مستقبل الوجود الإيراني في المنطقة العربية في ظل حكم بايدن

وحدة الرصد والتحليل
05 ديسمبر 2020
تحميل نسخة pdf

مقدمة

تتطلع إيران إلى عودة المفاوضات مع الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" حول ملف برنامجها النووي والملفات المصاحبة له، وبما يؤدي إلى رفع العقوبات الاقتصادية عنها، بعد أربع سنوات من الضغوط التي واجهتها خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما تترقب الدول العربية المتضررة من السياسات الإيرانية تطورات السياسة الأمريكية، التي يتوقع أن تنعكس في كل الأحوال على طبيعة الوجود الإيراني في المنطقة العربية، وخصوصاً الواقعة غرب قارة آسيا.

يتناول تقدير الموقف طبيعة الوجود الإيراني في المنطقة العربية وعلاقته باستراتيجيتها، ويبحث في سيناريوهات الوجود الإيراني في ظل حكم الرئيس جو بايدن.

طبيعة الوجود الإيراني في المنطقة العربية

بعد أكثر من ثلث قرن من التنظير والعمل، تطور الوجود الإيراني في بعض دول المنطقة العربية إلى مزيج من الإيديولوجي والسياسي والعسكري. حيث اعتمد على ركيزتين أساسيتين هما القوة الناعمة والقوة الصلبة، فقد عملت القوة الأولى بمصادرها وأدواتها؛ النفوذ الثقافي المذهبي والإعلامي والتعليمي، من خلال استقطاب الطلاب العرب للدراسة في المدن الإيرانية، وتوظيف المراكز الثقافية التابعة للسفارات الإيرانية وكذلك بعثاتها الدبلوماسية لاستقطاب الشخصيات ونشر مبادئ الثورة الخمينية، وإبراز إيران كدولة مناصرة للمظلومين ومتقدمة تكنولوجياً.

أما القوة الصلبة، فقد كان الدور/الوجود العسكري المباشر حتى عام 2003 يتمثل في لبنان بواسطة حزب الله، وفي العراق بواسطة حزب الدعوة، وبعض الفصائل الشيعية في دول الخليج واليمن، التي قامت ببعض التفجيرات في تلك الدول، إضافة إلى علاقات التعاون الرسمية بين إيران وسوريا.

توسع الحضور العسكري الإيراني في بعض دول المنطقة العربية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان 2006، وخلال المواجهات العسكرية بين الجيش اليمني وميليشيا جماعة الحوثي منذ 2004، واستغلت إيران لتقوية وجودها العسكري فرص حاجة نظام بشار الأسد إلى قمع الثورة السورية، وانتشار تنظيم داعش في العراق وسوريا، وأيضاً تعطش جماعة الحوثي للسيطرة على الحكم في اليمن، وفي هذه المحطة لم تكتفِ إيران بإرسال الخبراء العسكريين، وإنما أرسلت فرقاً عسكرية وجندت الشيعة من باكستان وأفغانستان وغيرها.  

محددات مستقبل الوجود الإيراني في المنطقة العربية

مع التطورات المتسارعة والمتغيرة الجارية في كل من إيران ودول المنطقة العربية، وانتظار تولي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الحكم في يناير/كانون الثاني القادم؛ فإن المقاربة الأمثل لاستشراف مستقبل الوجود الإيراني تتمثل في تحديد أبرز المحددات التي قد تكون حاكمة له.

-  استقرار بيئة النظام الإيراني الداخلية

يعد استقرار البيئة الداخلية للنظام الإيراني سياسياً واقتصادياً محدداً رئيسياً لاستقرار النظام ومستقبل الوجود الإيراني في المنطقة العربية، خصوصاً أن الاقتصاد الإيراني يعاني كثيراً من الضغوط التي أثقلت كاهل المواطن، وتسببت باحتجاجات شعبية أكثر من مرة، أضرت بصورة النظام وشككت بحجم حاضنته المجتمعية. ومن جهة أخرى يشكل الصراع المستمر على السلطة بين أجنحة النظام، والمدى الذي يمكن أن يصل إليه، تأثيراً مهماً في استقرار النظام ووجود قواته خارج إيران، وكذلك التباين حول أولوية وجدوى الوجود العسكري في المنطقة العربية، حيث يرى الطرف الأضعف أن استحقاقات ذلك الوجود ضاعفت أعباء الموازنة واستعداء الإقليم، وبالمقابل فالطرف الثاني الأكثر نفوذاً يرى في الوجود الإيراني في المنطقة العربية دفاعاً عن الأمن القومي لبلاده، ووفر لها مزايا اقتصادية وجيوسياسية مكنتها من التحايل على العقوبات الاقتصادية ودعمت قوة أوراقها التفاوضية.

-  الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة العربية

وتعد هي ثاني المحددات الحاكمة للوجود الإيراني، فقد أظهرت إيران قدرة على ممارسة الضغوط في سبيل تحقيق استراتيجيتها، حيث تحظى المنطقة العربية بأهمية خاصة لها، نظراً لمكانتها الدينية لدى المسلمين عامة، ووجود بعض الأماكن المقدسة لدى الشيعة، وكذلك موقع المنطقة الاستراتيجي، وغناها بكثير من الثروات، إضافة إلى البعد التاريخي المتعلق بالتدافع العسكري بين إيران والعرب قبل الإسلام وبعده كديانة سماوية دان بها العرب وغيرهم من الأمم ومنهم الفرس.

ومنذ قيام الثورة الإيرانية (11-2- 1979) بقيادة المرشد الأول "الخميني" تبنت الدولة الإيرانية استراتيجية تصدير الثورة (ولاية الفقيه) وتوسعت دائرة نفوذها، وثبتت تلك الأهداف في مواد بالدستور، منها المادة الثالثة الفقرة (16): "تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، والحماية الكاملة لمستضعفي العالم". وخصصت لها مؤسسات وأجهزة رسمية لتحقيق تلك الأهداف، على رأسها الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً فيلق القدس فيه، المعني بتنفيذ الجانب العسكري خارج إيران، إضافة إلى المؤسسات التي تصنف على أنها أدوات ناعمة، وقد عملت إيران منذ وقت مبكر على تهيئة فضاء المنطقة العربية ولا سيما على الآسيوية، مستغلة روابط الانتماء الشيعي ومزاعم المظلومية لدى بعض المجتمعات.

وتعمل إيران على إدامة وجودها بالمنطقة وضمان ربط مصير حلفائها بها من خلال:

-   زيادة عوامل التأثير في الحلفاء (الفصائل الشيعية والمؤسسات الحكومية في العراق وسوريا ولبنان واليمن)، وإعادة هيكلة مكوناتهم بما يؤدي إلى إبعاد الشخصيات المتحفظة على تأثير الوجود والنفوذ الإيراني عن قرارات مكوناتها ويضمن ولاء تلك المكونات لإيران، إضافة إلى توريط حلفاء إيران بصراعات وعداوات مع مجتمعاتهم، تجعلهم محتاجين إلى استمرار التحالف معها (إيران).

-   عقد اتفاقات سياسية وعسكرية مع الدول العربية التي يتمتع حلفاء إيران بنفوذ فيها، كالعراق وسوريا وغيرها، بهدف منح الوجود العسكري الإيراني مشروعية تضمن وجوده في تلك الدول.

-   التركيز على إقامة علاقات مع شخصيات وجهات غير شيعية لمحاولة التقليل من صفة العلاقات الطائفية وارتباط الوجود الإيراني بولاء بعض الشيعة العرب فقط، وتعتمد على التغيير الثقافي وشراء الولاءات وتوريطهم بأعمال عدائية تؤدي إلى ارتباط مصالحهم بإيران.

-   تعزيز علاقة إيران مع شيعة دول الخليج، حيث يتوقع أن تحاول إيران إقلاق أمنها من خلال تحريض الشيعة ورفع سقف مطالبهم، واستغلال السياسات الاقتصادية الجديدة المعتمدة على الضرائب، وكذلك عدم تحقيق التحالف العربي الذي تقوده السعودية انتصاراً في اليمن ضد جماعة الحوثي المتحالفة معها (إيران).

ومن جهة أخرى تحاول إيران استغلال تعدد الفاعلين الدوليين، وتركيزها على المؤثرين منهم في القرار الأمريكي، حيث تدفع أصدقاء الولايات المتحدة، وتحديداً الأوروبيين، للعودة إلى ما قبل الإجراءات التي فرضها الرئيس ترامب، ورفع العقوبات ولو تدريجياً، وهو ما يتناسب مع توجهات إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، ولكن تتباين التكاليف التي يمكن أن تقدمها إيران.

-  موقف الدول العربية

منظومة العمل العربي المشترك المتمثلة بجامعة الدول العربية تمر بمرحلة ركود وغياب الدور القيادي المدافع عن أمن المنطقة العربية، والمقاوم للوجود الإيراني، الذي أصبح يؤثر في القرار السياسي والعسكري في أربع دول عربية، وساهمت الصراعات العربية والخلافات العربية العربية في تمدد الوجود العسكري الإيراني.

ومن جهة أخرى فإن إقدام بعض الأنظمة العربية على تطبيع علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي يضعف علاقتها بشعوبها، ويمنح إيران وحلفاءها فرصاً لترويج شعاراتهم ومشاريعهم.

-  توجهات السياسة الأمريكية تجاه إيران والمنطقة العربية

من المتوقع أن تعتمد إدارة الرئيس جو بايدن في علاقتها مع إيران ووجود الأخيرة في المنطقة العربية على أداتين رئيسيتين هما المساومة والتوافقية، فالأولى تتمثل بالأدوات الضاغطة على إيران كي تقبل الامتثال لمطالبها، والثانية تتمثل في تبني إدارة الرئيس بايدن لسياسات تعبر عن رغبتها في التوصل إلى تفاهمات معها، حيث تستخدم هاتين الأداتين معاً في إدارة أي أزمة.

المحدد الآخر في السياسة الأمريكية المتوقعة هو استجابتها للرأي العام الأمريكي وتفاعلها الإيجابي مع ضغوطه، وكذلك رغبة الرئيس الأمريكي الرئيس جو بايدن، الذي يتمتع بخبرة بصفته نائب رئيس سابق ورئيس لجنة العلاقات الخارجية، في تبني سياسة خاصة بإدارته، المتباينة في تعاطيها مع رئاسة دونالد ترامب، لذلك تزداد احتماليات التغيير الكبير في السياسة الأمريكية تجاه إيران، خصوصاً إذا ساعدتها إيران في التوصل إلى تفاهمات.

وتعتمد الإدارات الأمريكية المتعاقبة مبدأ إدارة الأزمات لا حلها، وما زالت توجهات إدارة بايدن السياسية تجاهها (إيران) قيد التشكل والتأثر بالعديد من العوامل ومستجدات الأحداث، وأولويات إدارته في الملفات الداخلية وفي السياسة الخارجية، وتأثيرات الشخصيات المرشحة لتولي المناصب المهمة في إدارته، وفي المجمل يتوقع أن تتسم سياسة إدارة بايدن بسمات سياسات إدارات حزبه الديمقراطية، المتعاونة مع الأوروبيين، واعتمادها التوازن بين مصالح حلفائها بالمنطقة والنهج الدبلوماسي، ومن ضمنه ممارسة الضغوط، ولن تكون شيكاً مفتوحاً لإيران إلا بحدود رؤيتها لتحقيقها للمصالح الأمريكية، ومنها:

-  ضرورة التوازن بين القوى في المنطقة، وكبح أي مشروع عربي سني.

-  ضمان أمن الاحتلال الإسرائيلي، ودفع العرب للوقوف معه ضد إيران التي رضيت لنفسها منافسة الكيان الإسرائيلي في العداء العربي.

-  الحفاظ على استمرار الصراعات الطائفية واستنزاف الجميع.

من جهته دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني (28 نوفمبر/تشرين الثاني 2020) الإدارة الأمريكية المقبلة إلى التعلم من تجربة إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب في التعامل مع إيران، مشدداً على أن سياسة فرض العقوبات لن تحقق أهدافها.

السيناريوهات

انسجاماً مع التطورات المستمرة في بيئة المنطقة العربية الجيوسياسية، والبيئة الداخلية للنظام الإيراني، وبناء على المحددات المذكورة، فإن السيناريوهات المتوقعة تتراوح بين ثبات الوجود الإيراني أو تعزيزه أو تراجع مستوياته.

السيناريو الأول: تعزيز الوجود الإيراني

يتوقع هذا السيناريو أن تؤدي عودة المفاوضات والتفاهم، ولو جزئياً، بين إيران وإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن والدول الأوروبية، إلى رفع العقوبات الاقتصادية وانعكاسها على زيادة إنفاق إيران على مشاريعها المدنية والعسكرية، إضافة إلى تصديرها الاتفاق على أنه انتصار لها يعزز وجودها- ومن ضمنه العسكري- في الدول العربية الموجود فيها؛ العراق وسوريا ولبنان وأجزاء من اليمن، وبعض مناطق دول الخليج العربية، إضافة إلى توسع أنشطتها الثقافية/الطائفية والاقتصادية في دول عربية أخرى.

وستحاول إيران التأثير في إدارة بايدن والدول الغربية، من خلال استغلال الامتعاض الدولي من سياسات دونالد ترامب، التي تسببت بتوتر علاقة أمريكا مع العديد من الدول الحليفة لها.

يعزز هذا السيناريو استمرار حالة الانقسامات العربية، وضعف العمل العربي المشترك المتمثل بجامعة الدول العربية، واعتبار إيران أن أي تراجع في مستويات وجودها في الدول التي توجد فيها سينقل المعركة إلى داخل حدودها.

السيناريو الثاني: تراجع الوجود الإيراني

يفترض هذا السيناريو أن تؤدي مجموعة من العوامل والتطورات إلى تراجع مستويات الوجود الإيراني في بعض الدول العربية، وتستند فرضية السيناريو إلى حالة الاحتجاجات المتكررة في داخل إيران، وزيادة ضربات الاحتلال الإسرائيلي لمواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا مع عدم الرد عليها من قبله، إضافة إلى التنافس بين الفاعلين الإقليميين وإيران وتحديداً السعودية وتركيا وروسيا.

السيناريو الثالث: ثبات الوجود الإيراني

يتوقع هذا السيناريو أن يتسم الوجود الإيراني في بعض الدول العربية بالثبات على ما حققه خلال الفترة الماضية، حيث تركز إيران على أولوياتها الداخلية وتثبيت الوجود في الخارج دون توسع أو انسحاب.

وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يعد أكثر منطقية بين السيناريوهات، فإن ما يضعفه يتمثل في طبيعة المنطقة، وتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين، وضعف استقرار البيئة الداخلية الإيرانية من الناحية الاقتصادية وتأثيرها في مستويات المعيشة أو شهية القادة الإيرانيين "المحافظين"، ورغبتهم في التوسع في دول المنطقة العربية.