انعكاس فوز بايدن على الحالة الخليجية

وحدة الرصد والتحليل
17 نوفمبر 2020
تحميل نسخة pdf

مقدمة

بعد فوز الديمقراطي بايدن بالرئاسة يبدو أن دول الخليج ستشهد تغيرات عدة في مختلف الملفات، سواء تلك المتعلقة بشأنها الداخلي أو تلك المتعلقة بعلاقاتها البينية والإقليمية. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية المنصرمة بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب مثلت مرحلة فارقة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لكونه سعى، وبوضوح، إلى خدمة حلفائه في المنطقة؛ بتقليص النفوذ الإيراني ومحاصرته؛ من خلال انسحابه من الاتفاقية النووية في 2018، إضافة إلى حزمة العقوبات الاقتصادية، فإن الأزمة الخليجية ضربت المنظومة الخليجية سياسياً واجتماعياً وحتى أمنياً، وهو ما ترك الباب مشرعاً للنفوذ الإيراني في المرحلة القادمة، بناء على أن قوات درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون لم تعد قادرة على مواجهة أي عدو مشترك من خارج المنطقة.

 حدة الخلافات الخليجية لم تتوقف عند الإطار الإقليمي لها؛ بل دخلت في المحافل الدولية، وأصبحت إحدى أهم القضايا في المحاكم الدولية وحملات الانتخابات الأمريكية، وأججت الخلافات حول العلاقة مع إيران وتركيا والكيان الإسرائيلي، وملف حقوق الإنسان في دول الخليج، أي إن الخلافات الخليجية أصبحت مرتبطة بكل الملفات الساخنة في المنطقة، وهو ما عزز ضرورة دراسة التداعيات المتوقعة على العلاقات الأمريكية مع دول الخليج بعد فوز بايدن، وما يرتبط بها من ملفات في المنطقة، وذلك ما تحاول هذه الورقة مناقشته ورسم ملامحه المستقبلية.

محددات السياسة الأمريكية تجاه دول الخليج بين الجمهوريين والديمقراطيين

ينطلق كل من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي من ذات الثوابت للسياسة الخارجية الأمريكية، والمرتبطة بعاملين أساسيين؛ الأول: الأمن القومي، والثاني: المصالح الاقتصادية. غير أنهما يتباينان في الوسائل والمقاربات المتبناة لتحقيق هذه الأهداف؛ ففي حين يركز الجمهوريون على قاعدة المكاسب المشتركة مقابل المرونة في إدارة الملفات الشائكة في الشرق الأوسط، ومن ثم يستخدمون مختلف الوسائل المتاحة، ومن ضمنها تلك التي تناقض القيم التي تجعل من دور الولايات المتحدة رائداً وذا تأثير على مستوى العالم، فإن الديمقراطيين يركزون على ضرورة الموازنة بين تحقيق المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية دون اجتزاء قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتبناها الولايات المتحدة شعاراً لها من أجل خلق تأثير لها على مستوى العالم.

اتضحت هذه التباينات والفروقات أكثر من خلال سياسات الرؤساء المتعاقبين على الإدارة الأمريكية، وتحديداً في السنوات الأخيرة، إذ تبنى الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية ترامب كل الوسائل التي مكنته من تحقيق سبق اقتصادي في ميزانية الدولة دون أن يهتم كثيراً بسمعة الدور الأمريكي، فهو في نهاية المطاف يرى أنه لا قيمة لحماية القيم الديمقراطية في الخارج دون مقابل. في حين يشير كثير من الخبراء إلى أن جو بايدن سيستعيد دور الديمقراطيين ويواصل المشاريع التي ابتدأها أوباما من خلال البحث عن حل واقعي لأبرز الإشكاليات في الشرق الأوسط، ومن أهمها الملف الإيراني والقضية الفلسطينية.

الملف الخليجي في الحملات الانتخابية الأمريكية

تعد فترة ترامب بالنسبة لكثير من دول الخليج فترة ذهبية؛ نظراً للخطوات غير المسبوقة التي اتخذها فيما يتعلق بعدوها التقليدي إيران، فمنذ وصوله إلى الحكم سارع إلى الانسحاب من الاتفاقية الأمريكية في 2015، ثم اتخذ قراراً أحادي الجانب دون استشارة الحلفاء المحليين والإقليميين بأمر اغتيال قاسم سليماني، ثم أتبع تلك العملية بفرض عقوبات قاسية على إيران، وهو ما مثَّل حالة ارتياح كبيرة لدى دول الخليج.

