AR EN

مؤتمر وارسو وإمكانية تحجيم النفوذ الإيراني

وحدة الرصد والتحليل
28 فبراير 2019
تحميل نسخة pdf

المقدمة

عُقد في العاصمة البولندية وارسو (مؤتمر الشرق الأوسط للسلام والأمن) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية (من 13 إلى 14 فبراير/شباط الجاري)، لمناقشة التهديدات الأمنية، التي يقع في صدارتها الحد من خطورة التهديد الإيراني لدول المنطقة، والإرهاب، والتطرف، وتطوير الصواريخ وانتشارها، وتهديدات الجماعات المسلحة في المنطقة.

ويُعد المؤتمر الأولَ من نوعه الذي يجمع بين رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبين مسؤولين عرب، وبلغ عدد الدول المشاركة فيه قرابة 60 دولة من إجمالي 90 دولة دُعيت له، وقد لوحظ ضعفُ التمثيل الأوروبي، وغيابُ كل من روسيا وتركيا عن المؤتمر، وهو ما أثار التساؤلات عن كون المؤتمر إطارا للرؤية الأمريكية للسلام في المنطقة التي تسعى لإعلان القبول العربي بالاحتلال الإسرائيلي، في ظل الاستعدادات الأمريكية لإعلان صفقة القرن.

يسعى تقدير الموقف إلى مناقشة السياقات التي عُقد المؤتمر في إطارها، ورصد مواقف الأطراف المختلفة من المؤتمر، وتوضيح مدى إمكانية تحجيمه للدور الإيراني في المنطقة.

السياقات

يأتي انعقاد مؤتمر وارسو في ظل أحداث مختلفة وسياقات متعددة، وحالات سيولة تشهدها علاقات بعض الدول مع الاحتلال الإسرائيلي، ومتزامناً مع الانقسامات العربية، واستمرار تهديدات النفوذ الإيراني لدول المنطقة، المعزز بترسيخ وجوده في سوريا والعراق ولبنان، وضعف تأثير العقوبات الأمريكية الاقتصادية على طهران في دفعها للتراجع.

والمؤتمر وإن بدا أن له أهدافاً أخرى لا علاقة لها بالشأن الإسرائيلي الداخلي، فإن انعقاده مع الاستعدادات الإسرائيلية لإجراء الانتخابات النيابية المبكرة، مثَّل خطوة تحسب لمصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتحالفه في الانتخابات القادمة في أبريل/نيسان، ولعل الرسالة التي يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيصالها هي نجاحه في كسر العزلة مع بعض الدول العربية؛ من خلال حضوره في اجتماع دولي من ضمن الحاضرين فيه مسؤولون عرب، إضافة إلى جلوسه بجوار وزير الخارجية اليمني، ولقائه بوزير الخارجية العماني، وقد صرح بعد عودته إلى الأراضي المحتلة عن تمكنه من زيارة أربع دول عربية، لم يعلن عنها، واعداً شعبه أن تكون هناك تطورات أخرى من هذا النوع.

كذلك يأتي هذا المؤتمر في ظل ترتيبات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعلان صفقة القرن، أو الخطة الأمريكية للسلام، ولعل المؤتمر جاء ممهداً لإعلان هذا المشروع، الذي يبدو أنه بات قريباً، وهذا ما ألمح إليه المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط وصهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر.

وجاء المؤتمر كذلك متزامناً مع الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، وهذه المناسبة وإن بدت عرضية فإنها قد تكون مؤشراً للنية الأمريكية في إرسال رسالة لإيران في ذكرى ثورتها، إضافة إلى انعقاد القمة العربية الأوروبية في شرم الشيخ المصرية التي عقدت بعد المؤتمر بأيام.

مواقف الأطراف

الموقف الإيراني المعني الأول بمؤتمر وارسو، حاول أن يُظهر أنه غير مكترث به، وعمل على التقليل من أهميته والتداعيات التي قد تترتب عن مخرجاته؛ إذ صرح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، أن المؤتمر ولد ميتاً ولا جديد فيه. ومن جهته قال علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية: "إن إيران مكتفية ذاتياً، وتستطيع الصمود في وجه الضغوط والعقوبات".

وهذه التصريحات وإن بدت متماسكة فإن السؤال الأكبر: هل تمتلك إيران الوسائل اللازمة لترجمة هذه القناعة؟

وكرد فعل أولي يمكن أن تُقرأ تأتي زيارة رئيس النظام السوري بشار الأسد المفاجئة إلى طهران، التي تعد الأولى من نوعها منذ اندلاع الثورة على نظامه عام 2011، كما عملت إيران على إجراء مناورات عسكرية في مضيق هرمز لتأكيد امتلاكها لأوراق ردع ذاتية.

من جهة أخرى بدا أن الموقفين الأمريكي والإسرائيلي أكثر وضوحاً واتفاقاً فيما يخص أهداف المؤتمر، المتمثلة في ترتيب وضع المنطقة وفق تحالفات جديدة، تكون إسرائيل على رأسها، في مواجهة التهديدات الإيرانية، وهو ما يأتي متجانساً مع انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران العام الماضي، وإعلان العقوبات عليها، ويبدو أن تمسك الأوروبيين بالاتفاق السابق من الأسباب التي دعت الرئيس الأمريكي إلى حشد تحالف دولي ضد إيران.

وسعت الإدارة الأمريكية إلى الضغط على الأوروبيين وتحقيق مكاسب من خلال المؤتمر، بدت واضحة في خطابات المسؤولين الأمريكيين، منها تصريحات نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، التي يرى فيها أن إيران هي الراعي الأول للإرهاب في الشرق الأوسط، وأن على الدول الأوروبية أن تنسحب من الاتفاق النووي مع إيران، كما أن إشادته بالعلاقة التي تربط إسرائيل بدول أخرى في المنطقة، تتقاسم معها الخبز- حسب قوله- فيه دلالة واضحة على الهدف الرئيسي من المؤتمر الذي يكمن في فتح المجال أكثر بين العرب والإسرائيليين.

بالمقابل فإن الموقف الأوروبي في عمومه لا يزال متمسكاً بالاتفاق النووي السابق، وهذا ما يفسر تدني مستوى الحضور الأوروبي، ولعل هذا ما دعا نائب الرئيس الأمريكي إلى اتهام دول أوروبية بالالتفاف على العقوبات الاقتصادية على إيران.

الجدير بالذكر أن موقف الاتحاد الأوروبي لا يزال داعماً للاتفاق النووي في 2015، الذي كان بين الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وإيران، وكان الهدف منه تخفيف العقوبات على إيران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي.

أما ما يتعلق بالموقف العربي فقد عكس عدد الدول العربية الحاضرة في المؤتمر حجم تفاعلها مع المؤتمر وأهدافه؛ فقد شاركت فيه دول عربية عدة، منها: السعودية والبحرين والأردن والكويت والمغرب وعُمان ومصر والإمارات وتونس واليمن، وهذا الحضور العربي العالي، ولقاءات بعض المسؤولين العرب مع الوفد الإسرائيلي، تبدو على العكس تماماً من الموقف الفلسطيني، حيث يرى مسؤولون عرب في المؤتمر خطوةً مهمة لتحجيم الدور الإيراني في المنطقة، من ذلك ما جاء في تغريدة لوزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، في صفحته على توتير حيث قال: "حضرت مؤتمر وارسو حول مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط، وأجمع الجميع بأن التحديات التي تواجهنا يتصدرها الدور الإيراني في زعزعة أمن واستقرار المنطقة". وقريباً من هذا الموقف قالت صحيفة البيان الإماراتية في إحدى افتتاحياتها إن المؤتمر شكل "صدمة كبيرة لإيران وميليشيا الحوثي في اليمن، وكشف عن الوجه الإرهابي لطهران من خلال ميليشياتها المنتشرة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وخرجت الإدانات صريحة لسياسات إيران وتدخلاتها في شؤون الدول".

من جهته كان الموقف الفلسطيني واضحاً من المؤتمر؛ سواء في غيابه أو في تصريحات المسؤولين الفلسطينيين، حيث اعتبرت وزارة الخارجية الفلسطينية أن مؤتمر وارسو "مؤامرة أمريكية تستهدف النيل من استقلالية القرارات السيادية للمشاركين بالمؤتمر حيال قضايا جوهرية تعتمد على مواقف مبدئية لهذه الدول، مثل الموقف من القضية الفلسطينية"، وقد وصفت حركة فتح المؤتمر بأنه "محاولة أمريكية إسرائيلية للترويج لأفكار لا يقبلها أو يتعاطى معها إلا كل خائن للقدس والأقصى"، ورأت الحركة أن هدف المؤتمر هو "تصفية القضية الفلسطينية".

من الواضح أن دوافع الحضور العربي الرئيسية في المؤتمر تمثلت بتحجيم النفوذ الإيراني والحد من مخاطره في المنطقة، وفق ما ترى القيادات العربية، في حين أن اللافت في المؤتمر-من خلال تصريحات المسؤولين والرسائل التي أرادت الجهات المنظمة إرسالها-هو تجاوز خيار السلام العربي، وتجاوز المشروع الوطني الفلسطيني؛ من خلال التهيئة لمشروع السلام الأمريكي.

السيناريوهات

تبدو السيناريوهات من خلال السياقات المتعددة والتصريحات والإشارات المتبادلة، التي تشير إلى أن هناك أهدافاً أكثر أهمية للمؤتمر غير معلنة، حتى وإن بدت ثانوية، عززها خروج المؤتمر من دون قرارات أو إجراءات معلنة تخص إيران. وظهرت قوة هذه الأهداف في ظل المساعي الأمريكية التي تعمل على تجاوز القضية الفلسطينية، وإدماج كيان الاحتلال الإسرائيلي في المنظومة الإقليمية مع الدول العربية غير المعترفة به. وبخصوص مدى إمكانية أن يحجِّم المؤتمر الدور الإيراني، تبرز سيناريوهات ثلاثة محتملة:

السيناريو الأول: المراوحة

يفترض هذا السيناريو بقاء الوضع على ما هو عليه، متمثلاً في استمرار النفوذ الإيراني مقابل بقاء التهديدات والضغوط السياسية الأمريكية، دون أن تتمكن من دفع إيران إلى وقف تدخلاتها في شؤون دول المنطقة العربية، على فرض وجود رغبة أمريكية حقيقية لتحجيم دور إيران.

يعزز هذا السيناريو عدم تبني المؤتمر لأي قرارات أو إجراءات ضد إيران، وهو ما يرجح الرغبة الأمريكية في إبقاء إيران مهدداً؛ لكي تدفع الدول العربية نحو تطبيع علاقاتها مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، قد تصل إلى الدخول في تحالفات أمنية، وهو ما يصب في اتجاه الأهداف الأخرى غير المعلنة، ومن ثم تبدو أكثر وضوحاً إضافة إلى التمسك الأوروبي بالاتفاقية النووية السابقة، أكده غيابهم الملاحظ عن المؤتمر، والرفض الروسي للمؤتمر وعدم المشاركة فيه، كل هذه المؤشرات توحي بأن هذا المؤتمر بالذات لن يقدم جديداً بخصوص تحجيم دور إيران في المنطقة. ويعد هذا هو السيناريو المرجح.

السيناريو الثاني: تحجيم النفوذ الإيراني

يفترض السيناريو أن النفوذ الإيراني المادي، وتحديداً العسكري، في أكثر من دولة عربية، وخاصة المحادة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، قد أصبح مهدداً للمصالح الأمريكية وحلفائها، ومن ثم فإن هناك رغبة حقيقية ومقدرة للولايات المتحدة الأمريكية في تحجيم النفوذ الإيراني، بهدف المحافظة على مصالحها في المنطقة، ومصالح حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الإسرائيلي، والدول العربية. ولزيادة الضغط على إيران ستعتمد على تشديد العقوبات الاقتصادية، وضرب مواقعها في سوريا، إضافة إلى أهداف أخرى، والتلويح بضرب منشآتها، وتشجيع المعارضة المسلحة داخل إيران؛ لكي تخضع للشروط الأمريكية، وثمن هذا السيناريو بالنسبة إلى الولايات المتحدة إيجاد تعاون بين كيان الاحتلال الإسرائيلي ودول المنطقة العربية، وتحديداً الخليجية.

وعلى الرغم من أن العقوبات الاقتصادية كتكرار لتعامل الولايات المتحدة مع العراق سابقاً، إضافة إلى العمليات التي استهدفت جنود الحرس الثوري الإيراني، قد تشكل فرصاً لتحقق هذا السيناريو، فإنها تظل محدودة، ولامتلاك إيران أدوات قد تشعل حرباً يتضرر منها الاحتلال الإسرائيلي والمصالح الأمريكية. لذلك تبدو فرص السيناريو صعبة، خاصة لخطورة تداعيات الحرب، وتمسك كثير من الدول بخيار الاتفاق النووي، وفي مقدمتها أوروبا وروسيا والصين، إضافة إلى أن الهدف غير المعلن من المؤتمر بدا هو المقصود أكثر. 

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية