موقع

التقارب السوري السعودي: الدوافع والمحددات وسيناريوهات المستقبل

بسمة عربشة

|

2026-07-09

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-07-09

|

طباعة

|

مشاركة

بسمة عربشة

|

2026-07-09

|

طباعة

مشاركة

مقدمة:

بعد عقودٍ من القطيعة بين سوريا والمملكة العربية السعودية في ظل حكم الأسد الأب ثم الابن، شهدت العلاقات بين البلدين تحوّلًا ملحوظًا عقب انتصار الثورة السورية وتولّي الرئيس أحمد الشرع قيادة البلاد. فقد بدأت العلاقات السورية السعودية تستعيد مسارها تدريجيًا، وكان من أبرز مؤشرات ذلك اختيار الرياض لتكون أول وجهة خارجية رسمية للرئيس الشرع في 2 فبراير/شباط 2025. وقد حملت هذه الزيارة دلالات سياسية واضحة، أكدت رغبة القيادة السورية الجديدة في العودة إلى الحاضنة العربية، بدءًا بالمملكة العربية السعودية، بوصفها إحدى أبرز القوى العربية والإقليمية.

تهدف هذه الورقة  الى دراسة الدواقع والمحددات للتقارب السوري السعودي وسيناريوهات المستقبل في ظل التحولات الإقليمية.

 

أولا: دوافع التقارب بين دمشق والرياض:

تتنوع دوافع كل من البلدين في تعميق العلاقات فدمشق ترى في الرياض طوق النجاة الاقتصادي، والرياض ترى أن أمن واستقرار دمشق من أمن المنطقة.

دوافع اقتصادية:

تمتلك المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر القدرات الاستثمارية في العالم، مستندة إلى صندوق الاستثمارات العامة (PIF)، الذي يُعد من أكبر الصناديق السيادية عالميًا، بأصول تتجاوز 900 مليار دولار، إضافة إلى الشركات الوطنية الكبرى والاستثمارات الحكومية والخاصة.[1]

وفي المقابل، تواجه سوريا تحديًا اقتصاديًا هائلًا نتيجة الحرب التي اندلعت عام 2011، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى شركاء يمتلكون القدرة على تمويل مشاريع إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد. وفي هذا السياق، شكّل وصول أكبر وفد استثماري سعودي إلى دمشق في 7 فبراير/شباط 2026 محطةً مفصلية في العلاقات الثنائية، حيث ترأس الوفد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، وضم عددًا من الوزراء وممثلي كبرى الشركات السعودية. وأسفرت الزيارة عن توقيع حزمة من العقود والاتفاقيات الاستراتيجية بقيمة تقارب 40 مليار ريال سعودي (نحو 10.6 مليارات دولار)، بحضور الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، في مؤشر واضح على انتقال العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية.[2]

 

دوافع أمنية:

تحظى سوريا بأهمية استراتيجية بالغة في منظومة الأمن الإقليمي، نظرًا لموقعها الجغرافي ودورها في توازنات الشرق الأوسط. وبعد سقوط نظام الأسد، وخروج الميليشيات الأجنبية، وتفكيك شبكات تصنيع وتهريب الكبتاغون، برزت فرصة لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي على أسس جديدة.

وقد مثلت تجارة الكبتاغون خلال السنوات الماضية أحد أبرز مصادر القلق الأمني لدول الخليج العربي، إذ استحوذت المملكة العربية السعودية وحدها على نحو 67% من إجمالي كميات الكبتاغون المضبوطة في منطقة الشرق الأوسط بين عامي 2012 و2021، وفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) وعدد من التحقيقات الدولية.[3]

إلى جانب ذلك، تنظر الرياض وعدد من العواصم العربية إلى استقرار سوريا باعتباره عنصرًا أساسيًا في الحد من التهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها التوسع الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، تتقاطع مصالح المملكة العربية السعودية وتركيا في دعم الدولة السورية سياسيًا وعسكريًا بما يعزز استقرارها ويحافظ على وحدة أراضيها.

دوافع طاقية:

برز البعد الطاقي كأحد المحركات الجديدة للتقارب بين البلدين، خاصة بعد اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية في 28 فبراير، وما رافقها من تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية. وفي ظل هذه التطورات، طرحت سوريا نفسها بوصفها ممرًا بديلًا لنقل الطاقة إلى الأسواق العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين الخليج العربي والبحر المتوسط.

وقد لقي هذا الطرح اهتمامًا عربيًا ودوليًا، وعززه تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك، الذي اعتبر أن سوريا، بحكم موقعها الجغرافي والجيوسياسي، تمثل البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز والبحر الأحمر في حال استمرار الاضطرابات الأمنية فيهما، الأمر الذي يفتح المجال أمام مشاريع إقليمية جديدة في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية.

دوافع تاريخية  وحضارية :

لا يقتصر التقارب السوري السعودي على اعتبارات المصالح الآنية، بل يستند كذلك إلى روابط تاريخية وحضارية وثقافية عميقة، تتمثل في وحدة الدين واللغة والهوية العربية، وما يجمع الشعبين من إرث تاريخي مشترك.

