الصراع الليبي في ظل الاتفاقية التركية الليبية.. إلى أين؟

وحدة الرصد والتحليل
25 ديسمبر 2019

مقدمة

اشتدت وتيرة المعارك العسكرية في الداخل الليبي عقب الاتفاق التركي الليبي الذي وُقِّع في السابع من ديسمبر/كانون الأول الجاري، فمن جهة سارعت حكومة الوفاق الليبية، بقيادة السراج، إلى المصادقة على طلب الدعم الفني واللوجستي من تركيا، استناداً إلى مذكرة التفاهم الأمني والعسكري التي وقعها الطرفان في وقت سابق، وهو ما أثار حفيظة القوى الإقليمية التي تدعم قوات حفتر الذي يقود معركته منذ 4 أبريل/نيسان المنصرم لإسقاط حكومة الوفاق في طرابلس؛ ومن جهة أخرى صادق البرلمان التركي على مذكرة التعاون الأمني والعسكري يوم السبت 21 ديسمبر/كانون الأول الجاري، وهو ما يمهد الطريق لتلبية دعوة فائز السراج وتقديم دعم عسكري تركي لحكومة الوفاق في طرابلس.

زامن هذه المصادقة هجومٌ شنته قوات حفتر على مدينة مسلاتة، مستعينة بطائرات مسيرة إماراتية، وهو ما يشير إلى أن الاتفاقية سيكون لها انعكاساتها على العمليات الميدانية في الداخل الليبي.

يبحث تقدير الموقف في انعكاسات الاتفاق على الصراع الجاري في ليبيا، وما هي تأثيراته على البعدين السياسي والعسكري في الداخل الليبي.

الصراع الليبي في ظل الاتفاقية التركية الليبية

منذ أن توجهت قوات حفتر من جنوب ليبيا إلى المدن الغربية، في الرابع من أبريل/ نيسان الماضي، لم تتمكن من حسم المعركة، إذ إن الجغرافية العسكرية انقسمت بين القوات الموالية للواء المتقاعد حفتر، وبين القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية.

ومنذ أن أعلن حفتر معركته على طرابلس تمكن من السيطرة على مدينة غريان المحاذية لطرابلس من جهة الجنوب، وناصره قادة قوات عسكرية متمركزة في كل من مدينتي الرجبان والزنتان القريبتَين من مدينة غريان، كما والته مدينة صرمان المحاذية للعاصمة طرابلس من جهة الغرب حينها، لكنها لم تشترك في المعارك بسبب طابعها الأمني الذي يمنعها من خوض المعارك مع حفتر، من جهة أخرى دعمته القوات المسلحة التابعة لكتيبة الوادي المدخلية المتمركزة في مدينة صبراتة.

بالمقابل اعتمدت حكومة الوفاق على مجموعة من القوات العسكرية المتمركزة في العاصمة وفي المدن التي ترفض مشروع حفتر العسكري، وعلى رأسها قوات أسامة الزنتاني، قائد القوات التابعة للمنطقة العسكرية الغربية، المتمركزة في مدينتي طرابلس والزاوية، وقوات حماية طرابلس المتمركزة في أطراف العاصمة، والمعتمدة على السلاح الذي تمتلكه مدينة مصراتة التي سيطرت على نصف السلاح الذي تركه القذافي، ومن جهة أخرى تدعمها قوات المجلس العسكري للزنتان، والقوات العسكرية المتمركزة في مدينة الزوارة الواقعة على حدود تونس، كما تحصل حكومة الوفاق على دعمها من القوات المتمركزة من منطقتي جادو ونالوت المكونة من أمازيغ جبل نافوس الغربي والمعروفة بامتلاكها عتاداً حربياً نوعياً كالدبابات والأسلحة الثقيلة.

على الرغم من الاعتراف الدولي والدعم الداخلي الذي تحظى به حكومة الوفاق واجهت صعوبات جمة في الجانبين الأمني والعسكري؛ نتيجة دخول البعد الإقليمي والدولي الداعم لحفتر، المتمثل بالدور الإماراتي والسعودي والمصري، إضافة إلى الدور الأردني والسوداني، وأخيراً الروسي، وهو ما دفعها للسعي من أجل إعادة توازن القوى من خلال التحالف مع تركيا المعارضة للمشروع العسكري في المنطقة.

مثَّل الاتفاق التركي نقطة تحدٍّ حقيقية لقوات حفتر التي لم تتمكن من حسم معركة طرابلس على مدار ثمانية أشهر، رغم وجود دعم عسكري نوعي مقدم من الأطراف الإقليمية. ونتيجة لتسارع الأحداث عقب توقيع تلك الاتفاقية، واعتماد مذكرة التفاهم الأمني والعسكري، سارعت قوات حفتر إلى شن عشر غارات جوية نفذها طيران إماراتي على مدينة مسلاتة يوم السبت 21 ديسمبر/كانون الأول، كما استهدف أحياءً سكنية بغارتين في مدينة زليتن (150 كم شرق طرابلس).

وفي نفس اليوم أيضاً احتجزت قوات حفتر سفينة ترفع علم غرينادا ويقودها طاقم تركي كانت تعبر قبالة الحدود الليبية، ووفقاً للمتحدث الرسمي لقوات حفتر، أحمد المسماري، فقد "جُرت السفينة إلى ميناء رأس الهلال للتفتيش والتحقق من حمولتها واتخاذ الإجراءات المتعارف عليها دولياً في مثل هذه الحالات. ويقع هذا الميناء ضمن ساحل مدينة درنة في شرق ليبيا وتسيطر عليه قوات حفتر حالياً. من جهة أخرى أطلق مسلحو حفتر المتمركزون على تخوم مسلاتة ثمانية صواريخ غراد على الأحياء السكنية وسط المدينة التي انسحب منها مقاتلو قوات حكومة الوفاق بعد سيطرتهم لساعات على منطقة الداوون شرق ترهونة.

ليبيا ساحة للصراع بالوكالة

شهدت ليبيا، قبل مذكرة التفاهم الأمني والعسكري التي وقعها الطرفان التركي والليبي، وما زالت تشهد صراعاً إقليمياً له أبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، فعلى الرغم من شرعية حكومة الوفاق الليبي بالاعتراف بها دولياً، تسعى كثير من القوى الإقليمية إلى تقويضها لحساب مشروع حفتر العسكري، وتتباين دوافع وأدوار الأطراف التي تدعم حفتر في مشروعه العسكري؛ ففي حين تنطلق كل من الإمارات ومصر والأردن والسودان ودول أخرى من مخاوفها من آثار الربيع العربي، على اعتبار أن اللواء المتقاعد حفتر يمثل امتداداً للتحالفات القديمة التي قد تساعد على استقرار الأنظمة القديمة في المنطقة، يأتي الدور الروسي ضمن خطط استعادة النفوذ التي تسعى إليها روسيا من خلال تدخلاتها في سوريا وحالياً في ليبيا.

في حين تستند حكومة الوفاق الليبية إلى شرعيتها المستمدة من الاعتراف الدولي، لكنها لا تحصل على دعم مباشر على غرار ما يحصل عليه حفتر من الأطراف الإقليمية الداعمة له، لكن قد يتغير الوضع بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ ومصادقة البرلمان التركي على مذكرة التفاهم الأمني والعسكري.

يعد اعتراض بعض دول شرق المتوسط على الاتفاق مؤشراً على وجود صراع إقليمي في البعد الاقتصادي، لكن اشتداد وتيرة الصراع، على غرار هجوم مسلاتة الأخير الذي نفذ بسلاح إماراتي، يدل على أن الصراع الإقليمي القائم حالياً في ليبيا لن يقتصر على الجانب الاقتصادي أو العسكري، بل سيرتبط بشكل أكبر بالجانب الأمني والسياسي، إذ تمثل حكومة الوفاق امتداداً لمشروع الربيع العربي الذي ابتدأ منذ 2011، وفي حال كتب له النجاح- ولو نسبياً على غرار ما حدث في تونس- فسيؤثر على الجانبين السياسي والأمني، وذلك يدفع دولاً لا علاقة لها بصراع شرق المتوسط -كدولة الإمارات مثلاً- أن تدخل بكل ثقلها في الصراع الليبي.

تهدف المذكرة الأمنية -التي صادق عليها البرلمان التركي يوم السبت- إلى تعزيز التعاون بين تركيا وليبيا في مجالات التدريب والتخطيط العسكري والصناعات العسكرية ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وتهدف كذلك إلى تأسيس مكتب تعاون دفاعي وأمني مشترك بين الطرفين إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأمام الصراع القائم فقد تمهد هذه الاتفاقية لإنشاء قاعدة عسكرية، كما تشير تقارير تركية، أو إرسال قوات تركية في حال طلبت حكومة الوفاق ذلك.