غير أنه لم يركز كثيراً على قضايا السياسة الخارجية، بل كان تركيزه الأكبر على التحديات الداخلية لكونها ساحة المبارزة بينه وبين خصمه الديمقراطي بايدن. لكن أشار كثير من المحللين السياسيين إلى أنه في حال فاز في الانتخابات فلن تتغير سياسته بالنسبة لدول الخليج، بل ستستمر جهوده في تنفيذ آخر الخطوات المتممة لما يسمى بـ"صفقة القرن"؛ إذ مقابل الفوائد المالية التي حققها من صفقات السلاح مع دول الخليج، فضَّل مواصلة سياسة مبدأ تعظيم الفائدة المتحصلة مقابل المرونة أمام كثير من الملفات في هذه الدول، ومنها ملف الحريات وحقوق الإنسان.

في المقابل يشير محللون إلى وجود توجهات محددة وواضحة الملامح بالنسبة للمرشح الديمقراطي بايدن، إذ طالب في حملته الانتخابية بالعودة إلى القيم الحزبية الديمقراطية، وبإصلاح أوضاع حقوق الإنسان والحريات في دول الخليج، لذا من المتوقع أن تواجه دول الخليج بعض التحديات في ظل الإدارة الجديدة، منها ما يتعلق بالضغوط التي قد تعرقل صفقات السلاح، إضافة إلى إمكانية تأثرها اقتصادياً؛ لكونها معتمدة بشكل رئيسي على النفط؛ بسبب التوجهات البيئية للرئيس الديمقراطي بايدن.

انعكاس فوز بايدن على الملف الأمني الخليجي

على الرغم من تمكن دول مجلس التعاون الخليجي من تحقيق درجة عالية من التنسيق العسكري في مجالات عدة منذ عام 1981 تحت شعار إقامة بنية تنسيق دفاعية، أعقبها توقيع اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك في المنامة، في ديسمبر/كانون الأول 2000، لم تتمكن من تنسيق جهودها بشكل فاعل؛ لوجود عدة تحديات، منها غياب البنية المؤسسية الرامية للوحدة الشاملة، إضافة إلى تأخر كثير من المشاريع المعززة لهذه الوحدة؛ كمشروع العملة الموحدة والسوق الموحد. إضافة إلى ذلك يواجه مجلس التعاون الخليجي حالياً -بسبب موقعه الاستراتيجي- تحديات أمنية جمة، خصوصاً بعد أن تزايدت هجمات الحوثي على مناطق مهمة ومنشآت نفطية.

كما أن الاستراتيجية الأمنية (فك الارتباط العسكري) للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة تزيد من قلق دول الخليج، إذ توجه الولايات المتحدة الأمريكية تركيزها صوب الصين ودول شرق آسيا، وذلك يدفعها إلى الاعتماد على حلفائها من أجل حفظ السلام في المنطقة.

ابتدأ ترامب سياسة فك الارتباط العسكري بربطها بضرورة تحمل النفقات العسكرية، ويبدو من خطابات بايدن أنه سيواصل نفس سياسة فك الارتباط، لكن هذه المرة باستعادة الدور الدبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

الملف النووي

تمثل التحركات الإيرانية التهديد الأبرز الذي تواجهه دول الخليج، وعلى الرغم من أن إدارة ترامب عملت على إضعاف التحركات الإيرانية في الجانبين الاقتصادي والعسكري، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم ترد عندما استهدفت إيران أرامكو عقب اغتيال قاسم سليماني، كما أن تصريحات وتوجهات الرئيس الديمقراطي بايدن تزيد من قلق دول الخليج، إذ يسعى بايدن إلى إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات فيما يتعلق ببرنامجها النووي، ذلك أن امتلاك إيران لأي مشاريع نووية هو بالنسبة إلى دول الخليج مصدر خطر عليها وعلى أمن المنطقة ككل. كما أنه من خلال عودة إيران إلى المفاوضات سترفع عنها العقوبات، وهذا يعني استعادة نشاطها الاقتصادي، وقدرتها على تمويل أذرعها ووكلائها في المنطقة.

انعكاس فوز بايدن على الأزمة الخليجية

استمرار الأزمة الخليجية يزيد من تعقيد مشهد المصالح والتحالفات في المنطقة، ونظراً لأن الإدارة الأمريكية تنوي، إلى حد ما، الاعتماد على حلفائها الإقليميين في حل النزاعات القائمة في المنطقة، فيبدو أن إدارة بايدن ستسعى وبجهد كبير إلى إعادة الأطراف الخليجية إلى دائرة الحوار من أجل حلحلة الأزمة التي تشتت من دور الحلفاء في مواجهة التهديد الإيراني، ويبدو أن مثل هذا الاحتمال كان وارداً منذ إعلان بايدن رغبته في إعادة تفعيل الدور الأمريكي في المنطقة وعلى مستوى العالم، من خلال تفعيل الشراكات الإقليمية والدولية، لذا سارعت بعض الدول الخليجية، كالبحرين والإمارات، إلى التطبيع مع الكيان الإسرائيلي من أجل إيجاد حليف قوي يدعمها في مواقفها بغض النظر عن التغيرات التي ستطال الإدارة الأمريكية، وهذا يشير إلى احتمالية أن الأزمة الخليجية لن تشهد انفراجاً في الفترة القريبة القادمة، لكن وبشكل عام قد ينعكس فوز بايدن على ملفات أخرى تتعلق بدول الخليج منها:

 ملف الحريات وحقوق الإنسان

خلال السنوات الأخيرة زادت الأصوات الناقدة داخل الإدارة الأمريكية حيال تقارير حقوق الإنسان والحريات في دول الخليج، إذ انتقد التقرير السنوي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان في العالم الدول الخليجية الست في مجال الحريات وحقوق الإنسان. ونظراً للتوجهات الأساسية لبايدن فربما يشهد ملف الحريات وحقوق الإنسان تحسينات؛ لكونه يعد أولوية بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي الجديد. لكن يشير كثير من المحللين إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين دول الخليج لا يمكن أن تنقطع بسبب هذا الملف؛ نظراً لحجم المصالح الاستراتيجية التي تجمع الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الأطراف، لكنها لن تكون قوية كما كانت خلال حكم ترامب.

من جهة أخرى يبدو أنه وعلى الرغم من اهتمام بايدن الشديد بملف الحريات وحقوق الإنسان فالتحديات الداخلية التي ترتبت على تفشي جائحة كورونا هي من ستستحوذ على الاهتمام الأساسي للرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية.

ملف التطبيع مع إسرائيل

يعد ترامب الرئيس الأكثر إنجازاً للجانب الإسرائيلي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فخلال حكمه نُقلت السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بها عاصمة للكيان الإسرائيلي، فضلاً عن الاعتراف بسيادة الكيان الإسرائيلي على هضبة الجولان، وقطع المعونات الأمريكية عن الشعب والقيادة الفلسطينية، واختتم حكمه بدفع ثلاث دول عربية لتعلن التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ وهي الإمارات والبحرين والسودان.

وعلى الرغم من تصريحات بايدن بموافقته على مثل هذه المواقف بوصفها خطوات في طريق السلام في المنطقة، فإن كثيراً من الخبراء يؤكدون أن عودة الديمقراطيين إلى السلطة تعني تقارب الإدارة الأمريكية مع السلطة الفلسطينية، وهذا سيؤثر كثيراً في حملة التطبيع، بحيث ستحجم كثير من الدول العربية عن تبني التطبيع بصفته خياراً وارداً من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة، ومن المتوقع تأجيل صفقة القرن التي رُوِّج لها منذ بداية حكم ترامب.

الملف الاقتصادي

لن يقتصر تأثير إدارة الديمقراطي بايدن على الجانبين الأمني والسياسي وحسب، بل سيكون لها تأثير كبير في الجانب الاقتصادي، إذ ركز في خطابه الانتخابي على قضايا المناخ والبيئة وتعزيز الاستثمارات الخضراء، والتحول نحو الطاقة المتجددة، ومن ثم رفع الدعم والتسهيلات عن صناعة النفط الصخري، وإطلاق برنامج يحقق صافي انبعاثات صفرية من الكربون بحلول عام 2050، واستثمار 1.7 تريليون دولار خلال رئاسته في توفير البدائل البيئية من الطاقة المتجددة، علماً بأنه لن يكون من السهل التحول مباشرة للطاقة النظيفة، بل سيكون لها ثمنها الذي ستتحمله الدول النفطية في وقت تتزايد فيه تحديات الطاقة التقليدية في العالم، لا سيما مع موجات أزمة كورونا، وضعف الطلب العالمي على النفط.

إضافة إلى ذلك يتبنى بايدن رؤية ضرورة العودة إلى المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي، وهذا بالطبع سيتضمن تخفيف عقوبات أو إزالتها، وذلك سيكون له تأثير كبير في زيادة إمدادات النفط العالمية، وهذا سيضيف نحو مليوني برميل من النفط يومياً في سوق يعاني أصلاً من تخمة المعروض، ونظراً لأن معظم دول الخليج تعتمد على النفط بشكل رئيسي في اقتصادها فستتأثر بشكل كبير بأي قرار تتخذه الإدارة الأمريكية الجديدة.

إضافة إلى هذه التحديات ستتأثر دول الخليج في حال تطبيق قوانين صارمة على صناديقها السيادية، إذ يتوجس الديمقراطيون أكثر من الجمهوريين فيما يتعلق بمسألة شفافية الصناديق السيادية واستثماراتها، سواء أكانت بدوافع فنية أم سياسية واستراتيجية، ومن المعروف أن صناديق الثروة السيادية الخليجية بشكل عام، التي تناهز قيمتها نحو تريليوني دولار، تعد محدودة الشفافية، حسب مبادئ سانتياغو.

واعتبرت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، وقتها، أن بعض الصناديق السيادية (الخليج والصين وروسيا) ربما تكون عرضة لإساءة استغلال صلاتها الرسمية، للحصول على معلومات غير متاحة للجمهور، أو مقاومة التعاون في قضايا الأوراق المالية، التي تكون استثماراتها طرفاً فيها.

وبشكل عام يتخوف الديمقراطيون من تورط هذه الدول في عمليات فساد أو تعاملات مشبوهة، فضلاً عن دخول هذه الصناديق في حسابات السياسة بشكل يهدد الأمن القومي، أو أن تكون غطاء لاستثمارات صينية أو روسية غير مكشوفة في العالم الغربي، خصوصاً أن استثمارات الصناديق السيادية الخليجية مركزة في قطاعات مالية ومصرفية ونفطية ذات قيمة عالية في الاقتصادات الغربية والأوروبية، ولذا قد يكون هذا الملف الاقتصادي ضمن الملفات التي يركز عليها بايدن خلال حكمه.

خاتمة

لا شك أن قدوم بايدن سيلقي بظلاله على الحالة الجيوسياسية في المنطقة، ومن ضمن ذلك العلاقة مع دول الخليج، وهو ما سينعكس على كثير من الملفات الملحة التي لم يتم البت فيها خلال حكم ترامب، سواء أكانت حرب اليمن أم ملف الحقوق والحريات والمعتقلين السياسيين، أما بخصوص الملف الإيراني فإن فوز بايدن يعني العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران، لكن يشير كثير من الخبراء إلى أن كثرة التحديات الداخلية ستشغل بايدن بشكل قد لا يؤثر كثيراً في التغيرات السياسية والأمنية التي فرضتها إدارة ترامب في وقت سابق، بمعنى عدم التراجع عن كثير من القرارات التي بُتَّ فيها، خصوصاً ما تعلق بالقضية الفلسطينية. كما أن عودة المفاوضات مع إيران ليس بالضرورة أن تنطلق من اتفاقية العمل المشترك السابقة، بل قد يستفيد بايدن من حالة الضعف الإيراني لتعديل كثير من الشروط في الاتفاقية السابقة.

لكن يبدو أن انشغالات بايدن لن تمنعه عن استعمال سلطاته في الحد من الانفتاح الأمريكي على دول الخليج، خصوصاً فيما يتعلق بصفقات السلاح، كما أن سياسة فك الارتباط العسكري التي تبنتها أمريكا مؤخراً، إضافة إلى تأثير الضغط الإعلامي والسياسي فيما يتعلق بملف الحريات وحقوق الإنسان، قد تجعل العلاقات الأمريكية- الخليجية تصل إلى حد الفتور، لكنها لن تنقطع تماماً بسبب المصالح الاستراتيجية القائمة.