AR EN

مستقبل الاتفاق التركي الروسي في إدلب

وحدة الرصد والتحليل
13 مارس 2020
تحميل نسخة pdf

مقدمة

في مطلع الشهر الجاري أطلق الجيش التركي عملية (درع الربيع) العسكرية في سوريا، والتي جاءت بعد التطور العسكري في إدلب، وعلى إثر مقتل عدد من الجنود الأتراك هناك، وبعد أن خسرت المعارضة السورية جزءاً كبيراً من المناطق التي سيطرت عليها سابقاً، في ظل التمدد المتسارع لقوات النظام السوري في مناطق شمال غرب سوريا، وآخرها مدينة إدلب المحاذية لتركيا، وتجاوزاتها المتكررة لاتفاق سوتشي، بدعم لامحدود وتغطية جوية من القوات الروسية، وهذا ما دفع تركيا للتصعيد المباشر الذي يعد الأقوى من نوعه في سوريا، وقد أحدث توتراً سياسياً بين تركيا وروسيا، وتحشيداً عالياً لقدراتهما العسكرية في الشمال السوري.

على إثر ذلك تلقى الرئيس التركي دعوة من نظيره الروسي لبحث تداعيات التطور العسكري في الشمال الغربي السوري، منذ انطلاق العملية، وخلال الزيارة توصل الرئيسان، التركي والروسي، إلى تفاهمات مشتركة تنص على وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات جديدة.

يبحث تقدير الموقف في مسارات الاتفاقات السابقة بين تركيا وروسيا فيما يخص الملف السوري، مع توضيح أهم الدوافع لكلتا الدولتين، ومدى صمود الاتفاقية الجديدة في ظل التجارب التفاوضية السابقة.

مسار الاتفاق التركي الروسي

في الخامس من الشهر الجاري، وبعد زيارة الرئيس التركي لروسيا، توصل مع الرئيس الروسي إلى اتفاق جديد، تضمن وقف إطلاق النار ابتداءً من 00:01 بتوقيت إدلب، مع إقامة ممر أمني على بعد ستة كيلومترات شمال وستة كيلومترات جنوب الطريق الدولي السريع الرئيسي في إدلب "إم 4"، وهو الطريق الذي يربط المدن التي يسيطر عليها النظام السوري في حلب واللاذقية، مع نشر دوريات مشتركة على طول طريق "إم 4" ابتداءً من 15 مارس/آذار، وإعلان استمرار المفاوضات من أجل التوصل إلى حل سياسي جديد.

ثمة عدد من الملاحظات حول هذا الاتفاق، أهمها:

1-   فيما يتعلق بوقف إطلاق النار فقد دخلت هذه النقطة حيز التنفيذ في موعدها المحدد، لكن هناك تجاوزات، وهذا قد يمثل مدخلاً لتجدد المواجهات، خصوصاً أن تركيا أعلنت أنها سترد وبقوة على أي خرق للاتفاق من قبل النظام.

2-   ينص الاتفاق على إقامة ممر أمني على بعد ستة كيلومترات شمال الطريق الدولي "إم 4" وستة كيلومترات جنوبه، وهذا ما جعل المناطق جنوب الخط، التي كانت تحت سيطرة المعارضة السورية، محاصرة، ومن ثم ستدخل ضمنياً تحت سيطرة قوات النظام السوري.

3-   لم تكن ثمة إشارة إلى ما يتعلق بطريق إم 5، الذي سيطرت عليه قوات النظام في حملتها الأخيرة.

4-   جاء هذا الاتفاق بعد سلسلة من المفاوضات التركية الروسية حول سوريا، وبعد اتفاقيات سابقة لم يتم الالتزام بكل بنودها، وهذا قد لا يكون مطمئناً لنجاح الاتفاقية الجديدة، ففي 24 يناير/كانون الثاني 2017 وُقعت اتفاقية أستانة لوقف إطلاق النار بين تركيا وروسيا وإيران، تلاها في الرابع من مايو/أيار 2017 توصل الدول الثلاث إلى حل وقف التصعيد وإقامة مناطق آمنة، عرفت بمناطق خفض التصعيد، وهي الغوطة الشرقية وشمالي حمص ودرعا والقنيطرة وإدلب وأرياف المحافظات المجاورة، تجاوز بعدها النظام السوري الاتفاقية وسيطر على عدد كبير من هذه المناطق، بعدها تدخلت تركيا وأنشأت اثنتي عشرة نقطة مراقبة، لمنع تجاوز قوات النظام السوري، وعلى إثرها وقعت مع روسيا اتفاقية سوتشي في 17 سبتمبر/أيلول 2018، والتي تنص على المحافظة على وقف إطلاق النار وإنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، بعرض 15 إلى 20 كيلومتراً على طول خط التماس، وتسيير دوريات مشتركة، لكن النظام السوري، وبدعم عسكري روسي، لم يتوقف خلال هذه المدة عن مهاجمة هذه المنطقة بدعوى محاربة الإرهاب، فيما تتهمه تركيا بأنه من نقل المجموعات المسلحة من عدد من المناطق السورية إلى إدلب، حسب تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو.

5-   رغم بعض الملاحظات على الاتفاق والاتفاقيات التي سبقته فإن إعلان استمرار المفاوضات قد يؤدي إلى حلحلة القضايا الشائكة والملفات الطارئة، وهذا ما تسعى له كل من روسيا وتركيا.

دوافع الطرفين التركي والروسي

لكل من تركيا وروسيا دوافعهما الخاصة فيما يتعلق بالملف السوري عموماً وفيما يتعلق بإدلب بوجه الخصوص، وفي المقابل هناك مصالح استراتيجية مشتركة لكلا البلدين، ويظل الملف السوري بالنسبة لهما عاملاً مهماً، وقد كان سبباً لتوتر العلاقة أحياناً، وعاملاً من عوامل التقارب في أحيان أخرى.

الدوافع التركية

خلال الفترة الماضية شنت تركيا أربع عمليات عسكرية داخل الحدود السورية، وهي عمليات: درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام ودرع الربيع، لعدد من الأهداف، أهمها إبعاد عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي (PYD) من الحدود التركية، والذي تصنفه أنقرة على أنه تنظيم إرهابي، وتطهير المناطق الحدودية، ومنع إقامة ممر إرهابي على حدودها، وتحقيق مناطق آمنة في الشمال السوري. وتعد عملية درع الربيع الأخيرة أقوى هذه العمليات.

وفي المقابل، وكردة فعل من تركيا حول ضعف الموقف الأوروبي وحلف الناتو، أعلنت تركيا فتح حدودها للاجئين وإلغاء الموانع المفروضة عليهم للتوجه إلى الحدود مع أوروبا، وهو ما قد يجبر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على التعاطي مع القضية وفرض منطقة حظر طيران، وتزويد تركيا بصواريخ الدفاع الجوي الأمريكية.

تنطلق تركيا من خلال تدخلها في الملف السوري عموماً، وفي قضية إدلب على وجه التحديد، من عدد من الدوافع، أهمها:

1.   تمثل محافظة إدلب منطقة استراتيجية للأمن القومي التركي، حيث تشترك إدلب مع تركيا في 130 كم من الحدود البرية، وتتشارك معها سلسلة جبال الأمانوس، التي استخدمتها عناصر PKK سابقاً، لتنفيذ أعمال مسلحة في منطقة هاتاي التركية، واستخدمت من خلالها القنابل وقذائف الهاون وأدت إلى مقتل مواطنين أتراك، ولهذا تعد إدلب منطقة أمن قومي بالنسبة لتركيا يصعب التخلي عنها.

2.   تنطلق تركيا في تمسكها بالمنطقة الآمنة على حدودها من منطلق تأمين مساحة جغرافية للسوريين، تخفف من ضغط اللاجئين في تركيا، وتستوعب اللاجئين السوريين في الداخل السوري، حيث تعد وجهتهم الأولى تركيا في حال ازداد توسع النظام في المناطق المحررة، مما يفاقم معاناة الشعب السوري، ويفاقم المعاناة التركية في نفس الوقت، وخاصة تحت ضغط قوى المعارضة المتكرر، ولهذا تبرر تركيا تدخلها في الملف السوري بأن له بعداً إنسانياً ومسؤولية أخلاقية تتعلق بالجانب الإنساني والمحافظة على المدنيين السوريين.

