AR EN

هل تؤدي نتائج انتخابات إسطنبول إلى انتخابات مبكرة؟

وحدة الرصد والتحليل
11 يوليو 2019
تحميل نسخة pdf

المقدمة

قد تشكل نتائج جولة إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى نقطة تحول في معادلات السياسة التركية الحديثة، حيث إنه لأول مرة منذ ربع قرن يفوز حزب الشعب الجمهوري (العلماني) برئاسة البلدية، بعد سنوات من هيمنة الأحزاب المحافظة عليها (حزب الرفاه وحزب العدالة والتنمية). وقد شهدت جولة الإعادة تنافساً غير مسبوق، سخرت خلاله الأحزاب جل إمكانياتها للفوز برئاسة البلدية، وهو ما عظم من خسارة حزب العدالة والتنمية لرئاسة البلديات الكبرى، بعد أن راهن على استعادة الفوز برئاسة بلدية إسطنبول نظراً لهامش الخسارة الضيق في الجولة الأولى (ثلاثة عشر ألف صوت).

يتناول تقدير الموقف تكتيكات الأحزاب في جولة إعادة الانتخابات وقراءة نتائجها، ويبحث في التداعيات المحتملة لها، على صعيد حزب العدالة والتنمية وعلاقته بحليفه الحركة القومية والمعارضة المسيطرة على البلديات الكبرى، ومدى إمكانية إجراء انتخابات مبكرة.

تكتيكات الأحزاب في جولة الإعادة

حاولت الأحزاب التركية المتنافسة الاستفادة من تجربة دعايتها في الجولة الأولى لانتخابات إسطنبول في جولة الإعادة، فقد عمل حزب العدالة والتنمية على تقييم تجربته، ومن ثم بنى حملته الدعائية في الجولة الثانية على ثلاثة اتجاهات تتعلق بالحزب ومرشحه، وأخرى خاصة بالمرشح المنافس، وبرنامج حزبه. فقد حرص خطاب مسؤولي الحزب على تأكيد فهمهم لرسالة الناخبين في الجولة الأولى، وأنهم شرعوا في إصلاح الأخطاء، كذلك تعمد الحزب إبراز شخصية مرشحه لرئاسة بلدية إسطنبول بن علي يلدرم وتقليل دور رئيس الحزب رجب طيب أردوغان في الدعاية الانتخابية، وتقليل درجة الخطاب المبالغ فيه من تداعيات نتائج الانتخابات على الأمن القومي التركي الذي تصدَّر الجولة الأولى، وعمل الحزب على تبرير إعادة الانتخابات من خلال شرح الأسباب المتمثلة بوجود تلاعب وسرقة لأصوات مرشحه في الجولة الأولى ورفض حزب الشعب لإعادة فرز أصوات الناخبين، ورغم تبني الحزب للمشاريع والخدمات الخاصة بإسطنبول فقد استمرت الدعاية الخاصة بالحكومة حاضرة على حساب دعاية البلدية.

أما فيما يخص المرشح المنافس أكرم إمام أغلو فقد حرص إعلام حزب العدالة والتنمية على إظهار كذبه وهفواته وزلاته، كما حدث مع والي أردو الذي وصفه بأوصاف نابية، مع تذكير المواطنين، وخاصة الطبقة المتدينة، بمواقف حزب الشعب الجمهوري وسوء إدارته.

من جهته ركز حزب الشعب الجمهوري، ومرشحه لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أغلو، على المظلومية والتبشير بالمستقبل، وأن كل شيء سيكون جميلاً، حيث اعتمدت الحملة الانتخابية عليها، إضافة إلى مجموعة من الأوراق التي استخدمها لزيادة شعبية مرشحه (أكرم إمام أوغلو)؛ كتدهور الأحوال الاقتصادية نتيجة تضخم الأسعار، وكذلك ملف اللاجئين السوريين، والإسراف في إنفاق بلدية إسطنبول، إضافة إلى إغراءات حملته الانتخابية المتعلقة بتخفيض أسعار المواد والخدمات الأساسية، مستعيناً بتحالفه غير المعلن رسمياً مع الأحزاب الأخرى التي ترى في هزيمة حزب العدالة والتنمية فوزاً لها جميعاً.

قراءة نتائج جولتي الانتخابات

تعد إسطنبول، بمكانتها وإمكانياتها، العاصمة الاقتصادية لتركيا، والمدينة التي تعد منصة الاختبار على صلاحيات أي حزب لحكم تركيا. وعلى الرغم من التقارب الكبير حد التطابق في نسبة المشاركة في جولتي الانتخابات الأولى (83,9%) والثانية (84,4%)، فإن النتائج جاءت على غير ما تمناها الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) الذي اعتاد المراهنة على جولة الإعادة لتعويض خسارته، كما حدث في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015. وقد توسع الفارق بين المرشحين لحساب أكرم إمام أغلو بين جولتي الانتخابات بمعدل 59 ضعفاً، حيث وصل في الجولة الثانية إلى 806,426، في حين كان في الجولة الأولى 13,729 فقط.

وقد كان مجموع الناخبين (10,570,222)، في حين بلغت الأصوات (8,925,056)، وبلغ مجموع الأصوات الصحيحة (8,746,458).


كشفت نتائج إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول عن نجاح استراتيجية المعارضة وفشل استراتيجية حزب العدالة والتنمية، الذي أقر بالهزيمة وبارك لمنافسه من خلال رئيس الحزب رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، الذي أكد تجلي إرادة الناخبين، ووعد بالعمل مع أكرم إمام أغلو الفائز برئاسة البلدية، واستكمال تحقيق الأهداف الاستراتيجية 2023.

وبقراءة النتائج التفصيلية لكل البلديات الفرعية، لم يستطع حزب العدالة والتنمية المحافَظة على نسبة ما حققه في الجولة الأولى في أي بلدية، ومن ضمنها تلك التي استطاع مرشح الحزب الفوز فيها، حيث خسر الحزب في كل البلديات ولم يتقدم حتى في واحدة منها.

وللتذكير بنتائج انتخابات بلدية إسطنبول التي جرت عام 2014 فقد حصد العدالة والتنمية حينها في إسطنبول 47.95% (قدير توباش)، وحصد حزب الشعب الجمهوري 40.08% (مصطفى سراجول)، مع الإقرار بوجود تغيرات في موازين القوى نتيجة الأحداث السياسية والاقتصادية التي شهدتها تركيا بين عامي 2014-2019.

وتعد الأسباب الاقتصادية هي الأداة الأولى، خاصة بالنسبة إلى الناخبين المستقلين، إضافة إلى طبيعة الدعاية العاطفية المتعلقة بالمظلومية والمحسوبية، وضرورة التجديد، وتوجيه رسالة شعبية للحزب الحاكم.

كما كشفت ردود الفعل على قرار اللجنة العليا بإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، ولاحقاً النتائج، عن فشل حزب العدالة والتنمية في تبرير أسباب إعادة الانتخابات، واستمرار التضاد داخل صفوف الحزب، والفشل في توحيد صفوفه، حيث استنكر الرئيسان السابقان؛ عبد الله جول ورئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، القرار، واعتبراه مضراً بالديمقراطية التركية وسمعتها الدولية.

كذلك فشلت الورقة الكردية التي حاول حزب العدالة والتنمية تعزيز فرص فوزه من خلالها؛ باستمالة الصوت الكردي من خلال نشر رسالة من رئيس حزب العمال الكردستاني، الذي يقضي عقوبة بالسجن المؤبد، دعا خلالها المواطنين الأكراد إلى مقاطعة الجولة الثانية وعدم التصويت لأي من المرشحين الرئيسيين، بل إنها أتت بنتائج عكسية، ربما دفعت حلفاء العدالة من القوميين للتصويت لمرشح حزب الشعب.

حزب العدالة والتنمية

يعد حزب العدالة والتنمية "الحاكم" المعني الأول بقراءة نتائج الانتخابات البلدية وتفسيرها، إذ يتوقف عليها مستقبل الحزب والتشكيلة السياسية التركية بشكل عام، حيث تمثل خسارة رئاسة بلدية إسطنبول خلال جولتي الانتخابات مؤشراً على إمكانية تغير المعادلات السياسية، رغم حصول الحزب على أغلبية مجلس بلدية إسطنبول والبلديات الفرعية. لذلك من المتوقع أن تدفع النتائج قيادة الحزب إلى إحداث إصلاحات حقيقية تتعلق بتكوين الحزب وإعادة الاعتبار لنسب تمثيل فئات المجتمع التركي، وكذلك خطابه السياسي وأولويات الإنفاق الحكومي.

كما أن الحزب معني بدراسة جدوى التحالف مع حزب الحركة القومية، حيث أصبح التحالف بنظر بعض الشخصيات (أحمد داوود أوغلو) كابحاً لشعبية حزب العدالة والتنمية، ومقيداً للسياسة الخارجية لتركيا، خصوصاً فيما يتعلق بالأكراد وسوريا، وإن كان لا بد من الإقرار بوجود مقاربة مع سياسة حزب العدالة والتنمية والقوات المسلحة. ومع ذلك فالمتوقع أن يسعى العدالة والتنمية إلى إحداث تغيير في الخطاب السياسي والمواقف، مع الاحتفاظ بتحالفه مع الحركة القومية، ومحاولة ضم أحزاب وكتل أخرى.

كما أن نتائج الانتخابات قد تدفع إلى التعجيل في إنشاء حزب أو أحزاب جديدة، وإلى إعادة النظر بطبيعة النظام الرئاسي وخطورته في حال فازت المعارضة.

تجربة الشراكة

فرضت نتائج الانتخابات البلدية، المتمثلة بفوز المعارضة (حزب الشعب الجمهوري) بأغلبية البلديات الكبرى، ضرورة التعامل بين الحزب الحاكم والمعارضة، من خلال المسؤولين في الحكومة والبلديات، وخاصة فيما يتعلق بالمشروعات الكبرى، على الرغم من كونها من صلاحيات الحكومة. كما أن احتفاظ حزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد مجالس إسطنبول وأنقرة سيجعل رؤساء البلديات التابعين لحزب الشعب محتاجين إلى التنسيق والتعاون مع كتلة الأغلبية لتنفيذ برنامجهم. فالسنوات الأربع القادمة خالية من أي انتخابات من الناحية القانونية، ما لم تحدث مفاجآت، كما أنها قد تكون خالية من المعارضة، حيث الأحزاب الرئيسية يفترض أنها مشاركة في السلطة والمسؤولية بشكل جماعي، ومن ثم فالجميع معني بالتنافس وتقديم الأفضل، والمتوقع أن يعمل حزب العدالة والتنمية الحاكم والمعارضة بشكل أكبر، على إثبات أحقية فوزهم في الانتخابات الرئاسية والنيابية عام 2023 والمحلية 2024، وهذا قد يولد صورة جديدة من العلاقة بين الحكومة والمعارضة تختلف عما كانت عليه سابقاً، وإن كان لجوء المعارضة إلى تحميل الحزب الحاكم فشلها في تنفيذ برامجها الانتخابية احتمالاً وارداً.

وستحاول المعارضة استغلال فرصة فوزها في تفكيك الشبكات التي ساعدت حزب العدالة والتنمية على ترسيخ وجوده بنجاح في السلطة، وإعادة هيكلتها لمصلحة المعارضة، كما أن نتائج الانتخابات قد ترفع مستويات مقاومة الإصلاحات في هياكل الوزارات والمؤسسات.

السيناريوهات

بقدر ما أعادت نتائج الانتخابات الثقة لأحزاب المعارضة، تحولت قراءتها إلى الترويج لضعف حزب العدالة والتنمية الحاكم، وصعوبة معاودته تصدر نتائج الانتخابات، على الرغم من التفاوت في رصيد السمعة والإنجاز لكل منهما.

وقد أثبتت أحداث السنوات الماضية أن تركيا تشهد ديناميكية متحركة وبسرعة وباتجاهات غير متوقعة على الصعيدين المحلي والدولي، ومن ثم فإن من الصعوبة تحديد مسارات التفاعلات ونتائجها، ومع ذلك تتمثل سيناريوهات المرحلة القادمة في احتمالية الانتخابات المبكرة بوصفها المتغير الأبرز، وسيناريو المسار الرسمي.

السيناريو الأول: انتخابات مبكرة

قد تلجأ المعارضة، بزعامة حزب الشعب الجمهوري، مدفوعة بنتائج الفوز برئاسة البلديات الكبرى؛ إلى تنفيذ الاستراتيجية التي سبق أن كشف عنها مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية الماضية (محرم إنجه)، المتمثلة بالفوز بالبلديات الكبرى ثم الدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، بناء على أن نتائج انتخابات البلديات بمنزلة استفتاء شعبي يلغي نتائج الانتخابات الماضية.

بالمقابل فإن نتائج الانتخابات المحلية، وفي ظل الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة، من المحتمل أن تجعل حزب العدالة والتنمية يعارض أي انتخابات مبكرة، حيث يرى الحزب احتفاظه بأغلبية البلديات، ومن ضمنها مجالس البلديات الكبرى باستثناء بلدية إزمير.

يضعف سيناريو الانتخابات المبكرة حالة التباين في صفوف المعارضة وتصوراتها تجاه مستقبل علاقتها، إضافة إلى التحديات التي تواجه تركيا، وخصوصاً على الصعيد الخارجي، وغياب الحماسة لدى الناخبين، وخشية الطرف الذي قد يتبنى تصعيد الأوضاع والدعوة إلى انتخابات مبكرة من معاقبة الشعب له.

السيناريو الثاني: انتخابات في موعدها

يفترض هذا السيناريو وجود مصلحة مشتركة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة، في إجراء الانتخابات بموعدها (الرئاسية 2023، والمحلية 2024)، نظراً لطول غياب المعارضة عن الحكم، وحاجتها إلى ترتيب أوراقها وإحداث إنجازات في البلديات التي فازت بها، كما أن الراغبين بتأسيس أحزاب جديدة يدعمون هذا المسار القانوني. وحتى في حال رغبت المعارضة بانتخابات مبكرة فإن الحزب الحاكم سيعمل على عرقلتها، ما لم تشهد تركيا مفاجآت تصعيدية. ومع توقع أن تشهد هذه المرحلة مواجهات بين الحزب الحاكم والمعارضة، فإن المشاريع الاستراتيجية قد لا تتأثر بها، حيث يراهن على مردوداتها الحزب الحاكم في الفترة القادمة.

من غير المنطقي افتراض ثبات المعطيات الحالية وتطورها في سياقات وفق إمكانياتها وسمعتها المعنوية الحالية للأحزاب والشخصيات السياسية، دون إدراك لطول الفترة التي تفصل عن أقرب انتخابات، إذا ما افترضنا عدم حدوث أي انتخابات مبكرة، لذلك من المتوقع في حال إجراء الانتخابات في موعدها أن تشهد موازين القوى تغيرات قد تكون لمصلحة الحزب الحاكم، إلا أن مرحلة التفرد بالحكم ستكون صعبة في ظل دخول مرحلة التحالفات بين الأحزاب، وهو ما سيفرض على العدالة توسيع تحالفاته.

وقد تكون نتائج جولة إعادة انتخابات رئاسة إسطنبول، في ظل إعلان قيادات سابقة كبيرة في العدالة والتنمية، أمثال الرئيس التركي السابق عبد الله جُل، ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو؛ قد كشفت عن حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه تأسيس حزب جديد، حتى وإن تضاعفت تلك النسبة، فإن حزب العدالة سيبقى متصدراً المشهد السياسي، لكنه بحاجة إلى تصدير وجوه شابة تمتلك كفاءات وإنجازات وتوسيع دائرة تحالفاته.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية