجئين من الخارج
تظهر المعطيات السابقة أن مسار العودة لا تحدده رغبة اللاجئين وحدهم، بل تحدده أيضًا قدرة المناطق المستقبلة على استيعاب موجات إضافية من السكان وقدرة الدول المضيفة على مواصلة استضافتهم.
وفي ضوء ذلك هناك سيناريوهان محتملان لمسار العودة ومدى استيعابها، يرتبط أولهما بالظروف داخل سوريا، وثانيهما بسياسات الدول المضيفة.
السيناريو الأول: الاستيعاب المتفاوت مع العودة التدريجية (الأكثر ترجيحًا)
يفترض هذا السيناريو أن تتم عودة اللاجئين بوتيرة تدريجية تتزامن مع تحسن محدود في قدرة بعض المناطق على الاستيعاب بفعل ترميم المساكن، وتوسع النشاط الاقتصادي، مع استمرار التمويل الدولي ومشاريع التعافي المبكر في القطاعات الخدمية بما يتيح فرص عمل جديدة، ويبقى هذا التحسن متفاوتًا بين المحافظات الأكثر استقبالًا للعائدين.
يدعم هذا السيناريو مؤشران تباطؤ وتيرة العودة في الربع الأول من العام 2026 مقارنة بالعامين الماضيين حسب تقرير المفوضية، والحذر تجاه العودة الكاملة دون تأمين الخدمات الأساسية، إذن يكتفي كثير من العائدين بزيارات يعملون خلالها على تأمين السكن دون الاستقرار الكامل، واستمرار التمويل الدولي للخدمات ومنها منحة البنك الدولي البالغة225 مليون دولار لقطاعي المياه والصحة في نيسان2026.[9]
السيناريو الثاني: عودة متسارعة بدافع ضغوط الدول المضيفة (الأقل ترجيحًا)
يفترض هذا السيناريو أن قرار العودة لا يعود مرتبطًا برغبة الأفراد، أو قدرة سوريا على الاستيعاب، إنما يصبح مرهونًا بمدى قدرة الدولة المضيفة على الاستيعاب، في ظل ضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة فتصبح العودة بذلك مدفوعة بعوامل خارجة عن إرادة اللاجئين فتتسارع بوتيرة لا تتناسب مع تحسن الخدمات في سوريا.
وتتفاقم آثار ذلك لأن إعادة الإعمار في بعض المناطق تحتاج وقتًا، فيزداد الضغط في مناطق معينة ويرفع تكاليف المعيشة، ويصعب تحقيق الاستقرار والتأقلم بعد العودة.
يدعم هذا السيناريو تشديد بعض الدول قيودها على اللجوء والحماية، وتوسعها في برامج العودة الطوعية المدعومة، وبدء بعضها بإجراءات ترحيل فعلية كما في النمسا، إضافة إلى انهاء الاقامات المؤقتة وتقليص المساعدات المقدمة للاجئين [10].
خامسًا التقدير التحليلي:
تشير المعطيات إلى أن الخدمات وسوق العمل قادران على استيعاب عودة تدريجية بصورة متفاوتة، فالاختناق يتراكم في مدن بعينها، ويتفاقم لأن العائدين من الخارج والمقيمين في الداخل يتنافسون على السكن والخدمات نفسها والسكن هو النقطة الأولى لأن غيابه يعطل الوصول إلى الخدمات والعمل معًا، ويمكن أن يتسارع حله من خلال توجيه التمويل، وجهود الترميم نحو المحافظات الأكثر استقبالًا للعائدين، وتبسيط إجراءات إثبات الملكية والحيازة.
كما أن الأثر الاقتصادي وحجم الاستيعاب في سوق العمل لا يعتمد على عدد العائدين فسحب، إنما يتأثر بما يمتلكه العائدون من مهارات وخبرات ورؤوس مال تشغيلية، تمكنهم من إعادة تشغيل منشآتهم، أو تأسيس أعمال وتوفير فرص عمل، لذلك يبقى احتمال الضغط على سوق العمل والخدمات مرهونًا بتوافر شروط التمويل لدى العائدين من عدمها، ودعم المشاريع الصغيرة للعائدين من خلال تبسيط إجراءات الترخيص والتسجيل وتخفيف الأعباء الإدارية.
كما أن ارتباط الأشخاص بأعمال في الخارج ومؤسسات تعليمية سيبطأ وتيرة العودة كما أن ظروف الاستقرار والتعايش المجتمعي من الممكن أن تدفع الأشخاص لعدم الاستقرار الكامل مما يفسح المجال أمام القطاعات الخدمية لاستعادة تعافيها ووضع خطط استيعابية، وبذلك يتوقف مسار عودة اللاجئين على مدى تفاعل الظروف داخل سوريا مع سياسات الدول المضيفة.
المراجع العربية:
- مفوضية اللاجئين: عودة 1.72 مليون سوري والوجهة 7 محافظات رئيسية،13/8/2026، الإخبارية السورية، تاريخ الاطلاع 12/10/2026،https://short-url.cc/1G19w
- سوريا: 225 مليون دولار من البنك الدولي لدعم استعادة خدمات المياه والرعاية الصحية، مجموعة البنك الدولي،23/4/2026، تاريخ الاطلاع 12/10/2026، https://short-url.cc/1z-dM
المراجع الأجنبية:
- Global trend, forced displacement in 2024, the UN refugee agency,12/6/2025, page14, date access11/10/2026,https://short-url.cc/1zWB2
- Syria: country focus Country of Origin Information Report, European Union Agency for Asylum (EUAA), July 2026m date access12/10/2026,https://short-url.cc/1z-8F
- Syria protection and reintegration insights, voices of returns and host communities across Syria, UNHCR, HANUARY- MARCH 2026M data access 12/10/2026,https://short-url.cc/1z-8d
- UNHCR: Total number of Syrian refugees exceeds four million for first time, UNHCR The refugee agency, 9/7/2015, date access 11/10/2026, https://short-url.cc/1zWM6
- Returns to Syria: regional, UNHCR update, 22/9/2026, date access 11/10/2026, https://short-url.cc/1FPRC
- Box 3. Changes for efficient and fair return procedures, Section 7. Harmonized approach for resettlement and humanitarian admission, Asylum Report 2026, date access 12/10/2026,https://short-url.cc/1z-k6
- Syria: Labour Market Assessment Report, Danish Refugee Council,17/3/2026, data access12/10/2026,https://short-url.cc/1AcKN
[1]UNHCR: Total number of Syrian refugees exceeds four million for first time, UNHCR The refugee agency, 9/7/2015
[2]Global trends, forced displacement in 2024, the UN refugee agency,12/6/2025, p.14
[3] Returns to Syria: regional, UNHCR update, 22/9/2026
[4] Syria: country focus Country of Origin Information Report, European Union Agency for Asylum (EUAA), July 2026
[5] Syria protection and reintegration insights, voices of returns and host communities across Syria, UNHCR, HANUARY- MARCH 2026
[6] سوريا: 225 مليون دولار من البنك الدولي لدعم استعادة خدمات المياه والرعاية الصحية، مجموعة البنك الدولي،32/4/2026
[7] مرجع سابق، تقرير المفوضية
[8]Syria: Labor Market Assessment Report, Danish Refugee Council,17/3/2026
[9] مرجع سابق، تقرير البنك الدولي
[10] Box 3. Changes for efficient and fair return procedures, Section 7. Harmonized approach for resettlement and humanitarian admission, Asylum Report 2026,