3.   ترى تركيا أن تدخلها في الشمال السوري جاء نتيجة ثلاث اتفاقيات سابقة، اتفاقية أضنة ومسار أستانة واتفاقية سوتشي، وقد وُقعت اتفاقية أضنة في تسعينيات القرن الماضي بين الحكومة التركية والنظام السوري، أبرمها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مع الحكومة التركية، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 1998، والتي أدت إلى تطبيع العلاقة بين البلدين بعد خلافات عدة على مسائل الحدود والمياه والأكراد والعلاقات الإقليمية والدولية، وتنص الاتفاقية على عدم السماح بأي نشاط ينطلق من الأراضي السورية بهدف الإضرار بأمن تركيا واستقرارها، وتبيح لتركيا التدخل بعمق 5 كم في الحدود السورية، ولهذا تسعى تركيا لتعديل هذا الاتفاق حتى يصل إلى 35 كم، بالإضافة إلى مراقبة تنفيذ اتفاقيات أستانة وسوتشي السابقة.

الدوافع الروسية

تسعى روسيا إلى التمدد في الفراغات المتاحة، والاستفادة من الأزمات المشتعلة في المنطقة لتقوية نفوذها، وزيادة سيطرتها، وفيما يخص الملف السوري تنطلق روسيا من عدد من الدوافع، أهمها:

1.   تَعُدُّ روسيا النظام السوري حليفاً قوياً منذ العهد السوفييتي، وتعد سوريا مركزاً استراتيجياً للوحدات البحرية التابعة لها، ومحطة إمداد للسفن الروسية في البحر المتوسط.

2.   تَعتبر روسيا الملف السوري منفذاً لها في منطقة الشرق الأوسط، يمكِّنها من التأثير في المنطقة، واستخدامه كورقة تفاوضية قادمة، وقد سعت منذ 2015 للاستحواذ الكامل على سوريا، من خلال الدعم اللامحدود لقوات النظام سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، والمحافظة على قواعدها العسكرية هناك.

3.   تسعى روسيا إلى سحب بساط القضية السورية من تحت الأوروبيين والأمريكيين تماماً، حيث حرصت، ومنذ وقت مبكر، على إفشال عملية جنيف التي تشرف عليها الأمم المتحدة وأمريكا، وتأسيس عمليات تفاوضية جديدة تشرف عليها مباشرة، ولعل الانسحاب الأمريكي من أستانة سابقاً يوحي بأن هناك اتفاقاً أمريكياً روسياً على إتاحة المجال لروسيا لبسط نفوذها في سوريا، أو الزج بروسيا في الملف السوري لإضعافها وإضعاف الجانب التركي في نفس الوقت.

4.   تشكيل رافعة سياسية وعسكرية قوية للوجود الإيراني في المنطقة، حيث جاء التدخل الروسي من البداية استجابة للطلب الإيراني الذي يشكل مع المجاميع المسلحة التابعة له القوة الميدانية على الأرض، كما أن الحرص على تأمين الخطوط الدولية لمصلحة النظام السوري له بعد اقتصادي فيما يتعلق بالحصار على إيران وسوريا، إضافة إلى أن إيران تشعر بأن الوجود الروسي والأمريكي مؤقت مقارنة بالوجود التركي.

5.   علان السيطرة على إدلب كلياً يعني الحسم العسكري للقضية السورية، وإعلان الانتصار على المؤامرة الغربية كما يصورها النظام السوري وحلفاؤه، ومن ثم تسعى روسيا مع قوات النظام لتصفية مسألة إدلب باعتبارها الحاضنة الأخيرة لقوات المعارضة السورية.

السيناريوهات

توصف العلاقات الروسية التركية بأنها استراتيجية لكنها قلقة في ذات الوقت، وهي قائمة على التبادل التجاري في مجالات عدة، والاستفادة من مجالات الطاقة والغاز والسياحة. في المقابل فإن روسيا مصممة على التمسك بالنظام السوري، وعدم التخلي عنه، يقابل ذلك إصرار تركي على تنفيذ خطة المنطقة الآمنة، للمحافظة على الأمن القومي التركي، والحد من ضغط اللاجئين، وهروباً من العزلة الجيوسياسية التي ستفرض عليها في حال تهجير حلفائها في الداخل السوري.

وبعد التفاهمات المشتركة بين روسيا وتركيا على وقف إطلاق النار عقب إعلان تركيا عملية درع الربيع، فإن المشهد في إدلب على المدى القريب يتجاذبه سيناريوهان رئيسيان:

السيناريو الأول: توقف العمليات العسكرية في إدلب والتوصل إلى حل سياسي مع استمرار المناوشات المحدودة مع قوات النظام.

يفترض هذا السيناريو أن تؤسس المفاوضات الأولية بين أنقرة وموسكو لتفاهمات مشتركة تصل من خلالها إلى اتفاقية جديدة لملف إدلب، والحد من أي تصعيد عسكري يؤثر على مصالح البلدين في سوريا، حفاظاً على العلاقة الاستراتيجية بينهما، وقد تستمر تركيا في ممارسة سياسة النفس الطويل أسوة بالعمليات العسكرية السابقة، وتسعى في نفس الوقت لتهدئة المعركة مع روسيا، وتحييدها عن المواجهة المباشرة، واستمرار الرد على اختراقات قوات النظام السوري، حتى التوصل إلى تسوية سياسية لشمال سوريا، وهذا السيناريو قد يكون هو المرجح على المدى القريب في ظل المعطيات الحالية، ويعزز من رجحانه:

1.   يبدو أن العالم، وخاصة الدول النفطية، وأهمها روسيا، قادمة على كساد اقتصادي قد يؤدي إلى تهدئة وتيرة الصراعات في المنطقة، وليس من مصلحة روسيا زيادة استنزافها في سوريا.

2.   زيارة الرئيس التركي لروسيا، التي جاءت في إطار البحث عن حلول سياسية تجنباً لخيارات المواجهة العسكرية مع القوات الروسية أو التنازل عن إدلب.

3.   التفهم الروسي لأهمية الوجود العسكري التركي في سوريا، وإدراكها للمخاوف التي تبديها تركيا على أمنها القومي، وحرصها على عدم خسارة تركيا كلياً.

4.   الإعلان عن استمرار المفاوضات التركية الروسية فيما يخص ملف الشمال السوري.

وقد يتعزز هذا السيناريو في حال التوصل إلى ضمانات روسية فيما يتعلق بخروقات قوات النظام السوري، لأنها تظل مهدداً حقيقياً للاتفاق، أو توصل تركيا إلى خيارات عسكرية قوية تفرض من خلالها هذا الخيار.

السيناريو الثاني: العودة للتصعيد العسكري في إدلب

في ظل حرص قوات النظام السوري على مواصلة العملية، والدعم العسكري الروسي المتواصل لها، يفترض هذا السيناريو فشل تطبيق وقف إطلاق النار، وعودة المواجهات العسكرية قريباً، ومما يعزز هذا السيناريو:

1.   كسر روسيا لحاجز التدخل العسكري المباشر في المعركة، من خلال الدعم اللامحدود لقوات النظام، والاستهداف الروسي المباشر للقوات التركية، والتجاوزات المتكررة لقوات النظام السوري وخرقها للاتفاقيات السابقة بدعم روسي، إضافة لخرقها المستمر للاتفاقية الأخيرة.

2.   استغلال روسيا لتوتر العلاقة التركية مع أمريكا وضعف استجابة حلف الناتو لتركيا، في فرض خياراتها العسكرية على الأرض.

3.   تمسك تركيا الشديد بخيار ما تبقى من المنطقة الآمنة، للتخفيف من حركة اللجوء المتزايدة، وحشودها العسكرية المتواصلة إلى إدلب، وردودها المتكررة على تجاوزات قوات النظام السوري.

قد يتعزز هذا السيناريو في حال توصلت تركيا خلال الفترة القريبة إلى تسوية العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يجري من خلالها تقديم تنازلات تركية لأمريكا في هذا الموضوع، مثل التنازل عن منظومة إس 400 الروسية أو تعطيلها مثلاً، شريطة موافقة أمريكا على تزويد تركيا بالباتريوت، وفرض حظر جوي على إدلب من قبل حلف الناتو الذي تعد الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأولى فيه، ومن المحتمل أن يستجيب حلف الناتو لذلك؛ للخروج من مأزق تدفق اللاجئين، بعد فتح تركيا حدودها مع أوروبا، وفي حال تحقق هذا المؤشر فإن التصعيد العسكري ربما سيعود من جديد.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية