التدخلات الروسية في ليبيا والتحذيرات الأمريكية ... الدوافع وحدود التأثير

وحدة الرصد والتحليل
10 يونيو 2020
تحميل نسخة pdf

مقدمة

في السادس والعشرين من مايو/أيار 2020 أعلن رئيس القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، ستيفن تونسيند، أن روسيا أرسلت مقاتلات إلى ليبيا لدعم قوات خليفة حفتر، وأورد الإعلان أن المقاتلات غادرت روسيا إلى سوريا أولاً، وهناك أعيد طلاؤها لتمويه أصلها الروسي، ثم توجهت إلى ليبيا.

وزارة الدفاع الأمريكية قالت، على لسان المتحدث باسمها جوناثان هوفمان، إن هذه القوات "تمركزت في قاعدة الجفرة وسط البلاد، وعددها 14 مقاتلة، وهي مزيج من سوخوي 24 وميغ 29".

الدعم الروسي لقوات حفتر تُنكره روسيا باستمرار، رغم الدلائل الواضحة على هذا التدخل، وحتى التصريحات الأخيرة رفضتها روسيا، وأعلن فلاديمير دزاباروف، النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الاتحاد الروسي، أن "موسكو لم ترسل عسكريين إلى ليبيا، وأن مجلس الاتحاد الروسي لم يتلقَّ طلباً بالموافقة على إرسال قوات إلى هناك".

التصريحات الأمريكية حذرت من تكرار التجربة السورية في ليبيا، وهي تحمل في طياتها تحولاً سياسياً في الملف الليبي يعكس التقدم العسكري الذي تحرزه حكومة الوفاق، وتطرح عدداً من الأسئلة حول دوافع التدخلات الروسية، وحدودها، ودلالات التحذيرات الأمريكية، ومدى تأثير كل منهما في الملف الليبي.

أولاً: الدوافع الروسية وحدود التأثير

تكتسب ليبيا بعداً استراتيجياً في البحر الأبيض المتوسط، وموقعاً استراتيجياً هاماً يربط الشرق والغرب، وتتوفَّر على ثروات نفطية هائلة جعلتها مطمعاً لكثير من الدول في إطار صراع النفوذ الذي تمارسه الدول العظمى.

1- الدوافع الروسية السياسية والعسكرية

تعود العلاقة الروسية مع ليبيا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وحينها حاول القائد الثاني للاتحاد السوفييتي، جوزيف ستالين، الاتفاق على انتداب روسي على طرابلس لكنه لم يفلح. واستمرت علاقتها بنظام القذافي، موقِّعة معه عدداً من الاتفاقيات، كان منها اتفاقية صفقة السلاح عام 2008، سُمح بموجبها للسفن التابعة لسلاح البحرية الروسي باستخدام ميناء بنغازي. وبعدها ألغت موسكو معظم ديون ليبيا مقابل عقود مرتبطة بالنفط والغاز والأسلحة والسكك الحديدية.

ثم أضعف حلف الناتو، الذي دخل على خط الأزمة بعد الثورة الليبية في 2011، التدخل الروسي، إلى أن جاء خليفة حفتر وبدأ نسج تحالفاته مع القادة الروس، واستفاد من الدعم العسكري الروسي في انقلابه على حكومة الوفاق.

تحرص روسيا على التمدد في الفراغات المتاحة، والاستفادة من الأزمات المشتعلة في المنطقة لتقوية نفوذها، وزيادة سيطرتها في المنطقة، ولهذا تسعى لتأمين عدد من الأهداف الاستراتيجية في ليبيا؛ ومنها:

1.  تسعى روسيا لتأمين أكثر من مركز للوحدات البحرية التابعة لها، ومحطة إمداد للسفن الروسية في البحر المتوسط، ولهذا تدرك أهمية ليبيا في البحر الأبيض المتوسط، وتمكُّنها من تحقيق نفوذ في ليبيا يكسبها نفوذاً في أوروبا وإفريقيا بشكل عام. وتشكل الموانئ البحرية الليبية، وخصوصاً طبرق ودرنة، مركزاً لوجستياً وجيواستراتيجياً للقوة البحرية الروسية يربطها بطرطوس السورية.

2.  ترى روسيا في خليفة حفتر حليفاً مناسباً للمحافظة على مصالحها في ليبيا، وجاء تدخلها في ليبيا في مقابل سماح حفتر لها بالاستفادة من مصادر الطاقة الليبية، إضافة إلى تقديم حفتر طلباً إلى روسيا بفتح قاعدة عسكرية في ليبيا، وفق ما صرح به رئيس لجنة الاتصال الروسية المعنية بتسوية الأزمة الليبية، ليف دينغوف، حسب وكالة سبوتنيك الروسية.

3.  السيطرة على ليبيا معناها السيطرة على طريق اللاجئين إلى أوروبا، ومن ثم تمتلك روسيا ورقة الهجرة، وتظل عصا قوية تلوِّح بها باتجاه أوروبا.

4.  تأمينُ مصالحها في سوريا، واستخدامُ ليبيا ورقة للمقايضات السياسية، خصوصاً أن بعض الحاضرين في الملف الليبي هم أنفسهم الموجودون في سوريا.

2- حدود التأثير الروسي المباشر وغير المباشر وإمكانية تلاشيه

التدخلات الروسية لدعم الانقلاب في ليبيا على حكومة فايز السراج المعترف بها دولياً بدأت تظهر للعلن من بعد عام 2017، حينما قامت روسيا بمعالجة عدد من جرحى قوات حفتر، وفي العام الذي تلاه أرسلت عدداً من المجاميع المسلحة للمقاتلة إلى جوار قوات خليفة حفتر، بواسطة شركات عسكرية خاصة، أشهرها مرتزقة "فاغنر"، التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتتولى هذه الشركة تنفيذ عدد من المهام الخارجية.

الحرص الروسي على دعم خليفة حفتر عسكرياً بطريقة غير مباشرة، وتمويه المقاتلات الروسية القادمة إلى ليبيا، والاستعانة بقوات غير رسمية، يعود إلى عدد من الأسباب، لعل منها:

1.  الحضورُ العسكري غير المباشر من خلال شركة (فاغنر) يعد استراتيجية خاصة ببوتين في كثير من الدول، حيث أسهمت هذه الشركة في ضم القرم، والانخراط مع الانفصاليين في أوكرانيا، والحضور في سوريا، قبل حضورها الواضح في ليبيا.

2.  تحاول موسكو التهرب من المسؤولية القانونية والعقوبات الدولية المترتبة على أنشطة هذه المجاميع.

3.  إمكانية تقديم روسيا نفسها وسيطاً في الحرب، أو رعاية أي اتفاقية قادمة، دون التخلي عن هذه المجاميع، وبإمكانها كذلك التصعيد من خلال هذه المجموعات لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها.

4.  تباين وجهات النظر الروسية تجاه الملف الليبي بين وزير الخارجية سيرغي لافروف، الداعم للحل السياسي، ووزير الدفاع سيرغي شويغو، الداعم لحفتر، يجعل من الدعم العلني لحفتر شيئاً سابقاً لأوانه.

3- عوامل تعزز من الحضور الروسي في ليبيا

1.  التعامل المباشر مع بعض دول الإقليم التي لها علاقة مباشرة بالملف الليبي، وخصوصاً مصر والإمارات، وهذا التحالف شكل جسراً للتدخلات الروسية في ليبيا، ومن ثم فإن أحد محركاتها للحرب في ليبيا رغم انتفاء الطابع الشرعي عليها- وفق ما يتوقع مراقبون- هو أن هناك دعماً مالياً تتلقاه روسيا، واستخدامها لشركات خاصة قد يكون إشارة إلى ذلك، والتأييد الروسي السريع لمبادرة السيسي يفسر حجم التنسيق بين هذه الدول.

2.  الاستفادةُ من ضعف الدور الأوروبي في ليبيا وغياب الدور الأمريكي، وبهذا استطاعت روسيا أن تتبنى الملف الليبي سياسياً من خلال استضافة الحوار بين أطراف النزاع، والدعم العسكري غير المباشر لحفتر.

3.  حرص بعض القوى على إسقاط حكومة الوفاق بوصفها امتداداً لثورات الربيع العربي.

وقد كشف فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات في الأمم المتحدة، في مايو/أيار المنصرم، عن استجابة الجانب الروسي لمعظم طلبات حفتر، والمتمثلة في:

1.  تقديم التوصيات لتعزيز نفوذ حفتر، وتزويده بتحليل سياسي للأوضاع، ودعمه إعلامياً.

2.  إجراء مفاوضات سرية بينه وبين أطراف ليبية أخرى أشهرها سيف الإسلام القذافي.

