AR EN

الاحتجاجات الشعبية في إيران .. قراءة في السياقات والدوافع

وحدة الرصد والتحليل
30 نوفمبر 2019

مقدمة

في الخامس عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الحالي، اندلعت موجة من الاحتجاجات الشعبية في إيران، وأخذت بعداً توسعياً فيما يقارب مئة مدينة، على إثر القرار المتعلق برفع سعر مادة البنزين 300% عن سعرها الأصلي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من ضعف شديد نتيجة أسباب مختلفة، على رأسها العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عقب انسحابها من الاتفاق النووي في الثامن من مايو/أيار 2018، والتباينات الواضحة داخل أقطاب الحكم في التعامل معها، إضافة إلى تأثر الاقتصاد الإيراني، نتيجة دعم الأطراف المسلحة في المنطقة العربية، وانعكاسه المباشر على الداخل الإيراني.

أدى القرار الذي أصدره المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي إلى حالة من الغضب الشعبي، رافقه إغلاق طرق سريعة، ونهب محال تجارية، وإشعال النار في عدد من المصارف، كما سادت حالة من القمع الواسع الذي راح ضحيته أكثر من مئة قتيل وأضعافهم من الجرحى وآلاف المعتقلين، ولم يعلن النظام الإيراني إلى الآن الرقم الحقيقي للضحايا، حسب بيان منظمة هيومن رايتس ووتش.

تأتي هذه الهبة الشعبية في وقت تشهد فيه عدة دول عربية احتجاجات مشابهة، وخاصة تلك الدول التي تحضر فيها السياسة الإيرانية بشكل واضح، كالعراق ولبنان، مما يطرح عدداً من الأسئلة المتعلقة بسياقات هذه الأحداث، ودوافعها الرئيسية، ومستقبل الاحتجاجات الإيرانية.

تراكمات المشهد الثوري الإيراني

الحالة الاحتجاجية في إيران ليست وليدة اللحظة، وهي أشبه ما تكون بظاهرة تنمو بشكل دراماتيكي، ويمكن هنا العودة إلى ثورة المشروطة وحركة مصدق وثورة الغابة وانتفاضة خرداد والثورة الإيرانية نفسها، وما تلاها من احتجاجات، ورغم أن حق التظاهر مكفول بموجب المادة 27 من الدستور فإن في تطبيقه خللاً كبيراً، نظراً إلى التباين بين الحق في الاحتجاج والموقف الرسمي من ذلك، وعدم وجود استراتيجية إيرانية واضحة في التعامل مع الاحتجاجات وفق الدستور، وتغليب الصيغة الأمنية في التعامل معها بشكل كبير.

في مواجهة آثار العقوبات الدولية على إيران في الأعوام السابقة والتقنين الداخلي لعملية التزود بالنفط، استحدثت الحكومة الإيرانية في عام 2007 بطاقات الوقود للمرة الأولى، في مسعى منها لإصلاح منظومة الدعم الحكومي للوقود، ووضع حد للتهريب، ومنذ ذلك الحين تعيش إيران حالة من الاحتجاجات المتقطعة التي تأتي في سياق اقتصادي، وقد تأتي في سياق سياسي أحياناً؛ كما حدث في يونيو/حزيران 2009، حيث اندلعت احتجاجات واسعة بعد فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية تنديداً بنتائج الانتخابات، وسميت حينها بالثورة الخضراء، وامتدت حتى أبريل/نيسان 2010، وفي عام 2017 اندلعت مظاهرات أخرى احتجاجاً على السياسات الاقتصادية لحكومة حسن روحاني، كانت بدايتها الأولى من مدينة مشهد الإيرانية التي تعد المدينة الثانية في الكثافة السكانية بعد طهران.

وفي ديسمبر/كانون الأول من عام 2018 خرجت احتجاجات طلابية في جامعة زاد بطهران تطالب باستقالة رئيس مجلس أمناء الجامعة علي أكبر ولايتي، الذي يشغل مساعداً للمرشد الأعلى علي خامنئي، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الحالي عادت الاحتجاجات من جديد، حيث كانت شرارتها الأولى ارتفاع أسعار الوقود، وتتميز هذه الاحتجاجات بكتلتها الكبيرة والواسعة، وسرعة الانتشار في بقية المدن الإيرانية، ومشاركة بقية القوميات الأخرى، كما أنها جاءت في ظل أزمة سياسية داخلية وموجة مشابهة من الاحتجاجات في العمق الاستراتيجي لإيران في كل من العراق ولبنان، وهو ما أقلق النظام الإيراني ودفعه إلى قمع الاحتجاجات والتعامل العنيف معها، واتهامها بالعمالة لجهات خارجية.

السياقات الداخلية والخارجية للاحتجاجات

بالإضافة إلى نمو الحالة الاحتجاجية في إيران فإن الاحتجاجات الأخيرة جاءت في ظل أزمة سياسية واقتصادية قوية تعيشها إيران، مع خلاف سياسي داخلي يتعلق بكيفية التعامل مع هذه الأزمة، يقابله اشتعال احتجاجات مشابهة تستهدف الطموح التوسعي لإيران في المنطقة العربية.

العقوبات الاقتصادية وأثرها على الشعب

منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018 تعاني إيران ضغوطاً سياسية واقتصادية أمريكية، لإجبارها على قبول التعديلات الأمريكية على الاتفاقية، حيث أدت هذه العقوبات إلى خفض صادرات النفط من مليوني برميل يومياً إلى أقل من أربعمئة ألف، في إطار تصفير الصادرات النفطية، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي بشأن النمو الاقتصادي لإيران في (2019- 2020) إلى انكماش كبير من جراء العقوبات، حيث يتوقع الصندوق تراجع معدل النمو من +4% في تقرير إيران السنوي لعام 2018 إلى -6% في أبريل/نيسان 2019، وهو المعدل الأسوأ منذ عام 2012، إضافة إلى حظر التعامل الاقتصادي مع إيران، وارتفاع نسبة التضخم التي وصلت رسمياً إلى 43%، وانخفاض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، إذ فقدت أكثر من ثلثي قيمتها في سنة ونصف تقريباً، وهو ما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية، إضافة إلى حالة البطالة والفقر المرتفعة، حيث يقول ناصر موسوي لاركاني، عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى، إنه بالنظر إلى مؤشر خط الفقر فإن 55% من الأسر الإيرانية هي تحت خط الفقر، حسب مركز الجزيرة للدراسات.

في هذا السياق، ونتيجة الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه إيران، وبعد تصريحاتها المتكررة حول عدم استعدادها للوقوف مكتوفة اليد إزاء ما تتعرض له، تعرض عدد من السفن والناقلات الأجنبية لاعتداءات مختلفة في بحر عمان، وتسارع أمريكا إلى اتهام إيران عقب كل حادثة، ويعد الاعتداء على شركة أرامكو من أكبر الاعتداءات التي حدثت في هذا السياق، وهي الحادثة التي سارعت جماعة الحوثي إلى تبنيها، رغم اتهام السعودية الصريح لإيران. وبغض النظر عن ماهية الفاعل الحقيقي فقد جاءت الضربة كرسالة تبين قدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة في المنطقة.

- معضلة السيطرة الدينية وتعدد المرجعيات

تتعدد القوميات داخل المجتمع الإيراني بين فرس وعرب وكرد وبلوش وأذريين وتركمان، إضافة إلى تعدد الانتماءات والأيديولوجيات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العراق ولبنان، وربما يأتي التأثير الأكبر لحالة الخلاف الداخلي في البيت الشيعي لذلك الخلاف الفلسفي بين مرجعيتي إيران والعراق، والخلاف الأصولي الإصلاحي في إيران، هذه التباينات العميقة تطفو أحياناً وتخفت أحياناً، لكن الاحتجاجات الأخيرة أسهمت في تعزيز هذا الخلاف.

هناك خلاف بين التقليديين والإصلاحيين في إيران، فالإصلاحيّون المنتسبون إلى آية الله النائيني، مُنظّر الدستورية، يطالبون بدولة مدنية، تتمتع بحرية وسيادة شعبية، بخلاف الأصوليين، والخلاف بين التيارين خلاف تاريخيّ ينسحب على فقه الدولة والمواقف السياسية الداخلية والخارجية، هذا الخلاف تظهره بعض الاحتجاجات؛ كما حدث في احتجاجات عام 2009، وبروز الصراع بين رفسنجاني وأحمدي نجاد، ويتضح حالياً بين خامنئي وأنصاره من جهة وبين روحاني وأنصاره من جهة أخرى، يعزز ذلك سعي عدد من الأصوليين لإقصاء روحاني الذي دخل اسمه على قائمة الخلفاء المحتملين لمرشد الثورة، إضافة إلى الخلاف بين الرجلين بخصوص التفاوض مع الأمريكان ومهاجمة صحيفة (كيهان)، ذات الخط الأصولي، لروحاني، في المقابل هناك استياء شعبي واسع حتى داخل البيت الشيعي نفسه، وهذا ما يفسر انطلاق الاحتجاجات الأخيرة من مدينة مشهد؛ العمق الديني للأصوليين.

أظهرت الاحتجاجات في العراق ولبنان ذلك الخلاف المتعلق بالمرجعيات الدينية، فالنخب الدينية الإيرانية ينظرون بريبةٍ إلى النجفيين، ويرون فيهم عناصر سلبية لا تعبر عن الثورة الحسينية، في المقابل لا تؤمن مرجعية النجف بولاية الفقيه، وتعد نفسها مستقلة نوعاً ما عن مرجعية إيران، ولا تؤمن بالعمل السياسي مع غياب المعصوم، وترى لنفسها سلطة دينية فقط، وتدلي برأيها أحياناً في الأحداث الداخلية، مع ابتعادها عن الوضع الخارجي في الغالب، بخلاف النخبة الدينية في إيران التي تؤمن بولاية الفقيه، وسلطته الدينية والسياسية، وامتداد ولايته للشيعة في كل مكان، وهو ما جعله يتعامل مع الشيعة في إيران أو خارجها على أنهم رعايا.

لا تعد مرجعية النجف مؤسسة صلبة يمكن أن يكون لها موقف قوي داخلي أو خارجي، بالإضافة إلى تداخل المصالح والنفوذ بينها هي ورجال الدين الآخرين من جهة وبين الحكومة من جهة أخرى، وهذا ما يجعلها تقدم رجلاً وتؤخر أخرى؛ خشية من أي تغيير قادم قد يهدد شبكة المصالح الاقتصادية، وتحرص على مسك العصا من المنتصف، إضافة إلى تورطها في تخدير الشعب، وتورط بعض رجال الدين التابعين لها في جميع تفاصيل الوضع الذي آل إليه العراق، ولهذا لم تعد هناك أهمية كبيرة لخطاب المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني، الذي دعا المحتجين في وقت سابق إلى تهدئة غضبهم وعرض مطالبهم على الحكومة، إلا أن مساحة الاحتجاجات تطورت بعد دعوته، كما أن هناك رجال دين عراقيين أيدوا الاحتجاجات وساندوها بعيداً عن رأي المرجعيات.

في لبنان لا توجد مرجعية شيعية موحدة، وذلك عزز خروج عدد من الاحتجاجات في عدد من المدن المحسوبة على الشيعة كمحافظة النبطية، رغم تحذيرات حزب الله وحركة أمل للمتظاهرين في أكثر من خطاب من النزول إلى الشارع، إلا أن المحتجين استطاعوا تجاوز هذا الخطاب والمشاركة في الاحتجاجات.

العراق ولبنان وحدة الألم وواحدية المطلب

بالتزامن مع الاحتجاجات الداخلية في إيران، تشهد عدة مدن عراقية ولبنانية، منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الحالي، احتجاجات واسعة، إثر تردي الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها البَلدان، نتيجة الوضع السياسي الاستثنائي القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية، الذي أدى إلى حالة من الفساد المتجذر، والذي يأتي بعضه في إطار صفقات سياسية، مع حالة الانقسام السياسي التي يعيشها البلدان نتيجة التدخلات الخارجية المتعددة، وهذا ما جعل طيفا واسعا من المحتجين يُصعد في شعاراته، رفضا للارتهان العراقي لإيران "إيران برّا برّا، بغداد تبقى حرة"، وإحراق العلم الإيراني في العاصمة بغداد، وإحراق القنصلية الإيرانية في النجف، كما يتهم هؤلاء المتظاهرون الحشد الشعبي المدعوم من إيران بقتل عدد من المتظاهرين وإصابة آخرين تحت ذريعة عمالة المتظاهرين للخارج، وهو الاتهام نفسه الذي يكرره المسؤولون الإيرانيون.

اكتسبت الاحتجاجات الشعبية في العراق ولبنان زخماً كبيراً، لأنها تحدث للمرة الأولى في وقت واحد، أعقبتها الاحتجاجات الشعبية في إيران، والتي تحمل نفس المطالب، وتنادي بتغيير نظام الحكم القائم، وهذا ما أثار السلطات الإيرانية التي تُعدُّ المتضرر الأول من ذلك، لأنها بَنت تدخلاتها في هاتين الدولتين على التناقضات الداخلية، وفي حال سقوط هذه التناقضات تفقد سيطرتها مباشرة، إضافة إلى الوجود الشيعي والحدود الجغرافية والعائدات النفطية في العراق، التي تجعل منه خطاً أحمر بالنسبة لإيران، مع خضوع مؤسسات الدولة لنفوذ القوى المسلحة التابعة لإيران؛ كالحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

نجحت الاحتجاجات العراقية واللبنانية إلى الآن في تجاوز الانقسامات الطائفية ونظام المحاصصة السياسية التي تُشكل أساس الحكم، وتوحيد المطالب الشعبية الرافضة للواقع الداخلي والتدخل الخارجي، وهو ما عزز من مخاوف إيران التي ترى أن كل ما يحدث يأتي في إطار العقوبات التي تتعرض لها من أمريكا، وبدعم إقليمي مباشر، ومن ذلك ما جاء على لسان مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، الذي اتهم قوى خارجية بالتدخل في الشأن العراقي واللبناني، واتهم الولايات المتحدة بتمويل هذه الاحتجاجات، وقريباً من اتهامات المرشد الإيراني وصف الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الاحتجاجات بأنها لم تعد عفوية بل هناك قوى سياسية تمولها.

مواقف الأطراف

تباينت المواقف المحلية والدولية تجاه الاحتجاجات الإيرانية، ما بين طيف شعبي واسع مؤيد لها من مختلف المكونات، وموقف دولي مستثمر للأحداث ومُتهم من قبل النظام بتحريكها، وآخر يدين موجة العنف التي تعرضت لها.  

الموقف المحلي

يتجاوز المواطنون الإيرانيون ثمانين مليون نسمة، أغلبهم من العرق الفارسي، إضافة لملايين العرقيات الأخرى كالأكراد والعرب الأحواز والأذريين والبلوش وغيرهم، ويعد الإسلام الديانة الأولى هناك، وخاصة المذهب الشيعي، كما أن هناك مكونات سنية عربية وكردية أخرى، وقد شاركت كل هذه المكونات القومية والمذهبية، في الاحتجاجات بقوة، إضافة للمكونات السياسية الأخرى، نتيجة التمييز الذي تعرضت له خلال كل هذه العقود الماضية، ونتيجةً للقمع الذي تعرضت له الاحتجاجات، ذهبت بعض الشرائح منهم إلى الخيار الخشن، حسب رواية النظام.

إضافة إلى العامل السياسي العميق، كان العامل الاقتصادي من أكبر المحركات للشارع الإيراني، فهناك استياء واضح من التدخلات الإيرانية الخارجية، والتي كانت حاضرة في هتافات المحتجين الإيرانيين، وما يتعلق بالإنفاق العسكري الكبير وسيطرة الحرس الثوري على أكثر من 60% من الاقتصاد الإيراني، وانتشار الفساد ونهب المال العام والممتلكات العامة، وتقديم الأولوية العسكرية على الاقتصادية، وبحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2018، احتلت إيران المركز 138 من حيث الفساد، وهو أسوأ تصنيف لها في السنوات الأخيرة.

في مقاربة حركة الاحتجاجات الأخيرة مقابل الاحتجاجات الماضية، فإن هذه الحالة تجاوزت ما يتعلق بالمطالبة بالحقوق وتحسين الوضع الاقتصادي، إلى تهديد النظام ووجوده، ولهذا استطاع النظام الإيراني حشد الأطراف السياسية الإصلاحية والمحافظة خلف قرار مواجهة الاحتجاجات، باعتبارها خطراً وجودياً يهدد الجميع، مما أدى لتعرض المحتجين من كل المكونات للقمع.