انعكاس الاتفاقية على الجانب السياسي

على الرغم من اعتراض الكثير من الأطراف الداخلية والخارجية على الاتفاقية والمذكرة القانونية والعسكرية، شددت بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة على أن مذكرتي التفاهم المبرمتين مع تركيا لا تناقضان الاتفاق السياسي الليبي، ولا تحتاجان إلى التصديق عليهما من الجهات التشريعية في ليبيا، وأكدت أن حكومة الوفاق المعترف بها دولياً لديها الحق في إبرام الاتفاقات والتفاهمات مع من تشاء من دول العالم، وهو حق كفله القانون الدولي.

وعلى الرغم من ضعفها في الجانب العسكري نتيجة لعدم تكافؤ القوى بينها وبين قوات حفتر المدعوم إقليمياً، استفادت حكومة الوفاق الليبي من هذه الاتفاقية لتأكيد شرعيتها السياسية -المستمدة من القبول الشعبي والاعتراف الدولي- بوصفها الممثل الرئيسي في ليبيا، وهو ما يعيق بعض المشاريع الإقليمية التي تهدف إلى تجاوز الشرعية السياسية للحكومة الليبية، ودعم المشروع العسكري الذي يجعل من ليبيا تابعاً لمشاريعها في المنطقة.

انعكاس الاتفاقية على الجانبين العسكري والأمني

على الرغم من وجود قرار دولي بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا منذ 2011، تحصل قوات حفتر على دعم عسكري ضخم مقدم من قوات إقليمية ودولية، في حين تعد حكومة الوفاق الليبية هي الطرف الوحيد والمخول رسمياً بتسلم أي سلاح، لذا من حقها أن تحصل على السلاح والدعم من الأطراف الإقليمية والدولية. ومن خلال الاتفاقية الموقَّعة، إضافة إلى المذكرة في الجانب الأمني والعسكري، فقد تتمكن حكومة الوفاق من خلق توازن في صراع القوى الإقليمية في المنطقة، ورغم تصريحات الأتراك بإمكانية إرسال قوات، تشير تقارير إلى صعوبة تنفيذ مثل هذه الخطوة في الوقت الراهن، على عكس العملية التي نفذتها تركيا شمال سوريا، والسبب في ذلك بعدها الجغرافي، على عكس القوات الداعمة لحفتر؛ كمصر والإمارات، القادرة على دعم حليفها بشكل أسرع، وربما يتم تجاوز هذه الصعوبة في حال أنشأت تركيا قاعدة عسكرية في الأراضي الليبية، لكن في الوقت الراهن- وفقاً لخبراء- يمكن لتركيا أن تدعم حكومة الوفاق عن طريق إمدادها بمعدات للدفاع الجوي، خصوصاً نظام تشويش يستهدف الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى مزيد من المستشارين والطائرات المسيرة الأكثر تطوراً. وفي حال أمدت تركيا- بوصفها فاعلاً إقليمياً- حكومة الوفاق بالدعم العسكري اللازم فسيظهر فرق على المستويين العسكري والسياسي.

خاتمة

حرصت حكومة الوفاق على توقيع الاتفاقية مع الجانب التركي من أجل تعزيز حضورها العسكري والسياسي في الداخل وعلى المستوى الإقليمي، في حين ارتبط الموقف التركي بالجانبين الاقتصادي والأمني بشكل أساسي، وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية ستحقق للطرفين الأهداف الأساسية التي انطلقا منها، يبدو أنها ستزيد من التحديات التي تواجههما في المنطقة، خصوصاً في الجانب الأمني، إذ يحتوي الاتفاق على بنود لها علاقة بالبعد الاستراتيجي، لكن على المدى القصير، خصوصاً في جانب المعارك، يبدو أن الاتفاق سيعمق من حالة الاصطفاف الإقليمي في المشهد الليبي على غرار ما يحدث في سوريا.

وعلى اختلاف معطيات المشهدين الليبي والسوري من حيث شرعية حكومة الوفاق، على عكس ضعف محور المعارضة في الداخل السوري، إضافة إلى انعدام شرعية حفتر مقابل سياسة الأمر الواقع التي يمثلها نظام الأسد، يظل تعدد الأطراف، سواء الإقليمية أو الدولية، هو التحدي الأكبر الذي يواجهه أي مشروع تغيير سياسي في المنطقة، لكن في المشهد الليبي قد يكون للوجود التركي دور إيجابي في مسألة الصراع الليبي المحتدم على مستوى إقليمي، والفرق بين الموقف التركي والأدوار الأخرى هو أنه منذ البداية استند إلى طلب الحكومة الشرعية، وذلك ما قد يعزز دوره ودور حكومة الوفاق الليبية على مختلف المستويات.