3.  تقديم دعم عسكري وفني لحفتر يضمن العمل على صيانة 536 مركبة عسكرية.

روسيا تعرف جيداً السلوك الأمريكي، واستمرارها سابقاً في الحضور السياسي المباشر والعسكري غير المباشر الفاقد لغطاء الشرعية ربما يعني أن أمريكا كانت تغض الطرف لحسابات خاصة، ومن الممكن أن يتلاشى هذا الحضور، وخاصة العسكري، مع إمكانية الحضور الأمريكي الغائب عن الساحة الليبية في المرحلة السابقة.

ثانياً: الدوافع الأمريكية وحدود التأثير

مبررات التدخل الأمريكي في الملف الليبي ربما أعمق من المبررات الروسية وأكثر استدعاء من طرفي النزاع، إلا أن الروس أكثر حضوراً من الجانب الأمريكي، والموقف الأمريكي يعد موقفاً متذبذباً؛ وثمة من يراه تخلياً لحساب الدور الأوروبي، وآخرون يرونه محاولة لتوريط كلٍّ من روسيا وتركيا في الملف، وفي التغاضي الأوروبي والأمريكي عن بيع الأسلحة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى ليبيا ما قد يؤكد ذلك، لكن المتغير على الساحة السياسية هو تلك التصريحات الجديدة للقيادة الأمريكية.

1. الدوافع والمخاوف الأمريكية

تصريحات القيادة العسكرية الأمريكية في شمال إفريقيا حملت موقفاً واضحاً، وقد جاءت متتابعة ومتزامنة مع عدد من التصريحات والإجراءات، ومنها:

1.  تصريحات السفير الأمريكي في ليبيا، ريتشارد نورلاند، التي قال فيها: إن "الولايات المتحدة تريد أن ترى نهاية للهجوم الذي تشنُّه قوات حفتر على طرابلس، ووقفاً دائماً لإطلاق النار، وحلاً سلمياً تفاوضياً للنزاع"، واصفاً ما يحدث في ليبيا بأنه "حرب إقليمية بالوكالة".

2.  مطالبة أمريكا الدول الأعضاء في مجلس الأمن بالمساعدة في سحب المرتزقة من ليبيا، وضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

3.  تصريحات القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا عن إمكانية نشر قواتها في تونس، على خلفية الأنشطة العسكرية الروسية في ليبيا.

4.  تصريحات الخارجية الأمريكية أن مالطا ضبطت ما يعادل 1.1 مليار دولار من الدينار الليبي المزور، طبعته شركة حكومية روسية لحساب حفتر، مؤكدة أن البنك المركزي الذي تديره حكومة الوفاق هو البنك الشرعي في ليبيا.

التغير الذي حدث جاء بعد التطورات الجديدة على المشهد العسكري الذي من خلاله بدأت ترجح كفة حكومة الوفاق، من جهة، والمحاولات الروسية في مضاعفة دعمها لحفتر، من جهة أخرى، ولعل التصريحات الأمريكية لها أسباب متعددة تدور حول بُعدين بعد عسكري وآخر اقتصادي.

-  البعد العسكري

سبق أن شاركت أمريكا في حملة عسكرية لضرب مواقع تنظيم الدولة في سرت عام 2016، وهي لا تثق بالإرادة الروسية لمواجهة هذه المجموعات، كما هو واضح في سوريا، ولهذا قد يرى بعضهم أن هذه التصريحات مقدمة لدراسة إمكانية التدخل العسكري، مع أن ذلك يبدو مستبعداً حالياً.

يمكن كذلك أن تقرأ هذه التصريحات في سياق التقدم الذي تحرزه حكومة الوفاق، إضافة إلى أنه قد يكون دلالة على رغبة أمريكية في إعادة التموضع العسكري في شمال إفريقيا، وخصوصاً بعد الاتصالات العسكرية مع تونس.

-  البعد الاقتصادي

تعد روسيا المصدر الأكبر للغاز إلى أوروبا، وهذا الدور يلقى معارضة أمريكية شديدة، وعقوبات مفروضة على الشركات المساهمة في بناء خط أنبوب الغاز الروسي "نورد ستريم 2"، الذي يعزز من النفوذ الروسي في أوروبا. وسيطرةُ روسيا على الغاز الليبي معناه خنق أوروبا من الجنوب، وهذا النفوذ تسعى أمريكا للحد منه.

2. حدود التأثير الأمريكي في الملف الليبي

التأثير الأمريكي في الملف الليبي تنامى في عهد الرئيس أوباما، الذي دفع لإصدار قرار مجلس الأمن رقم 1970 الذي أتاح التدخل العسكري لإسقاط القذافي، ثم بعدها ما يتعلق بملف الإرهاب، ما سوى ذلك يعد الحضور الأمريكي، باستثناء التصريحات الأخيرة، ضعيفاً سياسياً وغائباً عسكرياً، ويحكمه ربما محددان رئيسيان:

-  زيادة النفوذ الروسي وضعف الحضور الأوروبي

دعمت أمريكا سابقاً الجهود الأوروبية في ليبيا، لكن الدور الأوروبي في ليبيا ضعيف مقارنة بالحضور الروسي الدبلوماسي والعسكري، والموقف الأوروبي المتناقض، وخاصة الفرنسي، بين التصريحات المؤيدة لحكومة الوفاق، والدعم العسكري بطريقة غير مباشرة لحفتر عن طريق مصر والإمارات، يمكن أن يقرأ في إطار صراع النفوذ في المنطقة والحرص على الاستفادة من طرفي النزاع، هذا الضعف الأوروبي يرجح ألا تسمح أمريكا لروسيا بزيادة الحضور العسكري في ليبيا؛ لأن ذلك يؤدي إلى زيادة النفوذ الروسي من خلال السيطرة على طريق الهجرة الدولية لأوروبا، والتحكم في النفط الليبي، وزيادة الحضور في شمال إفريقيا، إضافة إلى الآثار الأخرى الداخلية والخارجية المتعلقة بسيطرة روسيا على البحر المتوسط.

-  استحالة التدخل العسكري المباشر

التصريحات الأمريكية المؤيدة لحكومة الوفاق لم يرافقها موقف عملي من حفتر، وإن كانت تعلن معارضتها لتقدم قواته، وربما لن يكون هناك تدخل عسكري مباشر إلا إذا وقع استهداف حقيقي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؛ المتمثلة بالنفط ومحاربة الإرهاب ومواجهة التوسع الصيني الروسي، وأصبح من غير الممكن تسوية ذلك بطرق أخرى غير التدخل العسكري.

دخول أمريكا على الخط قد يخلط الأوراق السياسية الروسية، وفي حال كان هناك تنسيق سياسي بين الجانبين، الأمريكي والتركي، فقد يحدث تقدم على مستوى قوات حكومة الوفاق، خصوصاً أن تركيا تدخلت في ليبيا بدعم من الناتو، التي تعد أمريكا القوة الأولى فيه، ومن المتوقع أن يتنامى الدور الأمريكي في ليبيا سياسياً في المرحلة القادمة.

خاتمة

قد تشجع أمريكا الحل السياسي في ليبيا لقطع الطريق على روسيا، وفي حال ضمنت روسيا بعض مصالحها فمن المحتمل أن تضحي بحفتر، خصوصاً إذا قبلت الأطراف الليبية بالمبادرة التي أعلنها عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، بطلب من روسيا، أو جرى التعديل على مبادرة السيسي التي تتلقى رفضاً كبيراً، لكن مع كل ذلك ربما يعد الحل السياسي من أفضل الحلول بالنسبة إلى الملف الليبي، كما أن الأطراف الخارجية قد لا تمانع من أي حل جديد، وخاصة روسيا، التي تواجه رفضاً أمريكياً وأوروبياً.

موازين القوى على الأرض تتجه لمصلحة حكومة الوفاق بعد تحرير قاعدة الوطية ومطار طرابلس والسيطرة الكاملة على المناطق التابعة لطرابلس، وإعلان السيطرة على مدينة ترهونة، واقتراب قوات حكومة الوفاق من سرت، إضافة إلى التحركات الخارجية لأطراف النزاع بين أنقرة والقاهرة وموسكو، وإعلان الأمم المتحدة أن الجانبين وافقا على استئناف محادثات وقف إطلاق النار؛ كل تلك المؤشرات ربما ترجح إمكانية الدخول في مفاوضات سياسية، وقد تفضي هذه المفاوضات إلى حل سياسي؛ لكن ذلك مرهون بمدى قدرة أي من هذه الأطراف على فرض خياراته على الأرض، ومع هذا فقد تخفق كل المحاولات وتتحول ليبيا إلى نقطة اشتباك دولية.