ومن أبرز الشواهد على هذا الترابط التاريخي مشروع سكة حديد الحجاز، الذي كان يربط إسطنبول بدمشق ثم الأردن وصولًا إلى المدينة المنورة. ولا يزال هذا المشروع يحظى باهتمام تاريخي وسياحي واقتصادي، كما تبرز بين الحين والآخر مبادرات لإحياء أجزاء منه، بما يسهم في تعزيز الربط البري بين سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، ويدعم حركة التجارة والاستثمار والسياحة بين دول المنطقة.

 

ثانيًا: محددات التقارب السوري السعودي:

على الرغم من وجود إرادة سياسية واضحة لدى كل من الرياض ودمشق لتعزيز العلاقات الثنائية، فإن مسار التقارب لا يزال يواجه عددًا من المحددات القانونية والإقليمية التي قد تؤثر في سرعة تطوره وحجم نتائجه. ويمكن تصنيف هذه المحددات إلى محورين رئيسيين:

المحددات القانونية الدولية:

لا تزال سوريا مدرجة ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب في المسار المنفصل لدى وزارة الخارجية الأمريكية، الأمر الذي يفرض تحديات قانونية ومالية أمام انخراطها الكامل في النظام الاقتصادي الدولي. ويستلزم رفع هذا التصنيف إجراءات قانونية وسياسية معقدة، كما يفرض قيودًا على تعامل البنوك الأمريكية مع سوريا، ويدفع العديد من المؤسسات المالية الدولية إلى تجنب التعامل المباشر معها.

ويزداد هذا التحدي بفعل ما يُعرف بسياسة “تجنب المخاطر” (De-risking)، التي تتبعها غالبية البنوك الكبرى في أوروبا والخليج وآسيا، حيث تفضل هذه المؤسسات الامتناع عن تمرير التحويلات المالية الكبيرة إلى سوريا، حتى وإن كانت الأنشطة الاستثمارية مسموحًا بها قانونًا، خشية التعرض لعقوبات أو ملاحقات من وزارة الخزانة الأمريكية.

كما تمثل أزمة توثيق الملكية العقارية إحدى أبرز العقبات أمام الاستثمار الأجنبي، إذ يصعب على الشركات الدولية شراء الأراضي أو إنشاء المشاريع الصناعية والتجارية في ظل غياب سجل عقاري مكتمل وموثوق، نتيجة تدمير أجزاء واسعة من السجلات العقارية ووثائق الملكية خلال سنوات الحرب، وما قد يترتب على ذلك من نزاعات قانونية مستقبلية.

المحددات الإقليمية:

تحكم البيئة الإقليمية مسار التقارب السوري السعودي من زاويتين متوازيتين؛ الأولى تتمثل في القلق الاقتصادي الذي قد يحد من وتيرة الاستثمارات، والثانية في الضرورة الأمنية التي تدفع نحو استمرار التعاون وتعميقه.

القلق الاقتصادي:

أدت الحرب الأمريكية الإيرانية، وما رافقها من استهداف إيران لمنشآت ومصالح في منطقة الخليج، إلى إعادة ترتيب أولويات دول الخليج، حيث اتجهت إلى تعزيز أمنها الداخلي وإعادة تأهيل ما تضرر من بنيتها الاقتصادية، وهو ما قد ينعكس على حجم الاستثمارات الخارجية خلال المدى القريب، بما في ذلك الاستثمارات الموجهة إلى سوريا.

ويضاف إلى ذلك الضغوط الأمريكية على دمشق للمشاركة في جهود نزع سلاح حزب الله في لبنان، وهو ما يثير مخاوف المستثمرين السعوديين من احتمال انخراط سوريا في مواجهات عسكرية جديدة قد تؤثر في استقرار البيئة الاستثمارية، وتزيد من المخاطر المرتبطة بالمشروعات طويلة الأجل.

الضرورة الأمنية:

في المقابل، تفرض الاعتبارات الأمنية نفسها كعامل يدفع نحو استمرار التقارب بين البلدين. فالموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية استراتيجية بوصفها البوابة البرية التي تربط الخليج العربي ببلاد الشام وأوروبا، كما يؤهلها لتكون ممرًا بديلًا لمشاريع نقل الطاقة في حال استمرار التهديدات التي تواجه مضيق هرمز أو البحر الأحمر.

ومن هذا المنطلق، ترى المملكة العربية السعودية ودول الخليج أن الحفاظ على أمن سوريا واستقرارها، ودعم جهود إعادة إعمارها، لا يخدم الاقتصاد الإقليمي فحسب، بل يعزز كذلك منظومة الأمن العربي، ويحد من تنامي النفوذ الإسرائيلي في المشرق العربي، بما يحافظ على التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.

 

ثالثًا: سيناريوهات تطور العلاقات السورية السعودية

يمكن استشراف مستقبل العلاقات السورية السعودية من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تختلف وفق تطور البيئة الإقليمية والدولية، ومستوى الاستقرار الداخلي في سوريا، وطبيعة الموقف الأمريكي من دمشق.

  1. سيناريو التعاون الاقتصادي والأمني (السيناريو المرجح):

يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا، في ظل تلاقي المصالح الاستراتيجية بين البلدين. فقد أدى سقوط النظام السابق إلى زوال عدد من مصادر القلق السعودي، وفي مقدمتها الوجود الواسع للميليشيات الإيرانية داخل سوريا، إضافة إلى إنهاء شبكات تصنيع وتهريب الكبتاغون التي مثلت تهديدًا مباشرًا لأمن المملكة ودول الخليج.

وفي المقابل، تسعى القيادة السورية الجديدة إلى ترسيخ انفتاحها على محيطها العربي، وجعل المملكة العربية السعودية شريكها الاقتصادي الأول في مرحلة إعادة الإعمار، من خلال استقطاب الاستثمارات السعودية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والخدمات. ومن المتوقع أن يقود هذا المسار إلى توسيع التعاون الاقتصادي والأمني، بما يحقق مصالح البلدين، ويسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.

  1. سيناريو تباطؤ التقارب والاكتفاء بالتعاون الدبلوماسي المحدود:

يقوم هذا السيناريو على استمرار العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين، مع تباطؤ التعاون الاقتصادي والاستثماري. ويعزى ذلك إلى استمرار بعض العقوبات الأمريكية على سوريا، والتداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإيرانية، التي دفعت المملكة إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، والتركيز على تعويض الخسائر وتعزيز أمنها الداخلي.

كما أن استمرار بعض التحديات القانونية داخل سوريا، وفي مقدمتها قضايا الملكية العقارية، والبيئة التشريعية للاستثمار، إضافة إلى احتمالات انخراط دمشق في ملفات أمنية إقليمية، قد يدفع المستثمرين السعوديين إلى تأجيل المشاريع الكبرى، والاكتفاء باتفاقيات تعاون محدودة إلى حين تحسن البيئة الاستثمارية.

  1. سيناريو تراجع التقارب وعودة الفتور (سيناريو ضعيف):

يبقى هذا السيناريو الأقل احتمالًا، لكنه يظل قائمًا في حال تعرض المنطقة لتطورات جوهرية تعيد إنتاج حالة الاستقطاب الإقليمي. وقد يحدث ذلك إذا عادت سوريا إلى الانخراط في محاور إقليمية تتعارض مع المصالح الخليجية، أو شهدت الساحة السورية تدهورًا أمنيًا واسعًا، أو تصاعدت المواجهة العسكرية مع إسرائيل أو في الساحة اللبنانية بصورة تؤثر مباشرة على الاستقرار الداخلي.

وفي هذه الحالة، قد تتراجع وتيرة التقارب السياسي، وتتوقف المشاريع الاستثمارية الكبرى، مع استمرار الحد الأدنى من العلاقات الدبلوماسية، انتظارًا لتحسن الظروف الإقليمية وعودة الاستقرار.

 

ختامًا:

تشير مجمل المؤشرات الإقليمية والدولية إلى وجود مصالح متبادلة تدفع نحو تعزيز التقارب السوري السعودي خلال المرحلة المقبلة، في ظل الحاجة إلى إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتهيئة البيئة المناسبة لإعادة الإعمار. كما أن التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، وتزايد الاهتمام ببناء ترتيبات أمنية جديدة، تجعل من التنسيق بين دمشق والرياض خيارًا يخدم مصالح الطرفين ويعزز التوازن الإقليمي.

وفي الجانب الاقتصادي، تمتلك سوريا فرصًا استثمارية كبيرة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعة والخدمات، بما يجعلها إحدى أبرز وجهات الاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب. وإذا تمكنت الحكومة السورية من استكمال الإصلاحات القانونية، وتحسين البيئة الاستثمارية، ومعالجة ما تبقى من العقوبات والتحديات المؤسسية، فمن المرجح أن تتوسع الاستثمارات السعودية تدريجيًا، ولا سيما في المشاريع الاستراتيجية الكبرى، بما يحقق عوائد اقتصادية للطرفين، ويجعل الشراكة السورية السعودية إحدى الركائز الرئيسة لإعادة إعمار سوريا وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

 

 

[1] صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الجزيرة نت، تاريخ النشر (12/8/2025)، تاريخ الاطلاع (1/7/2026)، https://shorturl.at/8BXXP.

[2] السعودية وسوريا توقعان عقوداً استثمارية ضخمة في قطاعات حيوية، العربية، السعودية، تاريخ النشر (7/2/2026)، تاريخ الاطلاع (1/7/2026)، https://shorturl.at/Fhvkn.

[3] تعطيل واسع لقطاع الكبتاغون في سوريا وتعاون عربي يحقق أرقاماً غير مسبوقة في الضبط، الأمم المتحدة، تاريخ النشر (22/12/2025)، تاريخ الاطلاع (1/7/2026)، https://news.un.org/ar/story/2025/12/1143931.

الكلمات المفتاحية :