- المواقف الدولية

يبدو أن الموقف الأوروبي والأمريكي من الاحتجاجات الإيرانية متبايناً؛ فالموقف الأمريكي من أقوى المواقف تأييداً للاحتجاجات الإيرانية، حيث صعَّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في خطابه الذي وصف فيه النظام الإيراني بأنه "وحشي وفاسد"، ووعد بتوفير الدعم الأمريكي للشعب الإيراني "في الوقت المناسب"، على حد قوله، على خلاف الموقف الأوروبي الذي كان أقل حدة، وركز على احترام حقوق الإنسان، حيث استنكرت الممثلة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، "الخسائر غير المقبولة في الأرواح"، داعية "جميع الأطراف المعنية" إلى الامتناع عن "أي عمل عنف"، كما أعرب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن قلقه إزاء عدد الضحايا، ودعا إلى "ضبط النفس والتهدئة"، وقريباً من الموقف الفرنسي كان موقف وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل، ووزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون.

وبخصوص الدعم الأوروبي للاحتجاجات يرى خبير الشؤون الإيرانية في مجموعة (إيريس) الفرنسية للبحوث، تييري كوفيل، أن "الاتحاد الأوروبي يبدي حكمة، لكن المهم هو المجتمع المدني الإيراني، والطريقة الفضلى لدعمه تكمن في استهداف التحسين الاقتصادي لا صب الزيت على النار، فالمعتدلون الإيرانيون لديهم الكثير ليخسروه في هذه الأزمة، فيما قد يكسب المتشددون الكثير"، وفي نفس السياق كتبت صحيفة "ذا تايمز" البريطانية، إنه "ليس من الحكمة أن يدعم الغرب، وخصوصاً الرئيس دونالد ترامب، المحتجين؛ لأن هذا الموقف قد يصب في مصلحة الصقور"، وأضافت الصحيفة: "أفضل ما يمكن فعله هو الانتظار وترك هذا النظام المعتل يكشف عن طبيعته الحقيقية".

الموقف التركي جاء على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، الذي أكد أن بلاده تأمل أن تنتهي المظاهرات الشعبية المستمرة في إيران، وأن يعود الاستقرار إليها في أقرب وقت ممكن. في حين لا تستبعد روسيا أن تكون قوى خارجية وراء تدهور الأوضاع في إيران، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الروسية.

وأمام الاتهامات الإيرانية المتكررة لدول خليجية بدعم الاحتجاجات، جاء رد دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى لسان وزير خارجية البحرين، الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، الذي أكد عدم تدخلها في الشؤون الداخلية لإيران.

خاتمة

إضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي تعيشه إيران لا يستبعد مراقبون أن هناك أسباباً داخلية وأخرى خارجية للاحتجاجات، ولكن بعد حالة القمع الشديدة يُتوقع خفوت الاحتجاجات على المدى القريب، مع إمكانية تجددها على المدى البعيد في حال استمر الوضع الداخلي على ما هو عليه، لأسباب لعل منها تجذر الحالة الاحتجاجية في إيران، إضافة للتباينات الاجتماعية والسياسية داخل الشعب، والتي تشعر من خلالها بقية المكونات بالمظلومية نتيجة استئثار لون واحد بالسلطة والثروة، إضافة إلى الاستراتيجية التوسعية لدى إيران، التي تأتي في إطار تعزيز الدور الإيراني، رغم الكلفة السياسية والاقتصادية لذلك.

في المقابل فإن إمكانية خفوت الاحتجاجات وعدم عودتها على المدى القريب تعززها حالة القمع التي تعرض لها المحتجون، وحملة الاعتقالات التي طالت كل من له علاقة بهم، تحت مبرر مواجهة التدخلات الخارجية، وخوف الشعب من الفوضى وانعدام الأمن، وتعاطف بعض المواطنين مع النظام الذي يواجه عقوبات دولية، إضافة لاقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي من المقرر أن تُجرى في فبراير/شباط 2020 وحتى أبريل/نيسان من نفس العام، وهو ما سيُحَول جزءاً من الغضب باتجاه الاستعداد للانتخابات، وربما يُشترط لذلك إقدام الحكومة الإيرانية باتجاه تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية التي ستسهم في تخفيف التوتر الشعبي، إضافة إلى توجه الحكومة الإيرانية لتهدئة التوتر مع أمريكا حسب المقترحات الرئاسية، التي لا تزال تلقى رفضاً قاطعاً من المرشد الأعلى. 

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية