AR EN

التقارب السعودي اليوناني الأخير.. الدوافع والتوقعات

وحدة الرصد والتحليل
10 فبراير 2020
تحميل نسخة pdf

مقدمة

في الثالث من فبراير/شباط الجاري عقد الملك سلمان بن عبد العزيز جلسة مباحثات رسمية مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، تناولت الجلسة مناقشة مجالات العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها ودعمها، إضافة إلى التباحث في مستجدات الأحداث في المنطقة.

يأتي هذا اللقاء في ظل تجاذبات واستقطابات حادة تشهدها منطقة شرق البحر المتوسط عقب الاتفاق التركي الليبي الذي وُقِّع في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إذ عقب هذا الاتفاق عُقدت قمة أثينا الثلاثية في مطلع يناير/كانون الثاني 2020، التي ضمت كلاً من قبرص واليونان والكيان الصهيوني في حين غابت مصر.

 هدفت قمة أثينا إلى مناقشة تأسيس مشروع خط أنابيب (إيست ميد)، الذي يُراد منه نقل الغاز الطبيعي بداية من عام 2025 إلى القارة الأوروبية. ويأتي هذا التقارب كذلك في ظل فتور العلاقات السعودية- التركية التي ازداد توترها عقب قمة كوالالمبور الإسلامية التي نفذت في نهاية عام 2019، وقبل ذلك مقتل خاشقجي في السفارة السعودية في إسطنبول في نهاية عام 2018.

على الرغم من أن منطق الجغرافيا يشير إلى عدم وجود خطوط تماس مع المصالح السعودية في منطقة شرق المتوسط فقد جاء الدعم السعودي للجانبين القبرصي واليوناني ليؤكد وجود ملفات أخرى- بعيدة عن تشابك المصالح الجغرافية- بين البلدين.

وقد تسارعت وتيرة الزيارات واللقاءات الرسمية بين الرياض وأثينا مؤخراً على نحو لافت ومفاجئ، وهو ما أثار تساؤلات حول دوافع هذا التقارب وحدوده، وهو ما ستحاول هذه الورقة الإجابة عنه.

سياقات التقارب السعودي- اليوناني

 شهدت الأشهر القليلة الماضية تزايد عدد الزيارات المتبادلة بين السعودية واليونان، على مستوى وزراء الخارجية، وانتهت باللقاء الذي جمع الملك سلمان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في 3 فبراير/شباط 2020، وبالرغم من تبادل هذه الزيارات فلم يُكشف عن اتفاقيات عملية، حتى الآن على الأقل.

ابتدأ هذا التقارب منذ وقت طويل يعود إلى عام 1965؛ يوم غادر الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود إلى أثينا لتلقي العلاج وتوفي هناك، بعد ذلك ابتدأ التعاون بين البلدين في المجال الاقتصادي منذ توقيع "اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني" في عام 1986، وبموجب هذه الاتفاقية ابتدأت حركة الاستيراد والتصدير بين البلدين بما يعزز من مصالحهما الاقتصادية، إذ حقق الميزان التجاري بين المملكة واليونان فائضاً لمصلحة المملكة العربية السعودية يقدر بنحو 5664 مليون ريال سعودي عام 2010.

تشير تقارير إلى أن التقارب السعودي اليوناني له علاقة بالعلاقة المتوترة بين المملكة العربية السعودية وبين تركيا على إثر قضية خاشقجي، من جهة أخرى ترى المملكة أن التدخلات التركية في المنطقة ازدادت، خصوصاً بعد توقيع الاتفاقية التركية- الليبية التي قد تعزز من النفوذ التركي في المنطقة العربية، ومن هنا جاء تقاربها مع اليونان التي تحمل نفس التخوفات من الوجود التركي في منطقة شرق المتوسط.

إذ تعد منطقة شرق المتوسط منطقة صراع حول الطاقة؛ نتيجة لتوزع جغرافيتها بين دول مختلفة في توجهاتها السياسية. فوفقاً لبيانات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية تعوم منطقة شرق المتوسط على بحيرة من الغاز يقدر مخزونها بنحو 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، و1.7 مليار برميل من احتياطيات النفط، تقدر حصة مصر من هذه الثروة بنحو 850 مليار متر مكعب، ولقبرص 140 مليار متر مكعب، أما الكيان الصهيوني فيستحوذ على 310 مليارات متر مكعب لكونه أول طرف عثر على هذا المخزون في العام 2009.

عُقدت جملة من الاتفاقيات بين دول منطقة شرق المتوسط للحفاظ على مصالحها المشتركة، أبرزها اتفاقية ترسيم الحدود بين قبرص والكيان الصهيوني عام 2010، وكذلك اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص عام 2013؛ وهو ما رفضته تركيا بوصفه انتهاكاً لحقوقها الاقتصادية، وذلك دفعها إلى التنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص التركية على اعتبار أن ذلك من حقها وفقاً للقانون الدولي.

أمام تلك التحركات التركية أنشأت كل من مصر والكيان الصهيوني واليونان وقبرص والأردن وإيطاليا وفلسطين منتدى أطلق عليه اسم (غاز شرق المتوسط)، مستثنياً تركيا من حضوره. وهدفَ هذا المنتدى إلى إقامة سوق إقليمية للغاز، وخفض تكاليف البنية الأساسية، وتقديم أسعار تنافسية في نطاق جهود لتحويل المنطقة إلى مركز كبير للطاقة. ونظراً لاستثناء تركيا من هذا المنتدى فقد عمدت إلى اتخاذ إجراءات وتحركات كان آخرها توقيع مذكرات لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

مثّل هذا الاتفاق منعطفاً حقيقياً في تاريخ المنطقة، خصوصاً أنه عُدَّ مصدر تهديد حقيقي لبعض دول المتوسط كاليونان وقبرص اليونانية، اللتين سارعتا لعقد قمة ثلاثية مع الكيان الصهيوني بهدف التباحث حول الدور التركي في المنطقة، وآليات خلق توازن أمني اقتصادي بين هذه الدول، وهو ما تمثل في مشروع خط أنابيب (إيست ميد) الذي يهدف إلى تعزيز فرص التعاون بين هذه الدول في الجانب الاقتصادي والأمني أمام المشروع التركي- الروسي.

دوافع التقارب السعودي- اليوناني

ينطلق موقف السعودية بتقاربها مع اليونان من جانبين أساسيين، الأول يتعلق بحالة التنافس الشديد بينها وبين تركيا ورغبتها في ممارسة دور إقليمي، إذ ترى المملكة أن الدور التركي تنامى في المنطقة العربية، خصوصاً بعد افتتاحها لقواعد عسكرية في قطر إضافة إلى عملياتها في الشمال السوري، وتقاربها مع حكومة السراج المنتمية لحراك التغيرات التي أعقبت الربيع العربي.

من جهة أخرى تشير تصريحات رسمية سعودية إلى أن تقاربها مع كل من قبرص واليونان يأتي في ظل استراتيجيتها الجديدة الهادفة إلى تنويع خارطة حلفائها في المنطقة، إذ حاولت السعودية أن تعزز تقاربها مع اليونان من خلال تقاربها مع قبرص عبر تعيين أول سفير سعودي مقيم في نيقوسيا، إضافة إلى أول زيارة قام بها وزير الخارجية الأسبق إبراهيم العساف إلى قبرص اليونانية في 11 سبتمبر/أيلول 2019، التي هدفت إلى تأكيد رغبة المملكة بتفعيل تأثيرها الدبلوماسي بما يضمن حماية مصالحها السياسية والاقتصادية، خصوصاً في ظل التجاذبات والاستقطابات الحادة التي تنعكس على موازين القوى في المنطقة بسبب التنافس والصراع الشديد في شرق المتوسط.

في حين يتلخص الموقف اليوناني في التقارب مع السعودية في رغبتها في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين نظراً لما تتمتع به السعودية من قدرات مالية كبيرة، خصوصاً أنها تعاني من تدهور حاد في الجانب الاقتصادي. من جانب آخر تربط اليونان بين دوافعها الاقتصادية والأمنية، فمن خلال تحالفها مع كيانات أخرى تعزز قدراتها الاقتصادية ستتمكن من الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية أمام التهديدات التركية.

تحديات التقارب السعودي- اليوناني

تواجه حالة التقارب بين السعودية واليونان جملة من التحديات، بعضها يتعلق بالجانب الجغرافي، وبعضها يتعلق بالجانبين الاقتصادي والسياسي.

التحدي الاقتصادي

تهدف اليونان- بالتعاون مع دول أخرى من شرق المتوسط- إلى إنشاء مشروع خط أنابيب غاز شرق المتوسط (إيست ميد)، الذي سيكلف نحو ستة مليارات دولار، وقد يستغرق إنجازه ثمانية أعوام، لإقامة أنبوب بحري بطول 1300 كيلومتر من حقل الغاز شرقي البحر المتوسط حتى جنوب اليونان، وأنبوب بري بطول ستمئة كيلومتر باتجاه غرب اليونان، بحيث يرتبط بأنابيب قائمة من أجل نقل الغاز إلى إيطاليا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

وتشير التقديرات الأولية إلى أنه سيُنقل عبر الخط البحري نحو عشرة مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً، فيما ذكرت دراسات أن المياه الإقليمية الإسرائيلية تحتوي على مخزون يبلغ 2.2 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويتوقع أن يصل هذا الرقم إلى ثلاثة تريليونات متر مكعب خلال السنوات المقبلة.

يشير التقارب بين البلدين إلى أن أثينا قد تسعى لاستمالة المملكة لتكون أحد داعمي هذا المشروع؛ نظراً لقدراتها المالية، غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل بأنه ليس من مصلحة المملكة العربية السعودية أن تدعم إنشاء سوق طاقة في منطقة شرق المتوسط؛ لأن هذا سيضر بمصالحها الاقتصادية في سوق الطاقة.

التحدي الجغرافي

يعد العامل الجغرافي أحد أبرز التحديات التي ستواجه التقارب السعودي- اليوناني، إذ إن للعامل الجغرافي منطقه المتمثل بتسويغ تقديم التعاون الاقتصادي أو حتى التدخل المباشر في حالة وجود تهديد أمني، لكن كما هو معلوم فإن المجال الجغرافي بين البلدين يجعل مسألة تشابك المصالح الأمنية مستبعدة إلى حد ما، ومن هنا قد ينظر إلى أن هذه العلاقة مؤقتة ببعدها الأمني والسياسي، وبأنها ترتبط بشكل أساسي بحالة المناكفات السياسية بين المملكة وتركيا، وبين التهديدات الأمنية والاقتصادية بين اليونان وتركيا، وفيما عدا هاتين الحالتين فإن لكل من المملكة العربية السعودية واليونان اهتماماتهما الأمنية والاقتصادية المتباينة والمتعلقة بنطاقهما الجغرافي.

-  التحدي السياسي

يواجه التقارب السعودي- اليوناني تحدياً سياسياً متمثلاً في حال رفض المعارضة اليونانية، التي اعترضت على مسألة إرسال اليونان صواريخ باتريوت أمريكية الصنع إلى السعودية، إذ تعد هذه الخطوة هي الأولى من نوعها لليونان خارج مجالها الجغرافي، وهو ما تراه المعارضة لا يصب في مصلحة اليونان، إذ إن لها ملفات وقضايا أجدر بالاهتمام بدلاً من التوسع في نطاقات جغرافية أخرى قد لا تكون لها علاقة مباشرة بالأولويات السياسية والأمنية لليونان في ظل التحديات التي تواجهها منطقة شرق المتوسط.

وعلى الرغم من أن خطوة التقارب مع اليونان تأتي ضمن الاستراتيجيات السياسية الجديدة التي تتبعها المملكة، إذ قد يمثل هذا التقارب فرصة للسعودية لتوسع نفوذها الإقليمي خارج مجالها الجغرافي، لكنه سيمثل في نفس الوقت تحدياً كبيراً، خصوصاً أن لديها عدداً كبيراً من الملفات المفتوحة في المنطقة، وعلى رأسها الحرب في اليمن.

خاتمة

التقارب السعودي اليوناني في جانبه الاقتصادي ابتدأ منذ وقت مبكر؛ نظراً لأن قطاعاً كبيراً من الاقتصاد اليوناني يقوم على واردات زيوت النفط الخام الذي يعد أبرز صادرات المملكة العربية السعودية، غير أن التعاون في الجانبين الأمني والسياسي أخذ موقعه الأساسي في هذا التقارب في الفترة الأخيرة نظراً للتغيرات الأمنية والسياسية المستجدة في منطقتي الشرق الأوسط وشرق المتوسط، إذ جاءت الزيارة الأخيرة كرد على الاتفاقية التركية- الليبية التي تعزز النفوذ الأمني والاقتصادي لتركيا في المنطقة، وهو ما تعده كل من السعودية واليونان مصدر تهديد لمصالحهما السياسية والاقتصادية.

فمن خلال هذا التقارب تسعى المملكة العربية السعودية لتعزيز نفوذها الإقليمي من خلال زيادة حضورها في مختلف ملفات المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بمستجدات الصراع حول الطاقة التي ستشكل واقع وطبيعة الصراع في المرحلة القادمة، كما أنها من خلال هذا التقارب تسعى لخلق حالة من توازن القوى في شرق المتوسط، وهو ما سينعكس على النفوذ التركي في المنطقتين العربية ودول شرق المتوسط، في حين ستستفيد اليونان من هذا التقارب في حال تمكنت من ضم المملكة للجهات الداعمة لإنشاء مشروع (إيست ميد).

وبالنظر إلى واقع الفرص والتحديات التي تواجه حالة التقارب السعودي- اليوناني يتضح أنها أقرب للإجراء التكتيكي منه إلى الاستراتيجي، إذ إن منطق البعد الجغرافي والتنافس الاقتصادي سيؤثر لا محالة في طبيعة هذه العلاقة على المدى البعيد، ومن هنا قد تستمر العلاقة القديمة بشقها الاقتصادي لكن ليس بالضرورة أن تستمر طويلاً على المستويين الأمني والسياسي.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية