الاتحاد العام التونسي للشغل ... المكون المدني المشارك في إدارة الحكم

الاتحاد العام التونسي للشغل … المكون المدني المشارك في إدارة الحكم

سهام الدريسي

|

2022-06-14

|

طباعة

|

مشاركة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on email
Share on pinterest
سهام الدريسي

|

2022-06-14

|

طباعة

|

مشاركة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on email
Share on pinterest
سهام الدريسي

|

2022-06-14

|

طباعة

مشاركة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on email
Share on pinterest

يعكس العمل النقابي النشط تطور مفهوم التشغيل داخل المجتمع، حيث يتفاعل مع متغيرات الوضع الاقتصادي والسياسي، حتى يصبح الضمانة للحقوق المهنية والمالية أمام الدولة. وهكذا يعد الاتحاد العام التونسي للشغل من أكبر الحركات النقابية، وأكثرها تأثيرًا عل السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى المشهد السياسي في تونس، حيث يمثل فاعلًا مدنيًا اجتماعيًا مركزيًا، ليس للدفاع عن حقوق الشريحة العمالية فحسب، بل لتأمين الوحدة الوطنية أيضًا، على الرغم من أنَّ العمل النقابي أصبح يواجه الكثير من التحديات في الدول العربية وحول العالم، نتيجة لتراجع نفوذ قوى اليسار داخل منظومات الحكم، وصعود ما يُعرف بالحركات الاجتماعية كبدائل احتجاجية مؤقتة، حيث إنَّ تغول النموذج النيوليبرالي، والتوّجه نحو خصخصة الاقتصاد وباقي المؤسسات أضعف الحضور النقابي[1]، إلا أن الاتحاد العام التونسي للشغل لازال مؤسسة نقابية قادرة على تعبئة الطبقة العمالية، وإيجاد الحلول لإشكالياتها، حيث كشف الحضور المكثف والمؤثر للمنظمة الشغيلة كفاعل مركزي داعم لمسار الدمقرطة ما بعد 2011 عن انتعاشة العمل النقابي واستمراريته[2].

بدون شك، فإنَّ ثورة 2011 أنعشت الأيديولوجيا الجماعية التي تحكم الفعل النقابي على مستوى علاقات العمل وعلاقاتها بالدولة، وهكذا، فإن مساهمة الفاعل النقابي في إسقاط نظام “بن علي” على الرغم من كل الانتقادات حول نجاعتها وتأخرها، ثم ترتيب طرق تغيير النظام وترسيخ البناء الديمقراطي، كل ذلك وغيره جعل منه ركيزة لإنقاذ مرحلة الانتقال الديمقراطي من جهة، وصاحب شرعية شعبية وسياسية لدى النخب السياسية والشعب من جهة أخرى.

فبعد سقوط نظام “بن علي” في يناير 2011 وبداية مرحلة الانتقال الديمقراطي، ظهرت فعالية منظمات المجتمع المدني، وقوة مشاركتها في تقويض النظام السابق، وبناء نظام آخر أكثر ديمقراطية. حيث تبوأ الفاعل المدني الاجتماعي مكانة ذات أهمية، إلى درجة أصبح أحد مرتكزات الاستقرار السياسي المجتمعي، في ظلّ أزمة الشرعيّة التي عرفها الفاعل السياسي خلال مرحلة العشريّة الأخيرة.

تموقَعَ الفاعل المدني -الاتحاد العام للشغل- كشريك أساسي في مختلف اللحظات الفاصلة ومنجزات المرحلة الانتقالية، حيث تميز بدور الوسيط المفاوض كلما تزعزعت شرعية السلطة الحاكمة. والتدخل في إعادة هندسة المشهد السياسي التونسي كلما “تصدع جهاز الهيمنة” على حد تعبير المفكر غرامشي[3]، مثلما حصل تحضيرًا للمجلس الوطني التأسيسي، وصياغة الدستور الجديد، والحوار الوطني خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي.

أثبتت المشاركة المدنية السياسية للاتحاد العام التونسي للشغل أن إدارة الشؤون العامة ليست حكرًا على مؤسسات الدولة، بل تتجاوزها إلى المجتمع المدني، بمعنى أنَّ المنظمات المدنية العريقة تصبح الأكثر قدرة على تشكيل بنى الهيمنة والنفوذ داخل الشارع والمشهد السياسي في الآن ذاته، بعد تصدع شرعية منظومة الحكم وعدم اكتمال معالمها، لذا يرى الباحث الأكاديمي “سالم لبيض” أنَّ التداخل بين السياسي الوطني والنقابي المطلبي يعد خصوصية تونسية بامتياز، استمرت في مختلف ردهات التاريخ السياسي التونسي المعاصر، فالاتحاد هو الذي قاد المفاوضات الاجتماعية كل ثلاث سنوات التي كانت تؤدي إلى الزيادة في الأجور”[4].

في الواقع، وعلى الرغم من بعض الأزمات المؤقتة التي لطالما حدثت بين كل الأنظمة التونسية الحاكمة والاتحاد العام التونسي للشغل، فإنَّ اكتمال البنية النقابية للنسيج الاقتصادي والاجتماعي دفع نحو علاقات تعاون ومهادنة، فقد تبنت الدولة التونسية بشكل واضح نموذج التعاضدية المهنية النقابية، التي تمنح مزايا عدة لممثلي الاتحاد العمالي، بمعنى آخر تم تثبيت معادلة العمل ورأس المال، مقابل الولاء السياسي للنظام الحاكم.

فمكونات المشهد السياسي، حيث يتعدد الفاعلون في الدولة الحديثة بحكم تطور الانظمة السياسية، تعتمد على ميكانيزمات التعاون والتشارك في إدارة الشأن العام مؤسساتيًا ومجتمعيًا، وتتميز مكونات السياسية برضوخها غالبًا إلى ضروريات الانفتاح، بما فيها التعاون مع المجتمع المدني والأحزاب المعارضة وغيرها من الفاعلين في إطار مؤسسات الدولة.

وقد تمكنت النخب الاجتماعية من التأثير في مسارات الانتقال الديمقراطي، بعد أن كانت أغلبها مهمشة أو مُتخفية خلف الزعيم الواحد ما قبل اندلاع انتفاضات الربيع العربي، لذا يرى الكثير من الباحثين أنَّ اتسام دور النخب المدنية الاجتماعية بالعمل السياسي مهم على الفاعل النقابي، على الرغم من تهميشه لعدة عقود وإسقاطه من دوائر الاهتمام[5].

لقد أنتجت التحولاتُ السياسية لما بعد 2011 حالة فراغ في المشهد السياسي، بعد سقوط الأنظمة السلطوية، ومجالًا عامًا شبه ديمقراطي، قائمًا على تقاسم السلطة وإتاحة المجال أمام المشاركة السياسية.

لذا تهدف هذه الورقة البحثية لتحليل بنى الهيمنة والنفوذ لدى الاتحاد العام التونسي للشغل، كونه فاعلًا مدنيًا في السياق التونسي المعاصر، فهي تراوح بين مؤسسية الاتحاد وانتشاره الجغرافي الكبير، وقدرته على التعبئة الشعبية، إلى جانب الشرعية التاريخية، على الرغم من الانقسامات الداخلية، وسياسات التحالف والتصادم مع الفاعل السياسي.  كذلك، تتعرض الورقة البحثية للاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه قوة مقاومة مدنية، قادرة على التفاوض مع السلطة قبل وبعد 2011.

 

المحور الأول: الاتحاد العام التونسي للشغل: المرجعية المفاهيمية والشرعية التاريخية 

النقابة العمالية هي مؤسسة ذات دور وظيفي وبنيوي، يسمح لها باقتحام مجال السلطة؛ لمفاوضتها من جهة، ومنافستها من جهة أخرى، كما يرى المفكر “دوركايم”، لذا فإنَّ المؤسسة النقابية تتمتع بطابع بيروقراطي، يسمح لها بالتحرك باستقلالية وحرية؛ للدفاع عن حقوق الشريحة العمالية، والتصدي بفعالية للممارسات التعسفية للسلطة الإدارية أو الحكومية.

أولًا: المرجعية المفاهيمية للعمل النقابي

من المنظور اللغوي، فإن مفهوم النقابة يعني “الرئاسة”، حيث يتولى نقيب القوم إدارة أمورهم وتمثيلهم وقيادتهم. وفي الاصطلاح، تُعرف النقابة كهيئة ذات شخصية قانونية ومُفاوِضة للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشريحة العمالية في القطاع العام أو الخاص، فهي تتشكل أساسًا من مجموعة يتشاركون الصفة المهنية أو القطاعية.

كذلك، تكون المنظمة النقابية ذات صبغة غير ربحية أو مسيسة في الآن ذاته؛ لأنها جزء من القطاع الثالث -المجتمع المدني- الذي يكرس العلاقات التضامنية والتعاونية بين الشريحة العمالية[6].

تاريخيًا، ظهر مفهوم التمثيل النقابي للعمال بمقتضى معاهدة “فرساي” الدولية في عام 1919، حيث انبثقت عنها منظمة العمل الدولية، التي نصت على كل الدول الأعضاء، بضرورة تعيين مندوبين غير حكوميين، مخولين لحضور المؤتمر العام، بالتعاون والاتفاق مع الهيئات العمالية الأكثر تمثيلًا[7]. وقد قامت الدولة الفرنسية بمقتضى القانون 1936 بمنح الهيئات النقابية الأكثير تمثيلًا، من حيث عدد المنتسبين إليها؛ لتوقيع العقود الجماعية والتفاوض مع الإدارات المركزية.

وهكذا، تصبح النقابة العمالية مؤسسة ذات سيادة وشرعية، أمام الإدارة المركزية للدفاع عن الشريحة العمالية، التي تمثل القوة الإنتاجية داخل الدولة، وتجدر الإشارة إلى أنَّ المؤسسة النقابية تتمايز عن باقي مكونات القطاع المجتمع المدني، بانخراط الطبقة العمالية بمقابل اشتراك مالي[8].

تتشكل المنظمة الشغيلة من قيادة مركزية موحدة، وهياكل ولجان نقابية محلية وقطاعية، فكلها تشتغل على استقطاب وتمثيل القوة الإنتاجية، أمام أصحاب العمل والحكومة، وبدون شك، تمثل الهيكلة المؤسساتية للمنظمة الشغيلة تطورًا للوعي المدني الاجتماعي، فيما يتعلق بحقوق الطبقة العمالية، ويتبلور هذا الوعي في تأسيس هيئة تفاوضية وذات شرعية انتخابية من طرف قواعدها العمالية، كما يعكس توفر عنصر الثقة من الطبقة العمالية في القيادات النقابية المركزية والمحلية القطاعية، بسبب تشاركها في الهدف والقضية ذاتها[9].

يمنح هذا النمط التعاقدي والترابطي بين الطبقة العمالية والمنظمة النقابية، الصلاحية لقياداتها المركزية أو المحلية، بممارسة مختلف أنواع الضغط السلمي على أصحاب العمل أو الحكومة (المؤسسات الإدارية)، من خلال التفاوض، وإقرار أساليب الاحتجاج والإضراب، وتلتزم المنظمة الشغيلة، على غرار كل النقابات العمالية حول العالم، بعقد مؤتمراتها الانتخابية بشكل دوري، إلى جانب تحضيرها لمختلف اللوائح وأهدافها.

على المستوى القانوني، يضمن الاتحاد العام لحقوق الإنسان حق التنظيم صلب النقابات العمالية، فقد ورد في الفصل 23 أن “لكل شخص الحق في أن يُنشئ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته”. كذلك تنص اتفاقية منظمة العمل الدولية التي صادقت عليها البلاد التونسية في 1957 على حق تكوين الجمعيات، وحرية التنظيم بمقتضى الفصل كل عضو في منظمة العمل الدولية طرف في هذه الاتفاقية، عليه اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية واللازمة؛ لضمان ممارسة العمال والموظفين بحرية لحقهم في التنظيم. كذلك، يضمن الفصل 36 من الدستور الجديد “الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب” كما ينص الفصل 242 من المجلة القانونية للشغل على أنه “يمكن أن تتأسس بكل حرية نقابات أو جمعيات مهنية، تضم أشخاصًا يتعاطون نفس المهنة أو حرفًا مشابهة أو مهنًا مرتبطة بعضها ببعض، تساعد على تكوين منتوجات معينة أو نفس المهنة الحرة”[10].

لذلك، يرتكز العمل النقابي في البلاد التونسية أو أغلب التجارب المقارنة (بالأخص أمريكا اللاتينية) على ثلاثية العمل كفاعل مدني واجتماعي يدافع ويفاوض باسم الطبقة العمالية، ويقوم بالتعبئة ضد تجاوزات الرأسمالية، وكذلك يحفز على الاندماج الاجتماعي[11].

يتم تعريف الاتحاد العام التونسي للشغل، في الفصل الأول من نظامه الداخلي أنه “منظمة نقابية وطنية ديمقراطية مستقلة عن كل التنظيمات السياسية، تستمد شرعيتها وقوتها وقراراتها من القواعد العمالية، مقرها المركزي تونس العاصمة، وتضم جميع العاملين بالفكر والساعد والمتقاعدين منه”[12]، فالنقابة العمالية تتكفل بمهمة حماية وتقوية مصالح العمال، بغض النظر عن تصنيفهم المهني أو القطاعي، مما يضفي على أنشطتها والتزاماتها بعد أخلاقيًا.

بناء عليه، تصبح النقابة العمالية “سيف العدالة” و”القوة الموازية” والكابحة لأشكال الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية لرأس المال، وبهذا تحتكر القيادة النقابية أحقية الدفاع عن العمال وتمثيلهم باعتبارها “الصوت الجماعي لمطالبها”[13].

 يجدر بالذكر أن حق المواطنين في التشكيل والانضمام إلى النقابات العمالية، مكفول بمقتضى نص الدستور التونسي (1959 -الفصل الثامن/2014 -الفصل 36) ومجلة الشغل (فصل 367)، وباقي المواثيق الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية، فهو نشاط مدني اجتماعي مستقل عن كل تدخل حكومي.

وقد عرف العمل النقابي تحديات كبرى في ظل نظام الرئيس السابق “بن علي”، حيث عرف النقابيون المستقلون عن السلطة التضييقات والسجون، وقد تم التدخل بتغيير أعضاء المكتب التنفيذي، كما تعرض الكثير من النقابيين المنتمين إلى الاتحاد العام للشغل للتنكيل جراء انتقاداتهم لتواطؤ القيادات النقابية المركزية مع السلطة الحاكمة وتخاذلها في الدفاع عن حقوق العمال أو حقوق الإنسان[14]؛ لذا، فإنَّ العمل النقابي في تونس ما قبل 2011 ينطلق من الضوابط القانونية لحرية التعبير، والحق في تكوين الجمعيات وحرية التجمع بما يتلاءم مع السلطة الحاكمة.

ومن المعلوم أن النقابات العمالية تحقق تحركاتها الفعالة، من استثمارها لموارد قوتها، التي تتمثل في النفوذ النقابي والتنظيم المؤسساتي والانتشار الجغرافي القطاعي والتأثير المجتمعي[15].

وتتمثل أهداف الاتحاد العام التونسي للشغل، التي حددها الفصل الثاني من نظامه الداخلي في النقاط التالية:

–  النهوض وتطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الارتقاء بالوعي النقابي والدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للعمال.

–  إنشاء اقتصاد وطني اشتراكي ومستقل عن كل أوجه التبعية.

–  تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، بما يضمن طموحات جميع الشغالين والفئات الشعبية.

–  الدفاع عن الحريات العامة والفردية وترسيخ الديمقراطية وضمان احترام حقوق الإنسان.

–  التعاون مع الاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي، والاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب؛ بهدف تدعيم والدفاع عن الحقوق المهنية والمالية للطبقة العاملة، وبناء التكامل الاقتصادي.

–  دعم العمل على تحقيق الوحدة العربية وخدمة قضايا التحرر وتقرير المصير.

–  مؤازرة كل الحركات العمالية المضطهدة حول العالم.

ثانيًا: المقومات التاريخية لشرعية الفاعل المدني النقابي  

يعد الاتحاد العام التونسي للشغل -كجهة نقابية فاعلة- طرفًا جديدًا في المشهد المدني السياسي في تونس، فقد نجح الاتحاد الذي نشأ سابقًا من التنظيم النقابي العمالي الفرنسي في تونس، في التعبير عن مصالح العمال المحليين في ظل الحكم الاستعماري، خلال القرن العشرين، حيث اختارت الشخصيات والقيادات النقابية التونسية الانفصال والاستقلالية عن النقابة الفرنسية احتجاجًا على ممارسات التفرقة، والتمييز في الأجور، وظروف العمل من جهة، وتشكل الوعي الوطني المناهض للاستعمار من جهة أخرى.

تتجذر النقابية العمالية في حركة التحرر ضد المستعمر الفرنسي، مما يؤكد تغلغل الفعل السياسي والتحركات والمطالب المدنية والاقتصادية والاجتماعية.  ويُذكر بأنَّ الأنظمة الاستعمارية، وكذلك الأنظمة التي تولت الحكم بعد الاستقلال خلفت دمارًا على مستوى الأوضاع المعيشية لعامة الشعب[16]، ويجدر بالذكر أنَّ المحاولات الأولى لتأسيس المنظمة الشغيلة تبلورت فعليًا في عام 1924 تقريبًا 32 سنة ما قبل الاستقلال، بتحررها التدريجي والفعلي من الهيمنة والتبعية للمنظمة العمالية الفرنسية في عام 1946[17].

تجدر الإشارة أن الاتحاد العام التونسي للشغل، قد انضم إلى الجهد الوطني لمقاومة الاستعمار الفرنسي، من خلال تسخير وتحويل مجهوداته المهنية والنقابية لخدمة الحقوق الوطنية العامة[18]. وهكذا شكلت الحركة العمالية بقيادة الاتحاد قوة اجتماعية منخرطة بقياداتها وقواعدها في التعبئة للنضال الوطني.

وفي تلك المرحلة، لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورًا بارزًا في موازنة المشهد، ممَّا أكسبه وزنًا سياسيًا متأصلًا. وقد سمح الانتشار الجغرافي للاتحاد العمالي واستقطابه لشرائح واسعة من اليد العاملة، بتعزيز قوة المقاومة للاستعمار. ولم يؤثر الدور السياسي والنضالي للاتحاد العام التونسي للشغل ضد المستعمر، أو مشاركته في بناء دولة الاستقلال، على مهام الاتحاد الأساسية التي تتمثل في تحسين ظروف العمل والمعيشة للعمال، والتأثير على السياسات التنموية العامة[19].

وقد تبين الحضور المؤثر للمنظمة الشغيلة في دوائر صناعة القرار، خصوصًا في فترة ما بعد الاستقلال، من خلال المشاركة في المجلس الوطني التأسيسي المُكلف بصياغة دستور 1959، ثم تبنى الرئيس حينها “الحبيب بورقيبة” التوجه العام للاتحاد العام للشغل صلب البرامج الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

هنا أصبح بناء دولة الاستقلال وإدارة الحكم مسؤولية حزب الحر الدستوري الجديد بقيادة “بورقيبة” والاتحاد العام التونسي للشغل، بمعنى أنَّ المنظمة الشغيلة أصبحت شريكًا فعليًا في الحكم ومدافعًا عن حقوق العمال أمام السلطة في الآن ذاته[20].

نشطت قائمة الجبهة القومية بقيادة الحزب الحر الدستوري الجديد، إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف)، من خلال فوزها بأغلبية المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي، الذي دامت أشغاله عامين، إلى حدود إصدار دستور تونس في 1/6/1959، وقد تفاعلت المنظمة الشغيلة مع هذا التداخل الوظيفي، بطريقة تكتيكية تراوح بين التوافق مع السلطة والتمرد عليها بمقتضى المصالح من جهة، وحرصها للحفاظ على وحدتها الداخلية واستقلاليتها النقابية من جهة أخرى[21].

إنَّ التغيير المفاجئ والأحادي على رأس مؤسسة الرئاسة والسلطة التنفيذية عمومًا، قد ولد صدمة مختلَطة بالارتياح لدى غالبية الفاعلينَ السياسيين أو النقابيين والعامة أيضًا، حيث ازدادت خلال العقد الأخير (1975-1985) حالة السخط والمواجهات مع مواقف “الحبيب بورقيبة” وسياساته[22]، وقد شهدت فترة السبعينيات وبداية الثمانينيات تشكلَ الوعي السياسي النضالي؛ لتعدد الانتفاضات والإضرابات العامة، مثل: (انتفاضة الخبز في 1983-1984، والإضراب الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل في 1978، والتمرد المدعوم من نظام الرئيس الليبي “القذافي” في مدينة قفصة في 1980)[23].

وهكذا، طوال عقود وحتى اليوم، لعب الاتحاد دور المعارضة في مواجهته للحكومات المركزية في العديد من المناسبات، وفي سياق وضعيات مختلفة. على سبيل المثال، خلال انتفاضة الخبز سنة 1976، مثل الاتحاد أحد قوات التعبئة الرئيسة، والطرف المشرف على عملية التفاوض وممارسة الضغط من أجل إحداث التغيير.

وتبين مختلف لحظات التصادم مع السلطة على خلفية المطالب الاجتماعية أو السياسية، أنَّ الاتحاد العام التونسي للشغل متجذر فكريًا وأيديولوجيًا في تيار اليسار التونسي، وعلى الرغم من أنَّ المنظمة العمالية تجمع كل المرجعيات الأيديولوجية، فإن الفكر اليساري يهيمن على ديناميات الحراك، كما يجدر بالذكر أنَّ المنظمة العمالية لطالما انتقدت توجهات التيار الشيوعي، على الرغم من قربها من حزب اليسار “التجديد” آنذاك، وتعاملت مع النظام الحاكم للرئيس “بورقيبة” على الرغم من جفاء حزب الحر الدستوري، في فترة ما بعد سبعينيات القرن الماضي.

بدون شك، أن المنظمة العمالية تتميز بالقدرة على التوازن والتموقع ضمن موازين القوى، على الرغم من تغير تحالفاتها مع الفاعلين الحزبيين من جهة، وتلتزم بالتعامل مع الدولة ضمن الضوابط القانونية، بغض النظر عن توجهات أو تجاوزات النظام.

عرفت المنظمة العمالية إعادة تكييف هيكلها؛ لتراوح بين قوتها المدنية كمعارضة، وقوة سياسية محايدة نسبيًا في أواخر مرحلة نظام “بورقيبة”، حيث ترسخت كمنظمة تدافع فقط عن حقوق العمال وتمثيلهم بما يتناسب مع التوجهات الكبرى لنظام “بن علي”، ويجدر بالذكر أن الاعتقالات والتسريح من العمل وغيرها من التكتيكات أو الممارسات التعسفية لنظام “بورقيبة” في بدايات ثمانينيات القرن الماضي، أضعفت قوة الاحتجاج النقابي، فقد ساهم تغيير أعضاء السلطة الحاكمة لمجلس الاتحاد العام التونسي للشغل في عام  1986 في تحييد المنظمة العمالية من العمل السياسي[24].

في هذا السياق التاريخي كذلك، تميزت المنظمة العمالية بولائها للسلطة الحاكمة، وسكوتها عن انتهاكات حقوق الإنسان، التي عانى منها عدد كبير من اليسار التونسي والإسلاميين وبعض النقابيين[25].  ولطالما عُدَّ الاتحاد القوة الضاربة الموالية لنظام “بن علي”؛ نتيجة تقاربه من الحزب الحاكم “التجمع الدستوري الديمقراطي” ما بعد 1987، فهيمنة السلطة على الأمانة العامة والمكتب التنفيذي للمنظمة، سهل تحجيم دورها الاجتماعي والسياسي، وتمخض عن هذا التقارب بين القيادات المركزية للمنظمة والنظام الحاكم عن حصول بعضهم على امتيازات كبرى، وتأمينها للاستقرار في القطاع العام والشارع التونسي، إلى جانب مساندتها للتوجه النيوليبرالي للحكومة آنذاك[26]، ومع هذا، لم تمنع هذه الاستكانة وعلاقات التحالف مع السلطة من بعض المواجهات التي دعمتها القيادات المحلية وعززتها؛ تفاعلًا مع الغضب الشعبي في عدد من المناطق المهمشة.

في 2008، عندما اندلعت الاحتجاجات في الحوض المنجمي بولاية قفصة، استطاعت بعض القيادات النقابية المحلية، واختارت مساندة الحراك الشعبي المطالب بالشغل والانتداب. كذلك، تواصلت الانتقادات الموجهة للقيادات المركزية للمنظمة العمالية من تراخيها عن التنديد بتجاوزات السلطة الحاكمة ضد المتظاهرين في الحوض المنجمي أو انتفاضة 2011[27]. واختلفت الآراء حول موقف الاتحاد بصفة عامة من اندلاع الثورة في 2010 ولكن، من المؤكد أن المنظمة كان لها دور في ترجيح الكفة للاحتجاجات الشعبية، على الرغم من تحركها كمركزية نقابية بشكل متأخر، ثم استطاعت استرجاع مكانتها في المسار السياسي والدستوري الانتقالي[28].

لازال الدور التاريخي والنضالي للاتحاد العام التونسي للشغل يطغى على شعبيته، ويضفي عليه شرعية كبرى؛ حيث إن اصطفاف المنظمة الشغلية مع مطالب الأغلبية الشعبية في أوقات التأزم السياسي، جعل منها القوة الوحيدة القادرة على التصادم مع السلطة، لذا فكل معركة مع السلطة الحاكمة في تونس دون دعم من الاتحاد تعد دومًا معركة خاسرة.

وبنفس القدر من الأهمية، لعب الاتحاد دورًا جوهريًا في التعبير عن شعور المعاناة الذي يحس به شعب بأكمله، بعد أن أضرم أحد العاطلين عن العمل النار في نفسه في 17/12/2010 [29]، وقام الاتحاد بتقديم تصور للقضية المجتمعية، وصياغة خطاب يساهم في نقل مطالب الشعب للسلطة. فقد كانت المنظمة العمالية في دائرة صراعات النفوذ السياسي التي خاضها حزب حركة النهضة ضد خصومه خلال المرحلة الانتقالية، إلى درجة أن تعرض الاتحاد العام التونسي للشغل في 4/12/2012 لأحداث الاعتداء من طرف لجان حماية الثورة خلال إحياء ذكرى وفاة المناضل ومؤسس المنظمة العمالية فرحات حشاد[30]. فقد ندد الأمين العام “حسين العباسي” آنذاك بهذا الاعتداء بقوله: “اليوم كشرت خفافيش الظالم عن أنيابها. النقابيون الشرفاء لا يخافون النهضة ولا ميليشياتها. إنَّ الهجوم الذي قامت به هذه الميليشيات على مقر الاتحاد لم تقم به لا حكومة بورقيبة ولا حكومة بن علي”[31].

وعلاوة على ذلك، شارك الاتحاد في لعب دور جوهري من أجل التوصل إلى تسوية سياسية في مرحلة متقدمة، خلال العملية الانتقالية، وبالنسبة للكثيرين، ومن بينهم لجنة جائزة نوبل، مثلت مساهمة الاتحاد العام التونسي للشغل في عملية الإشراف والتيسير نقطة الاختلاف التي ميزت الثورة التونسية عن ثورة مصر وسوريا[32]. ويمكن القول إن الهيمنة الرمزية والتاريخية للمؤسسة العسكرية في مصر، والنقابات العمالية في تونس، جعلها قادرةً ومستعدة لاستيعاب مطالب القوى المناهضة للإسلاميين[33].  لهذا يرى العديد من الباحثين أن اقتحام المعطى الديني لدواليب الدولة من خلال حزب سياسي، جعل المؤسسة العسكرية والاتحاد العام التونسي للشغل في موقف متقارب، كونهما تاريخيًا ولدى المتخيّل الشعبي الفاعلان الأكثر قدرةً على السيطرة على الدولة ذاتها.

 

المحور الثاني: الاتحاد العام التونسي للشعل: الهيكلة المؤسسية والانتشار الجغرافي

أولًا: الهيكلة المؤسسية

يتسم الاتحاد العام التونسي للشغل بتركيبة هيكلية شديدة التنظيم، جعلت منه مكونًا مؤسساتيًا أكثر تنظيمًا وتماسكًا، وتتكون هيكلة الاتحاد من المؤسسات التالية:

  • المجلس الوطني

يمثل المجلس الوطني سلطة موكَّلةً باتخاذ القرارات داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، فهو ينعقد مرّة كل سنتين، أو استثنائيًا بطلب من أغلبية أعضائه.

  • المؤتمر الوطني

يمثل المؤتمر الوطني صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، وينعقد المؤتمر بعد كل دورة انتخابية (5 سنوات) بقرار من الهيئة الإدارية الوطنية، كما ينعقد بشكل استثنائي بطلب من ثلثي أعضاء مجلسه الوطني، ويمثل المؤتمر سلطة القرار الأعلى، ومُخرجاته مُلزمة لكل القيادات الرسمية والمحلية والقواعد النقابية. ويكون هذا المؤتمر انتخابيًا للهيئة التنفيذية والأمانة العامة للمنظمة العمالية.

  • الهيئة الإدارية الوطنية

تمثل الهيئة الإدارية الوطنية سلطة ثالثة، حيث تقوم بتسيير المنظمة النقابية، واتخاذ القرارات على أساس قاعدة التمثيل النسبي. وتجتمع الهيئة كل ثلاثة أشهر بطلب من المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد، أو كلما دعت الحاجة واستثنائيًا بطلب من ثلثي الأعضاء.

  • المكتب التنفيذي الموسع

يتكون من أعضاء المكتب التنفيذي والكتاب العاميين لمختلف الاتحادات الجهوية والقطاعية، كما يجتمع بشكل منتظم شهريًا وكلما دعت الحاجة.

  • الأمانة العامة

يعد الأمين العام المسؤول الأول والناطق الرسمي باسم المنظمة العمالية، كما يتولى إدارة شؤون الاتحاد في الداخل والخارج. ويسير الهياكل النقابية ويتواصل مع مختلف الاتحادات المهنية أو المنظمات أو الدولة، من خلال التعاون والتنسيق مع أعضاء المكتب التنفيذي الوطني. كذلك يشتغل الأمين العام رئيسًا لمجالس إدارة هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب المدير المسؤول عن جريدة الشعب (صحيفة المنظمة العمالية).

  • القيادات النقابية
  • المناضل فرحات حشاد

أسس فرحات حشاد ومحمد الفاضل بن عاشور الاتحاد العام التونسي للشغل في 20 يناير 1946، بمقتضى مؤتمر عُقد بالمدرسة الخلدونية بتونس العاصمة، وتمتع الكاتب العام فرحات حشاد، بشعبية كبيرة بين الطبقة العمالية وكل شرائح المجتمع التونسي، بسبب نضالاته من أجل الاستقلال، ولايزال يعرف بجملته الشهيرة أحبك يا شعب”.

لم يقتصر نشاط المناضل فرحات حشاد على العمل النقابي فحسب، بل كان رمزًا للنضال والمقاومة ضد الاستعمار، فقد استطاع إعادة تجميع الحركة الوطنية والتعبئة ضد المستعمر الفرنسي، بعد نفي وسجن عدد من شخصيات الحزب الحر الدستوري، على غرار “الحبيب بورقيبة والصالح بن يوسف”، في بداية الخمسينيات، فقد أصبح الشخصية النقابية السياسية الأكثر تأثيرًا على الجماهير والحركة الوطنيّة، مما دفع لاغتياله وتصفيته جسديًا من طرف المستعمر الفرنسي في عام 1952.

تبنى فرحات حشاد، مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل، سياسة الانفتاح على دول الجوار العربية والمغاربية، من خلال إقامة علاقات متينة تهدف إلى نشر وتعزيز الوعي بالعمل النقابي، فقد حرص فرحات حشاد على إنشاء الوحدة النقابية المغاربية بين تونس والجزائر والمغرب، التي تتشارك المصير المشترك وتعاني من سطوة الاستعمار الفرنسي[34]. كما اشتغل كثيرًا على تمتين الرباط الأخوي بين الشرائح العمالية المغاربية، من خلال عقد مؤتمر جبهة عمال شمال أفريقيا في عام 1949. لذا، فقد أصبح الاتحاد العام للشغل مُوظفًا لخدمة القضية الوطنية، ذات البعد المغاربي ومصالح الطبقة العاملة في الآن ذاته.

  • محمد الفاضل بن عاشور

ينحدر بن عاشور من عائلة سياسية وفقهية (والده شيح جامع الزيتونة محمد الطاهر بن عاشور)، وقد اشتغل مدرسًا في جامع الزيتونة، وتولى عمادة كلية الشريعة وأصول الدين بعد الاستقلال. كما ترأس الجامعة الخلدونية التي يحتضن الاتحاد العمالي مقرها منذ 1946. ترأس الاتحاد العام التونسي للشغل بعد المؤتمر الأول، وحظي بدور نقابي كبير، حيث تولى الولاية الشرفية مدى الحياة؛ كما ساهم في الحركة الوطنية.

  • الحبيب عاشور

يعد من أبرز القيادات النقابية والمؤسسين، حيث انخرط في العمل النقابي والوطني منذ 1934 لتحرير البلاد التونسية من الاستعمار الفرنسي، وافتكاك حقوق العمال وتحسين وضعياتهم، شارك الحبيب عاشور ناشطًا نقابيًا وحزبيًا، حيث كان عضوًا في الحزب الدستوري الجديد، ونظم تحركات شعبية مناهضة للاستعمار، مما تسبب في سجنه لخمس سنوات وعشر سنوات إبعاد، والرقابة الإدارية وغيرها من المضايقات.

تولى منصب الأمانة العامة للاتحاد مُكلفًا بالشؤون الاقتصادية والتعاضديات، منذ بدايات تأسيسه، على مدار ثلاث دورات انتخابية (1963- 1965 ثم 1970-1978). كما تولى منصب رئاسة المنظمة الشغلية في دورة انتخابية خلال سنوات الثمانينات (1981-1989)[35] . تمكن الحبيب عاشور، من إنجاز الكثير من المشروعات الاقتصادية والاجتماعية ذات الأهمية البالغة آنذاك، مثل تعاضدية التأمين، وتعاضدية الاستهلاك، وتعاضدية الصيد البحري، والنقل، وبنك الشعب. وقد اعتبر الدارسون للمسيرة النقابية للحبيب عاشور، أنَّ المزج بين العمل النقابي والانتماء إلى الحزب الحاكم، جعل مواقفه منحازة ومتحالفة مع سياسات الحكومة [36].

وقد انتهت علاقات التحالف، بين النقابة والحكومة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حيث بدأت بوادر التصادم مع رفض الاتحاد العام للشغل بقيادة الحبيب عاشور السياسات الاقتصادية الليبرالية للوزير الأول “الهادي نويرة”، لتتحول تدريجيًا من إضرابات عمالية مكثفة، إلى أحداث عنف “الخميس الأسود” في عام 1978، ثم أحداث الخبز في عام 1984. وعرف الحبيب عاشور السجن والإقامة الجبرية في عام 1986، واعتزل العمل النقابي نهائيًا في 1989، وعلى الرغم من الانتقادات والتصادم، فإنه بقي دومًا زعيمًا نقابيًا وأيقونة للنضال الوطني في الذاكرة الجمعية.

  • أحمد التليلي

يعد من مؤسسي الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث نشط في صلب الهيئة القيادية للمركزية النقابية، ثم انتخب أمينًا عامًا مساعدًا في 1954، إلى جانب انخراطه في الحزب الحر الدستوري الجديد، كما تولى منصب الأمانة العامة في عام 1956 إلى حدود 1963. وقد تعرض للمضايقات والسجن من طرف الاستعمار الفرنسي؛ نتيجة لانضمامه للحركة الوطنية، ثم تصادم مع السلطة الحاكمة ما بعد الاستقلال معلنًا معارضته ومُنتقدًا انحرافها عن الأسس الحداثية للديمقراطية.  تميزت تجربته النقابية والسياسية بمطالبته للرئيس “بورقيبة” بضرورة تأمين المقاربة التشاركية والديمقراطية داخل منظومة الحكم، مُستنكرًا الانفراد بالرأي صلب الحزب الحاكم ودواليب الدولة، كذلك عبر في رسالة تاريخية موجهة للرئيس “بورقيبة” عام 1966 عن رفضه لمساعي السلطة السياسية للهيمنة على المنظمة النقابية ما بعد الاستقلال[37].

  • أحمد بن صالح

 تولى الأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل في عام 1954، وعرفت مسيرته الحزبية والنقابية محطات صدام وتحالف مع السلطة الحاكمة[38]. تم انتخابه نائبًا في المجلس القومي التأسيسي، ثم نائبًا في مجلس الأمة على مدار ثلاث دورات انتخابية (1959-1969)، كما تولى وزارة الصحة ثم كل الوزرات ذات الطابع الاقتصادي مباشرة ما بعد الاستقلال، إلى درجة أصبح يعرف بـ “وزير كل شيء”[39]، وقد أضفت أفكاره ومسيرته النقابية بعدًا اشتراكيًا على السياسات الاقتصادية للدولة التونسية، وتميزت تجربته الوزارية بترسيخ مرتكزات ومشاريع التجربة التعاضدية في قطاعي الفلاحة والتجارة؛ لكنها عرفت فشلًا وتذمرًا من صغار وكبار المالكين، إلى درجة عزله وإحالته على المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى في عام 1970.

  • إسماعيل السحباني

اشتغل أمينًا عامًا للاتحاد العام التونسي للشغل في فترة حكم الرئيس “بن علي”، وساهم في إدخال الإصلاحات النيوليبرالية على الاقتصاد التونسي، وقد تعرض للعديد من الانتقادات واتهامات بالفساد والتواطؤ مع النظام السابق ضد مصالح الشعب التونسي، وتميزت فترة تقلده للأمانة العامة بمهادنة المنظمة العمالية للسلطة، وتخليها عن النقابيين أو المعارضين السياسيين، الذين تعرضوا للتنكيل والتعذيب والسجن من طرف السلطة.

  • عبد السلام جراد

تسلم الأمانة العامة في عام 2000 مواصلًا سياسة المهادنة والتواطؤ مع منظومة الحكم، إلا أنَّ المعارضة النقابية اشتدت وراكمت تحركاتها؛ لتصبح عنصرًا أساسيًا في مواجهة نظام “بن علي” في 2010.

  • حسين العباسي

يعد من أبرز النقابيين المحليين في النقابة الجهوية للقائمين على المعاهد الثانوية، كما تحمل مسؤولية كاتب عام ثم مكلف بقسم التشريع بعد مؤتمر المنستير 2006. كما عرف بنشاطاته ودفاعه عن حقوق الإنسان، واشتغاله في قسم النزاعات الشغلية، والدراسات والتوثيق، وقد تقلد الأمانة العامة للاتحاد ما بعد الثورة، وأدار الحوارات الوطنية التي عاشتها البلاد التونسية ما بعد 2011، وكان من الشخصيات الحاسمة في استبدال حكومة الترويكا، واستكمال مقتضيات الانتقال الديمقراطي.

  • نور الدين الطبوبي

تولى منصب الأمين العام المساعد المكلف بالنظام الداخلي في عام 2011، بعد مسيرة نقابية بدأت في تسعينيات القرن الماضي، كذلك، تولى منصب الأمين العام للاتحاد في عام 2017، بعد أن تم انتخابه في المؤتمر الثالث والعشرين، وتتمثل أبرز مواقفه النقابية في الانتقاد الدائم تجاه حكومات ما بعد 2011 (بالأخص النهضة)، التي يرى أنها تورطت في تدهور الوضع الاقتصادي، وتفاقم عجز الموازنات العمومية،  كما تم انتخابه مجددًا في منصب الأمانة العامة، مؤخرًا (2022) داعيًا الرئيس “قيس سعيد” لتنفيذ الإصلاحات السياسية وتعديل الدستور[40].

ثانيًا: الانتشار الجغرافي والتنوع القطاعي

يعد الاتحاد العام التونسي للشغل -ومقره تونس العاصمة- أكبر منظمة عمالية في تونس، حيث يتشكل من قيادة مركزية، ونقابات قطاعية، وباقي فروعها المحلية التي تتجاوز 15 ألف نقابة، في الإدارات والمرافق العمومية، وبعض مؤسسات القطاع الخاص في شتى أنحاء البلاد التونسية، لذا فالمنظمة العمالية تمثل تحالفًا للنقابات المنقسمة حسب القطاعات والسلك المهني، والجهات -في الغالب- تتحرك وتنشط جميعها على حماية المصالح المهنية والمادية لمنخرطيها، بالتنسيق والتشاور مع القيادة النقابية المركزية، وتشتغل المنظمة العمالية بنسق هرمي، بمعنى لديها قيادة وهياكل مركزية وأخرى جهوية أو قطاعية، حيث تتكون من هياكل فرعية تابعة للمركز، فعلى سبيل المثال، نجد الهياكل القطاعية والجهوية التالية:

  • النقابات العامة

تتشكل النقابات العامة، وما يعرف بالجامعة العامة ذات التصنيف القطاعي، من العمال المنخرطين في المنظمة العمالية، وتنقسم الجامعة إلى مجموعة فروع -نقابات محلية- طبقًا للنظام الداخلي للاتحاد العام التونسي للشغل.

  • الاتحادات الجهوية

كل جامعة عامة تتضمن مجموعة أصناف وأسلاك مهنية داخل الجهة المناطقية الواحدة، كذلك نجد الاتحادات المحلية تنشط على مستوى جغرافي أصغر، مما يؤكد الانتشار المكثف للاتحاد في شتى أرجاء الدولة التونسية، ويعد الفرع الجامعي أو النقابة الجهوية تشكيلة قطاعية جهوية تمثل الشغالين أو المتقاعدين التابعين لها، طبقًا لتراتيب وقواعد، يضبطها النظام الداخلي للاتحاد، وتضم النقابات الأساسية والنيابات النقابية التابعة للقطاع.

 

المحور الثالث: الوظيفة المدنية الاجتماعية للاتحاد العام التونسي للشغل

أولًا: الدور التفاوضي في المسائل ذات الصلة بالطبقة العمالية

تنخرط المنظمة العمالية فيما يعرف بـ “المفاوضات الجماعية” حيث تتولى الدفاع عن حقوق العمال والنقابات القطاعية، مع نظيراتها المٌكلفة بالدفاع عن مصالح رؤوس الأموال، أو الإدارات المركزية. وتتولى المنظمة العمالية حل الإشكاليات المهنية والمادية العالقة بين منخرطيها ومؤسسات العمل، من خلال الانخراط في مسار تفاوضي حواري، يراوح بين النقاش والضغط والتهديد بالإضراب، وتسمح المفاوضات الجماعية أحيانًا كثيرة ببناء التوافقات حول المسائل الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن مصالح العمال ورؤسائهم.

تتشكل المفاوضات الجماعية بين ثلاثي أطراف المشهد الاقتصادي أو الاجتماعي في تونس، حيث تجمع المنظمة العمالية والوظيفة العمومية أو أصحاب المؤسسات أو كليهما. وتصبح مسارات الحوار الاجتماعي بين مختلف هذه الأطراف رسمية وغير رسمية، حيث يتبلور ضمن الأطر المهنية القطاعية أو على مستوى المؤسسة المعنية. يجدر بالذكر أن المفاوضات الجماعية آلية ومسار فعال للنهوض بالعلاقات المهنية، والنمو الاجتماعي والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، كما تؤدي هذه المفاوضات إلى توقيع اتفاقيات ملزمة لطرفين.

ما بعد 2011، أصبحت المنظمة العمالية أكثر اهتمامًا بالدفاع عن الحريات النقابية، في ظل اتسام البيئة السياسية بالانقسام بين علمانيين ويساريين متحالفين مع الاتحاد، وإسلاميين منتقدين ومناهضين لسياساته. كذلك، يتسم موضوع الحريات النقابية بالأهمية، بسبب ظهور التعددية النقابية من جهة، ونزوع الكثير من القيادات الميدانية القطاعية أو المحلية لاتخاذ قرارات باستقلالية عن الإدارة النقابية المركزية[41]. لذا تنوعت مطالب القيادات الميدانية، إلى درجة التحرك في قضايا مجتمعية وحقوقية لا تعني فقط المنخرطين، بل أيضًا العاطلين عن العمل أو العمالة الهشة داخل المناطق الداخلية، التي لطالما عانت التهميش والتمييز، كما تدافع المنظمة الشغلية عن حق القوات الأمنية في تأسيس نقابات عمالية، باعتبار العمل النقابي حق من حقوق الإنسان، التي تم تكريسها داخل الدستور التونسي.

إنَّ مساعي الفعل النقابي تتمثل في تحقيق ظروف العمل اللائق لجميع الشغالين، من خلال ترسيخ الحرية النقابية التي تتأسس على الحق في التنظيم والتفاوض الجماعي، وقد تكرست ركائز الحرية النقابية من خلال دستور 2014، باعتبارها امتدادًا لمنظومة حقوق الإنسان، يضاف إلى ذلك، اشتغلت المنظمة الشغيلة مع الحكومة التونسية ومنظمة أصحاب العمل، على وضع الأطر القانونية والضمانات؛ لتسهيل العمل النقابي وعدم مضايقة القيادات الميدانية أو المنخرطين أو تسريحهم بسبب مطالبهم وإضراباتهم. بدون شك، فقد عززت البيئة السياسية المفعمة بحقوق الإنسان ما بعد 2011 مكتسبات العمل النقابي، ورسخت الحرية النقابية مقارنة بالنظام السابق للرئيس “بن علي”.

استطاع الاتحاد العام التونسي للشغل تطوير شروط وظروف العمل في تونس من خلال توقيع العقد الاجتماعي” مع حكومة تكنوقراط في 2014، حيث تحرك الاتحاد كسلطة أقوى من الدولة، بعد نجاحه في إدارة الحوار الوطني وإنقاذ الانتقال الديمقراطي، وقد تبلور هذا العقد الاجتماعي بالتعاون مع الحكومة والمنظمة التونسية للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية “منظمة أصحاب العمل” ومنظمة العمل الدولية، وقد استفادت المنظمة العمالية من تسامح الدولة واعتيادها على المفاوضات الجماعية والحريات النقابية.

اهتم الاتحاد العام التونسي للشغل بتعزيز المساواة بين الجنسين، على الرغم من حدة الانتقادات الموجهة إليه، من خلال تخصيص ورشات وبرامج تدريب لتطوير وتقوية قدرات النساء النقابيات، حيث تخصص المنظمة العمالية اللجنة الوطنية للمرأة العاملة للاهتمام بشؤون النساء، وتدعيم أشكال التشبيك فيما بينهن، ورفع مشاركتهن داخل مؤسسات العمل ومختلف الهياكل النقابية المركزية والمحلية، لكن، في الحقيقة، لازالت مشاركة النساء في المنظمة النقابية ضعيفة في المناصب القيادية، على الرغم من الاهتمام الكبير بتدعيم النضال المدني. كذلك دعمت المنظمة النقابية بعض مبادرات حماية النوع الاجتماعي والاقتصاد الاجتماعي أو التضامني، من خلال تقديم قروض صغيرة لبعض النساء؛ تحسينًا للوضع المادي الاقتصادي ولإعالة عائلاتهن[42].

يرتكز العمل المدني المتعلق بتعزيز حقوق النساء، على تشجيعهن للعمل في المنظمات غير الربحية، والدورات التثقيفية، والورشات التدريبية، وتعزيز مشاركتهن في العمل النقابي، وفي هذا الصدد، تهتم أشغال وأنشطة اتحاد الشغل المدنية أو السياسية فقط بإقرار مبدأ عدم التمييز ضد المرأة بشكل عام، دون تخصيص وتقديم استراتيجيات عملية، مثلما حصل في مقترح مشروع الدستور الصادر عن المنظمة العمالية[43].

وقد التزمت المنظمة الشغلية بالدفاع عن حقوق الإنسان في شموليتها، حيث اعتبرت أن حقوق المرأة ومكتسباتها الحداثية، مهددة من طرف أجندات الأسلمة، التي يتبعها حزب حركة النهضة ما بعد 2011. وقد نظمت المنظمة عدة ورشات مع باقي مكونات المجتمع المدني؛ للتنديد بتوجهات حركة النهضة، وتأثيرها على العلاقات “الجندرية” صلب نص الدستور الجديد.

تهتم المنظمة الشغيلة بقضايا التحرر ذات الطابع الحقوقي وحق الشعوب في تحديد المصير، حيث لطالما عبرت عن تنديدها للممارسات الإجرامية والتعسفية للكيان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، كما ترفض التطبيع معه، مستنكرة مساعيه لتصفية الشعب الفلسطيني، وتضغط بشكل متواتر على السلطات التونسية لصياغة قانون يجرم التطبيع[44].

يخصص الاتحاد العام التونسي للشغل مجهوداته للاهتمام والدفاع عن حقوق العمال الأجانب بتونس، والمهاجرين التونسيين بالخارج، من خلال قسم “العلاقات الدولية والعربية والهجرة”، فلطالما حظية العمالة المهاجرة باهتمام كبير في مختلف مؤتمراته[45]. ويتلاءم هذا الاهتمام مع مقتضيات السياق العام التونسي، حيث عرفت ما بعد 2011 تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين الأجانب -الأفارقة جنوب الصحراء على وجه الخصوص- بطرق غير نظامية، وهجرة نظامية وغير نظامية متزايدة لليد العاملة التونسية إلى الدول الأوروبية والخليج العربي، وهكذا تهتم المنظمة العمالية بقضية العمال المهاجرين، التي تتنوع بين عمال السياحة وعاملات المنازل والبناء والصحة وغيرها من القطاعات، من خلال التشديد على الإنصاف والعدل واحترام معايير حقوق الإنسان، على مستوى المعاملة والتأجير وظروف العمل[46].

تسعى المنظمة الشغيلة لضمان الحماية القانونية للعمال الأجانب، وإدراجهم ضمن الحماية الصحية والاجتماعية، حيث لازالت تفاوض وتنسق مع المؤسسات المدنية والحقوقية، للضغط على السلطة الحاكمة من أجل احترام الاتفاقيات الدولية، مثل الاتفاقية عدد “9” للأمم المتحدة ولوائح منظمة العمل الدولية.

يجدر بالذكر أن المنظمة الشغيلة تتعاون مع عدة مؤسسات وطنية ودولية، للدفاع عن حقوق العمال الأجانب والتنديد بكل التجاوزات التي تمارس ضدهم، وتتعاضد جهودها من خلال التعاون مع منظمة العمل الدولية، وهيئة الاتجار بالبشر، والمرصد التونسي للهجرة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وغيرها من الجمعيات الحقوقية والنسائية. كما انخرطت المنظمة الشغيلة في شبكة نقابية دولية للدفاع عن العمال المهاجرين، وطرح مشروع منح بطاقة انخراط لعمال إفريقيا جنوب الصحراء[47].

ثانيًا: آليات الضغط والحراك المدني ضد السلطة

تنبني المنظمة العمالية أساليب الضغط على السلطة أو باقي الفاعلين الاجتماعيين في الداخل التونسي أو مع البنك الدولي على آلية التفاوض بالأساس، حيث يعد التفاوض الاجتماعي من أبرز تقاليد العمل النقابي في تونس، استطاع الاتحاد ترسيخه بغية ضمان استقرار المعاملات الشغلية من جهة والانفتاح الدائم على السلطة من جهة أخرى، وتنشط المنظمة العمالية في مفاوضاتها بناء على المحددات التالية:

  • تفاوض القيادات المركزية والمحلية على أساس تمتعها بالاستقلالية النقابية، حيث استطاعت المنظمة الشغيلة الدفاع عن مواقفها والنضال من أجل مطالبها، أمام السلطة الحاكمة بإرادة حرة ومستقلة. ومن المعلوم أن قدرة الطرف الاجتماعي على التفاوض مع صناع القرار تعكس حالة الاعتراف المتبادل[48].
  • تعتمد المنظمة العمالية على آليات الضغط والتفاوض مع الإدارات المركزية والوزارات، بهدف الحصول على المطالب المهنية والمالية، وما قبل 2011، كانت السلطة الحاكمة تهيمن على المفاوضات الثلاثية التي تجمعها مع المنظمة العمالية ومنظمة أصحاب العمل؛ ويتم تحديد الزيادة في الأجور وباقي الاتفاقات بما يتلاءم مع المصلحة المشتركة، دون ضغط أو مساومة للسلطة الحاكمة[49]؛ لكن عرفت العشرية الأخيرة أكبر عدد من الإضرابات، وتزايد المطلبية النقابية في تاريخ تونس، حيث انخرطت المنظمة العمالية في عدد من المفاوضات العامة والقطاعية مع الدولة؛ لترفيع الرواتب والترقيات. كما استطاعت زيادة الأجور في القطاع الخاص في أواخر 2015، إثر مفاوضات شائكة، تقوم المنظمة العمالية بالتفاوض مع منظمة أصحاب العمل من خلال فكرة اللجان المشتركة، التي تعد مخرجاتها ملزمة للطرفين وللدولة وذات فعالية أعلى من القانون الأساسي، على الرغم من التشكيك في شرعيتها أحيانًا أمام المحاكم.
  • في الغالب، يستعمل الاتحاد الإضراب عن العمل، الذي يمتد لأيام وأسابيع، للضغط على السلطة الحاكمة، في عهد النظام السابق للرئيس “بن علي”، وتقوم النقابات العمالية التابعة لاتحاد الشغل وجوبًا بإعلام السلطة بالإضراب قبل عشرة أيام من تاريخ وقوعه، كذلك، يتعرض المضربون عن العمل إلى اقتطاع الأجور والسجن لفترة تتراوح بين 3 و8 أشهر، بتهمة تعطيل المرفق العام وغيرها من المتابعات القضائية والممارسات التعسفية، ويتم توظيف الإضراب والاعتصام كآليات ضغط على السلطة الحاكمة، ليس فقط لافتكاك الحقوق المالية أو المهنية، بل أيضًا للتنديد بإيقاف نقابيين في قضايا فساد، أو لرفض مدراء جدد على رأس الإدارات العمومية كالمستشفيات وشركة الطيران وغيرها. وينتج عن هذه الإضرابات تعطيلًا لمصالح المواطنين، وفرض هيمنتهم على المرفق العمومي، وتطويعهم للإرادة السياسية لصالحهم. كذلك، نتج عن هذه الإضرابات تقوية نفوذ النقابيين، وتغولهم على المرفق العمومي خاصة، في ظل عدم سماحهم باقتطاع أجورهم. وهنا تحول الإضراب من آلية للاحتجاج العفوي، إلى آلية ضغط منظمة ومرسخة دستوريًا. كذلك، تم توظيف آلية الإضراب للأغراض السياسية والضغط على حكومة الترويكا، لتتحول إلى آلية عصيان مدني وتعطيل تام للدولة[50].

في الحقيقة، استخدمت المنظمة العمالية المطلبية المجحفة، في سياقات انتقالية تتسم بالاضطراب السياسي والتدهور الاقتصادي وغلاء المعيشة، كذلك، انعكست الزيادة المتواترة في الرواتب على الاقتصاد التونسي ومستويات التضخم، إلى جانب عجز الموازنة العامة خاصة في ظل تراجع ساعات العمل والنجاعة داخل القطاع العمومي.

 

المحور الرابع: مشاركة المنظمة العمالية في صياغة السياسات العامة للدولة

تتسم تدخلات المنظمة الشغيلة بالدينامية والحركية في التعاطي مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية، حيث يقوم هذا الفاعل المدني، بتقديم المقترحات والضغط لإيجاد الحلول لمختلف الإشكاليات، وبحسب الكثير من الدارسين، يهدف تدخل المنظمة الشغيلة لبناء منظومة اقتصادية واجتماعية، بالاستناد على مقاربة مبنية على المقدرات الذاتية والوطنية دون الاعتماد على سياسة التداين الأجنبي[51].

في هذا الصدد، يرى أستاذ العلوم الاجتماعية “حسان الموري” أن الاتحاد العام التونسي للشغل يمثل نقطة توازن قادرة على إيجاد الحلول، في إطار الضوابط القانونية للدولة إلى درجة القول إنه في كل محطات التأزم تتم العودة إلى خيمة “حشاد”[52].

أولًا: علاقة النقابة العمالية بنظام “بن علي”

 نظرًا لما يُمثله الاتحاد من ركيزة للانتفاضة في ذلك الوقت، فقد اضطلع بدورين جوهريين كان لهما إسهام كبير في تحديد مصير الأحداث: فقد ساهم الاتحاد بشكل كبير في توسيع نطاق الاحتجاجات لتشمل كافة البلاد، ولولا ذلك لظلت هذه الاحتجاجات مجرد احتجاجات محلية[53]. وكان الاتحاد يتمتع بالموارد وشبكات التواصل التي تخول له الإشراف على الأحداث، بما في ذلك مكاتب في 150 موقع مختلف، وما يقارب سبعمائة ألف عضو تابع للمنظمة[54].

كما ساهم الاتحاد العام التونسي للشغل بشكل غير مباشر في تدعيم المقاومة المدنية المناهضة لمنظومة الحكم للرئيس السابق “بن علي”، فقد ساند النقابيين المحليين -انتفاضة الحوض المنجمي بولاية قفصة- في المدافعة عن حقوق العمال في مناجم الفسفاط، وتولى النقابيون تأطير الحراك الاحتجاجي المدني، إلى درجة تحويلها إلى انتفاضة شعبية ضد السلطة الحاكمة وقواتها البوليسية التي حاصرت المحتجين في مدينة الرديف لأشهر، إلى جانب التنكيل والمحاكمات التعسفية[55].

في هذا السيّاق، أظهرت المساندة النقابية للحراك الاحتجاجي، الذي اندلع في 5/1/2008 تنديدًا بالمحسوبية والتهميش الذي غلب على نتائج مناظرة الانتداب في شركة الفسفاط، وقد عزز تلك المشاركة قوة الفرع المحلي للنقابة العمالية بقيادة “عدنان الحاجي” و”البشير العبيدي” من جهة، وقدرتها على التحرك المستقل نسبيًا عن المؤسسة النقابية المركزية من جهة أخرى، على الرغم من مضايقات السلطة، وقد عززت المشاركة النقابية شرعية الحراك المدني الاحتجاجي المحلي آنذاك، وراكمت الشرعية النضالية للاتحاد العمالي، على الرغم من مهادنة هياكلها وقياداتها المركزية للنظام السابق.

ليس من الصعب الاستنتاج، أن القيادات الميدانية المحلية تكون الأسرع والأجرأ على التحرك ضد منظومة الاستبداد، التي تتعامل معها القيادات النقابية المركزية بمنطق المهادنة والتغاضي عن انتهاكاتها الحقوقية، ولطالما اتهمت القيادات المركزية بتورطها في التغطية على الممارسات التعسفية للنظام السابق، إلا أنَّ المساندة النقابية المتمثلة في مواقف بعض قياداتها المحلية تجاه التحركات الاحتجاجية منحها القدرة على حماية شرعيتها المدنية النضالية. كما سبق أن ذكرنا، اتسمت القيادات الميدانية بالجرأة في التحرك ومساندة الاحتجاجات ضد منظومة “بن علي”، على عكس المركزية النقابية التي ظلت مواقفها وبياناتها الرسمية تهادن النظام السابق. لذا، فإنَّ الكثير من الدارسين يقيمون المشاركة المدنية للاتحاد باعتبارها انتصار القواعد النقابية لمطالب الشارع وليس المنظمة العمالية[56].

يضاف إلى ذلك، فقد اكتفت القيادات المركزية بالدعوة لضرورة تجنب الحلول الأمنية، والتشديد على الحق في الشغل إلى جانب عفوية الحراك الاحتجاجي لقواعدها النقابية. وهكذا استطاعت مراكمة غضب بعض القيادات المحلية، باعتبارهم مواطنين ونقابيين أيضًا، من السلطة الحاكمة إلى درجة خروجها في ثورة 2011، دون انتظار الموقف الرسمي للمؤسسة النقابية المركزية. لكن بتسارع الأحداث للاحتجاج الثوري، عرفت مواقف المنظمة العمالية نقلة نوعية حيث استطاعت القيادات الأكثر تأثيرًا في مدينة صفاقس والعاصمة، من خلال إعلانها عن تماهيها مع مطالب الشارع وضرورة الرضوخ لإصلاحات السياسية. وهكذا أصبح الاتحاد، في اللحظة الأخيرة، فاعلًا مساندًا للحراك وليس محايدًا أو مهادنًا للسلطة. في الحقيقة، استطاعت هذه القيادات تنظيم المظاهرات، وتأطير الحراك الاحتجاجي السلمي واحتوائه، حيث كانت المظاهرات 14/1/2011 التي قادتها الهياكل الجهوية إعلانًا عن نهاية النظام السابق.

ثانيًا: دور النقابة العمالية في صياغة الدستور وتحديد سياسات القطاع العام

ساهم الاتحاد العام التونسي للشغل في صياغة الدستور الجديد، من خلال تقديم مقترح مشروع دستور باعتباره فاعلًا مدنيًا، وتقديم مواقفه باعتباره فاعلًا وسيطًا في الحوار الوطني، حيث طالب الاتحاد بالتكريس الدستوري على الحق في عمل لائق، كما في الفصل “39”، وحقوق العمل النقابي في الفصل “35-36”.

وعلى مستوى آخر، أتاح دستور 2014 وحالة التقارب بين الفاعلين المجتمعيين والمهنيين، في سياق الحوار الوطني، إنتاج توافقات بين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، حول مسألة الحقوق الاجتماعية؛ لكن لم يحرص الاتحاد على دسترة وتطبيق الحقوق الاجتماعية التي تعد أساسية في عملية تشكيل العقد الاجتماعي الجديد، على حالها تقريبًا منذ عهد الرئيس “بن علي”، ما أدى الى خلق موجة كبيرة من الاستياء، ويجدر بالذكر أنَّ هذه التوافقات لم تؤسس علاقات شراكة متينة بين الفاعلين، على الرغم من محاولة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية إدراج حرية المبادرة الاقتصادية في الدستور، الا أنه لم ينجح في ذلك[57]؛ نظرًا للخلافات الاستراتيجية بين الطرفين (نقابة العمال/الأعراف)، ولطالما عرقلت حلول الملف الاقتصادي على الرغم من أن كافة أعضاء الطبقة السياسية تؤمن بأنَّ كل من الاستثمار المحلي والأجنبي يؤمن دعمًا كبيرًا للاقتصاد، وبالتالي يخلق فرص عمل ويؤدي إلى تحقيق تنمية محلية[58].

ومع ذلك، فما يكاد هذا “العقد الاجتماعي” الجديد يتبلور حتى تدخل المنظمتين في صدام حول أمثلة معينة لحقوق العمال، وحول تصورات تتعلق بتحديد كيفية تنظيم سوق الشغل، وذلك خلال العديد من المرات. علاوة على ذاك، ونظرًا للدور السياسي الجلي الذي يلعبه الاتحاد العام التونسي للشغل، باعتباره المدافع عن الحقوق الجماعية للتونسيين، خاصة في ظل المرحلة الانتقالية، التي تتميز بوجود صراعات داخلية سياسية، وانقسام بين شق النهضة وشق نداء تونس، فقد رأى البعض أن الاتحاد قد استخدم شرعيته لعرقلة عملية تبني إجراءات اقتصادية جديدة.

كما يهتم الاتحاد العام التونسي للشغل بالتدخل في تحديد سياسات وتوجهات مؤسسات القطاع العام، حيث يحظى بنفوذ كبير، وقدرة على تعطيل سير العمل، من خلال الإضرابات وباقي استراتيجيات التعبئة والضغط.

ويُتهم الفاعل النقابي في كثير من الأحيان، بتعطيل سياسات التجديد للقطاع العام أو خصخصته، لما يعانيه من تضخم الديون وتضاؤل مستويات الإنتاجية، حيث يتم اتهامها بتعطيل استراتيجيات العدالة الاجتماعية والتنمية. هنا، يصبح أحيانًا الاتحاد العام للشغل انتقائيًا بخصوص مسائل العدالة الاجتماعية التي لطالما اعتبرها هدفه النبيل.  كما تتمحور الاتهامات في اهتمام المنظمة الشغلية بالتفاوض حول زيادة الأجور، دون تقديم حلول لإنقاذ المؤسسات العامة أو إدماج الكفاءات الشابة “المعطلة عن العمل”، مما أرهق الاقتصاد التونسي وزاد من مستويات البطالة. ويمكن القول إن المنظمة الشغلية تهتم أكثر بضمان استقرار شبكة الأمان الاجتماعي، التي يتمتع بها أصلًا موظفو وعمال القطاع العام، على الرغم من افتقار الكثير منهم للكفاءة، أو شهادات علمية عالية، مقارنة بآلاف الشباب المعطلين عن العمل، هنا فإنَّ تمترس وقوة المنظمة الشغلية يمنع بطرق مباشرة اتخاذ تدابير إعادة توزيع فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية، حيث تهيمن على القطاع العام، وتهمش القطاع الخاص والقطاع غير النظامي والموازي[59]. في الحقيقة، الحكومة التونسية لازالت سياساتها التنموية في تبعية واضحة لمطالب المنظمة الشغلية ومواطن نفوذها، مما يجعل باقي القطاعات مهمشة.

ثالثًا: النقابة العمالية فاعلًا أساسيًا في مرحلة الانتقال الديمقراطي ووسيطًا في الحوارات الوطنية

شارك الاتحاد العام التونسي كأحد عناصر إدارة الحوار والتفاوض بين الفاعلين السياسيين، في كل الحوارات الوطنية التي عرفتها البلاد التونسية ما بعد 2011.

  • المشاركة في الفترة الانتقالية

في العام 2013، وصل المشهد السياسي في تونس إلى مأزق حقيقي يهدد التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، مما استوجب تدخل المجموعة الرباعية بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل؛ لإنقاذ البلاد من سيناريوهات تعطل الدولة، والفوضى والانفلات المحتمل، خاصة بعد تعدد العمليات الارهابية واستهداف الآمنين[60].

وقد ساهمت المشاركة المكثفة للقيادات الميدانية للمنظمة العمالية وقواعدها في اعتصامي القصبة المُنددة ببقاء بقايا النظام السابق في الحكم، والمطالبة بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي وتحديد الأسس المؤسساتية للانتقال الديمقراطي، كذلك شاركت القيادات المركزية للمنظمة العمالية في المفاوضات بين ممثلي المجلس الوطني لحماية الثورة والحكومة المؤقتة بقيادة “محمد الغنوشي” مستندة على مطالب اعتصام القصبة 2 من ناحية أولى، وتكييف القوة الثورية مع الأركان القانونية للدولة الوطنية من ناحية أخرى. فقد تبلور التوافق بين ممثلي المجلس الوطني لحماية الثورة وحكومة محمد الغنوشي، حول تأسيس “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” على أساس تكريس إرادة الأكثرية، والرضوخ لنواميس البناء المؤسساتي للدولة.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الوعي المتقدم بمخاطر الفراغ التشريعي، واحتمالية التفاف القوى المضادة للثورة على المسار الانتقالي، أدى للقيام بدور حاسم في التفاوض مع السلطة القائمة، من قبل الاتحاد العام للشغل والهيئة الوطنية للمحامين وغيرها من المنظمات والوجوه السياسية المعارضة لمنظومة “بن علي”، وهنا، نجد أن فكرة الشراكة الوطنية في اتخاذ القرار، على الرغم من الاحتقان الشديد في الشارع التونسي، والمواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية، ومستلزمات بلورتها مؤسساتيًا، هي الخطوة الأهم لبناء توافق مبدئي مع “حكومة الغنوشي”. هنا، نذكر أنَّ المنطق الوفاقي يرسخ تقاربًا لمتناقضين؛ أولهما اعتراف القوى الثورية-الاحتجاجية بحاجتهم إلى المنظومة القانونية للنظام السابق اقتناعًا بحتمية واستمرارية الدولة والبناء المؤسساتي، وثانيهما اقتناع كوادر النظام القديم بالثورة وضرورة الإدماج التدريجي للفاعلين الجدد داخل مسارات إدارة الشأن العام[61].

لذا فتوافقات الضرورة التي فرضها حرص الطرف الثوري على التغيير التدريجي لمنظومة الحكم، تبلورت في فكرة محورية مفادها، أنَّ الدولة وحدها صاحبة الشرعية لتنصيب الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة.

تمظهرت مشاركة قوى الاتحاد العام التونسي للشغل في مرحلة الانتقال الديمقراطي من خلال الإضرابات والاعتصامات، والمطالبة بالزيادة في الأجور، وتنظيف الإدارة التونسية من الفساد. فهذا البعد الاجتماعي النقابي للحراك، ساعد على تحسين الأجور وتسوية الوضعيات المهنية الهشة، إلى جانب الترقيات والانتدابات. في هذه الفترة الانتقالية استرجعت المنظمة العمالية نفوذها على الدولة والشارع على حد سواء، بمعنى أنها أصبحت الفاعل الاجتماعي القادر على الدفاع وافتكاك الحقوق المهنية والمالية لمنخرطيه وباقي العمال التونسيين في القطاع العام[62].

إن انتصار المنظمة العمالية لمطالب الموظفين من الطبقة الوسطى أو “البلوريتاريا/الطبقة المسحوقة”، ومشاركتها غضبهم في اللحظة الأخيرة، أضفى زخمًا أكبر على تحركات الأيام الأخيرة للثورة التونسية. وبدون شك، فقد ظل صناع القرار ما بعد سقوط نظام “بن علي” متخوفين من قوة الاتحاد التي تمظهرت خلال الأسبوع الأخير من الثورة، فالحراك الاحتجاجي تحول إلى تغيير النظام بعد مشاركة القيادات الميدانية والنقابات المحلية والتعبئة الشعبية لقواعدهم العمالية. ويمكن القول، إن الحراك الاحتجاجي في تونس افتقد القيادة أو الزعامة الكاريزماتية؛ لكنه استأنس واستقوى بمشاركة المنظمة العمالية، وعمادة المحامين التونسيين، كذلك أربكت عودة الاتحاد إلى المشهد السياسي والاجتماعي بقوة الفاعلين السياسيين الجدد، فقد منح القرب الأيديولوجي مع قوى اليسار زخمًا لتحركاتهم ومواقفهم ما بعد 2011، وهيأ التنافر الأيديولوجي مع الإسلاميين إلى تعطيل حكمهم وزعزعة أجنداتهم، ومن المهم القول إنَّ المنظمة العمالية تسيطر على الإدارة التونسية، بمعنى أنها تهيمن على المحرك الأساسي للدولة.

  • الوساطة في الحوارات الوطنية

بقدر ما يؤثر حضور المنظمة النقابية في تسهيل إدارة الحوارات الوطنية، بقدر ما يعرقل ويعطل غيابها أو مقاطعتها التزام الفاعلين بالمخرجات، وقد كان من أبرز سمات الحوار الوطني لدار الضيافة، غياب عدد واسع من قوى المعارضة السياسية والاجتماعية، خصوصًا بعد تعليق حزب نداء تونس والحزب الجمهوري لمشاركتهما، واعتذار الاتحاد العام التونسي للشغل عن الالتحاق أو تنظيم حوار وطني موازي للقوى المدنية، حيث لم تستطع شخصية رئيس الجمهورية تجاوز حالة انعدام الثقة بين مختلف قوى المشهد السياسي واستثمار الحوار الوطني في إضعاف الاحتمالات بوقوع التوترات السياسية.

ولا شك أن غياب الاتحاد العام التونسي للشغل، وقيامه بالتحضير لحوار وطني مستقبلي في السادس عشر من مايو/أيار 2013 (الجولة الثانية لمجلس الحوار الوطني المنعقد سابقًا في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2012) قد عزز بشكل خفي استهانةَ المعارضة بأهمية المبادرة الرئاسية، وتعويلها على تكثيف حملات التشكيك في الشرعية السياسية للترويكا الحاكمة والإسلاميين على وجه الخصوص. فالاصطفاف الواضح لاتحاد الشغل، وباقي المنظمات الوطنية العريقة، إلى جانب مطالبِ المعارضة ومواقفها، قد أعطاها فعليًا إمكانيات أكبر لتعبئة الرأي العام ضد السلطة الحاكمة[63].

تولى الاتحاد العام التونسي للشغل مهمة تنظيم الحوار الوطني وتسيير مختلف جلساته، حيث استطاع لعب دور الوسيط المركزي والفاعل الاجتماعي المفوض بترتيب وتحديد أولويات الجلسات التفاوضية، والإشراف على تنفيذ مخرجاتها الإجرائية والمؤسساتية والدستورية.  في سياق الحوار الوطني.

كما لعبت قيادات المنظمة الشغيلة دورًا مهمًا في إدارة الحوار والتفاوض مع الفاعلين السياسيين؛ بهدف إقناعهم لاستكمال صياغة الدستور الجديد، وتنحية حكومة الترويكا باستبدالها بحكومة تكنوقراط. كما تدخلت القيادة النقابية في اختيار وزير حكومة تكنوقراط. فقد أظهر الاتحاد العام التونسي للشغل استقلاليته وقدرته على تعبئة القوى السياسية المختلفة حول هدف مشترك، والتفاوض وبناء حل وسط من خلال الحوار، ويرى الكثير من الملاحظين والدارسين أن المنظمة الشغيلة أصبحت مكانًا يمكن أن تتعايش فيه جميع القوى السياسية؛ باعتبارها إنجازًا تاريخيًا مشتركًا من قبل الطبقة السياسية والمجتمعية بأكملها[64]، كذلك لأنها تضمن تنوع موارد السلطة النقابية والمجتمعية، وتعدد مرجعيات المنخرطين في حيادية الحوار السياسي خلال أوقات التأزم، إضافة إلى قدرة السلطة النقابية على إضفاء صفة الصرامة وفرض الالتزام بالقرارات على كل الأطراف وتثبيتها بالتوافق.

وعلى الرغم من أنه لا تزال هنالك بعض المهام غير المنجزة في سياق برنامج ما بعد “خارطة الطريق”، فإنَّ الاتحاد العام التونسي للشغل لم يعد يمثل فقط طرفًا بارزًا كما كان في السابق. وأصبحت المنظمة بعد فوزها بجائزة “نوبل” تتمتع بسلطة أكبر تُخوِّل لها مسؤولية الإشراف على رفاهية الدولة، ممَّا ساهم في ازدهار الأنشطة الحكومية المتعلقة بتوفير فرص للعمل[65]، حيث تم توفير مائتي ألف وظيفة في مجال الإدارة العامة خلال سنة واحدة، غير أن ذلك قد أثر بشكل سيئ جدًا على الأداء الوظيفي ومشروعية الأداء، في إطار الخدمات الحكومية، ومن هذا المنظور، لم يعد الاتحاد يجسد نموذجًا للنجاح أو الحياد الفعلي.

في العام 2016، أطلق الرئيس الراحل “السبسي” الدعوةَ لمختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين إلى ضرورة إعادة تشكيل “حكومة وحدة وطنية”، وكان ذلك في شهر يونيو/حزيران 2016، بحُجة فشل حكومة “الحبيب الصيد” في تفعيل البرامج والمشاريع الحكومية، وعدم القدرة على إيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية بالإضافة إلى غياب الإسناد الحزبي في مجلس نواب الشعب[66].

وبعد سلسلة من المشاورات طيلة صيف 2016، توصّلت تسعة أحزاب سياسية مع المنظمات التالية: الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، إلى إبرام وثيقة قرطاج الأولى بتاريخ 13يوليو/تموز. في الواقع، لم تتضمن وثيقة قرطاج -باعتبارها أحد تمظهرات سياسة التوافقات- الملامح العامة والأولويات الكبرى للسياسة العامة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل أيضًا تشكلت على أساسها حكومة الوحدة الوطنية. وتمخضت هذه العملية عن ولادة حكومة ائتلافية، تشمل مزيدًا من الأحزاب والوزراء لهم علاقات تاريخية ومتينة مع قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل.

رابعًا: موقف النقابة العمالية من الإجراءات الاستثنائية للرئيس “قيس سعيد”

شدد الاتحاد العام التونسي للشغل على وجوبية ترافق التدابير الاستثنائية التي أقرها الرئيس “قيس سعيد” في 25 يوليو/تموز بجملة من الضمانات الدستورية والحقوقية. وقد لخصت المنظمة العمالية مطالبها في تحديد التدابير ومدتها إلى جانب احترام الحقوق والحريات والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في صنع القرار والتغيير السياسي، كما أكد ضرورة عدم إرجاع البرلمان التونسي للعمل بسبب تورطه في تعطيل الدولة وانتشار الفساد. كذلك، اقترحت المنظمة العمالية ضرورة الالتجاء لمبدأ التشاركية في إعداد خارطة الطريق المتعلقة بإدارة الدولة ما بعد 25 يوليو/تموز.

لذا، فقد رحبت المنظمة الشغيلة بإجراءات الرئيس “قيس سعيد”، معتبرة إياها خطوة ضرورية للقطع مع منظومة الفساد وهيمنة حزب النهضة على دواليب الدولة، التي لطالما عبرت عن رفضها لمرجعيته الدينية وسياساته منذ 2011، ومع هذا فقد عبر الأمين العام “نور الدين الطبوبي” بعد أسابيع عن قلق المنظمة الشغيلة من غياب استراتيجية التغيير، حيث قال: “نحن نتعامل مع ما بعد 25 جويلية بطريقة نقدية إيجابية، من أجل ما تبقى تونس ديمقراطية ذات مؤسسات، من خلال التعجيل في إطار التشاركية بين قانون انتخابي جديد، ثم الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة”[67].

في الواقع، خلال أسابيع ما بعد الإعلان، ساد التوتر والتصريحات المتبادلة بين الرئيس والأمين العام للمنظمة العمالية إلى حد المقاطعة. فقد طالبت المنظمة العمالية رئاسة الجمهورية بضرورة تسريع الإجراءات وتقديم خارطة طريق والتشارك في اختيار رئيس الحكومة الجديد، وقد تم استنكار انفراد رئيس الجمهورية بالسلطة بعد إصدار الأمر الرئاسي عدد “117”، الذي يوقف العمل بالدستور وإجراء إصلاحات دون تشاور مع المنظمات أو الأحزاب السياسية[68].

وقد أدى الرضا الضمني للقوى المدنية بغياب التشاور، أو انفتاح رئيس الجمهورية على القوى الحزبية، إلى تعزيز استحالة توظيف آلية التوافق في المرحلة الراهنة، ويتعين الذكر أن الفارق الأساسي بين سياقات الأزمة السياسية لعام 2013 والجمود السياسي الراهن، أنَّ الأجهزة الأمنية والجيش الوطني يلتزمان بتنفيذ قرارات ومراسيم الرئاسة، ففي اليوم الموالي للإجراءات الاستثنائية، سيطرت القوات الأمنية على المجلس البرلماني مانعة عدد من نواب الشعب ورئيس البرلمان من الدخول، ومن شروط الالتجاء إلى التوافق توازن القوى بين الخصوم، وهذا ما يفتقده المشهد الراهن. ففي السياق الحالي، يستند الرئيس “قيس سعيد” إلى شرعية انتخابية شعبية، واحتكار تفسير وحماية الدستور، إلى جانب تدعيم الأجهزة الأمنية لقراراته، وقد تدعم التوجه نحو إقصاء الأحزاب السياسية من الحكم من خلال مرسوم “117” الذي يؤسس فعليًا لمرحلة جديدة لا تقطع فقط مع المرحلة الانتقالية ومرحلة ترسيخ الديمقراطية “الفاشلة” فحسب، بل تعيدنا إلى الأسابيع الأولى ما بعد سقوط نظام “بن علي”.

يبدو أن الشرعية الانتخابية والسياسية للرئيس “قيس سعيد” قد أضعفت تحركات المنظمة الشغيلة، حيث أصدرت الحكومة التونسية مؤخرًا المنشور عدد “20” المتعلق بوقف التفاوض الاجتماعي الذي اكتفى الاتحاد باعتباره منافيًا للحق النقابي[69].

إنَّ هذا التوجه الرئاسي لتهميش المنظمات الوطنية، بالأساس الاتحاد العام التونسي للشغل، تأكد منذ بدايات العمل بالإجراءات الاستثنائية، حيث اكتفى بأخذ تزكيتها وامتصاص مخاوفها ودهشتها، دون تقديم تنازلات أو مساعي جادة لمشاركتها القرار[70].

وهكذا، يواجه الاتحاد العام التونسي للشغل بالفعل خيارًا صارخًا، إما الحفاظ على روابطه التعاونية مع الحكام الحاليين، حتى أثناء سعيهم لفرض التقشف وتحرير الاقتصاد، أو تبني موقف أكثر تشددًا لعرقلة هذه التحركات، وحماية الوظائف وأجور العمال في ظل التضخم وتدهور القدرة الشرائية.

 

خاتمة

يهيمن الاتحاد العام التونسي للشغل على القطاع العام، ولكن لاتزال مستويات انخراط عمال القطاع الخاص منقوصة ومنعدمة تقريبًا في القطاع الموازي /غير الرسمي، مما يعزز الاعتقاد بضعف السلطة النقابية، وضياع مطالب الشريحة العمالية، أمام هيمنة السلطة الحاكمة ومنظمة الأعراف (رؤساء العمل). في هذا الصدد، فإنَّ تجديد الحوار الاجتماعي، وفتح التفاوض مع السلطة وباقي المنظمات المنخرطة في سوق العمل، أصبحت مهمة صعبة أمام الاتحاد العام التونسي للشغل؛ لعدم تأقلمه مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية بتونس.

إنَّ انغماس القيادة المركزية للمنظمة العمالية في الشأن السياسي، خلال هذه العشرية الأخيرة، أثر على نجاعة تدخلها، أو اهتمامها بأوضاع العمال ومشاكلهم؛ بسبب غياب التواصل المؤسسي. كذلك، يتم توجيه الانتقادات للمنظمة العمالية لتعاملها مع الفروع النقابية الأكثر تأثيرًا وكثافة، بالتوازي مع تهميشها لبعض القطاعات أو العمال الآخرين. إضافة إلى أنَّ المنظمة العمالية لا تدافع عن العاملين في مجال العمل الحر، الذين لا يتمتع أغلبهم بالرعاية الصحية أو التأمين الاجتماعي. وهنا، يبدو الدفاع عن العدالة الاجتماعية والعمل اللائق انتقائيًا ومختزلًا في الأشخاص المتمتعين بصفة موظف أو عون في القطاع العام، وبعض مؤسسات القطاع الخاص المنخرطة في الاتحاد العام التونسي للشغل.

إنَّ الاتحاد العام التونسي للشغل يمثل منظمة مدنية تراوح بين العمل النقابي والفعل السياسي؛ حيث لا يمنع النظام الداخلي من تولي أحد قياداتها أو منخرطيها النقابيين مناصب سياسية، أو الالتحاق بحزب سياسي أو حقوقي أو جمعياتي، وهذا ما يجعل التوجهات النقابية مؤثرة ومنتشرة داخل الأحزاب السياسية، فهي متغلغلة ضمن فكر اليسار التونسي. وتظهر دائمًا انتقادات من طرف الخصوم السياسيين للنقابة ولليسار التونسي، من خلال اتهامهم بالتحالف والتحزب مثلما حصل في انتخابات 2014.

تتعرض المنظمة العمالية إلى انتقادات واسعة، من طرف النقابيات المنتميات إليها ومن باقي الجمعيات النسوية، بسبب التهميش للمرأة من الأدوار القيادية في المكاتب المركزية أو المحلية. وفي الواقع، لا يتم انتخاب النقابيات في عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة العمالية، مما استدعى وضع خطط ومشروع لتعزيز المساواة بين الجنسين منذ 2016 [71].

تساهم النقابيات في التعبئة للمشاريع والمفاوضات الجماعية إلى جانب إنجاحها والتزامها بالإضرابات والتحركات الاحتجاجية، إلا أنها تعاني التهميش على المسؤوليات القيادية أو التفاوضية مع السلطة ومنظمة أصحاب العمل، كذلك تتحرك النساء النقابيات بفعالية كبرى في المسيرات والإضرابات والاعتصامات التي تنظمها المنظمة العمالية ومختلف فروعها. وتتبلور الانتقادات حول استنكار تهميش النقابيات من المناصب القيادية داخل المنظمة العمالية، على الرغم من مناداة هذه الأخيرة بالحفاظ على مكتسبات المرأة والنموذج التحديثي. يضاف إلى ذلك، لا تحظى النساء العاملات بإجراءات مخصصة أو لوائح نقابية لحمايتهن من التحرش أو الاستغلال أو الوصول إلى المناصب القيادية. لذا تتميز مشاركة النقابيات باختزالها غالبًا في أنشطة التعبئة الاجتماعية لصالح الحقوق العمالية أو حقوق المرأة أو قضايا الوحدة الوطنية، مثلما حصل خلال أسابيع ثورة 2011 وما بعدها.

لازال الاتحاد العام التونسي للشغل يناهض ويرفض توصيات وشروط البنك الدولي لتقليص عدد الموظفين والعمال في القطاع العام، إلى جانب التوقف عن الانتدابات، وتقليص كتلة الأجور. حيث ترى المنظمة العمالية أنَّ مختلف شروط البنك الدولي، أو مساعي التقشف للإصلاح الاقتصادي في تونس يهدد منخرطيها، كما تعارض المنظمة العمالية بشدة مساعي الخصخصة لعدد من المؤسسات العمومية التي تعيش الإفلاس وترهق كاهل الدولة بالديون، كما لم تحسم الخطوات اللازمة للإصلاح الاقتصادي بسبب تعطل المفاوضات الجماعية مع الحكومة، حيث تطغى هذه المشاغل والتجاذبات مع الحكومة حول السياسات الاقتصادية على اهتمام المنظمة العمالية، كما تزيد من المخاوف اليومية بشأن الأمن الوظيفي والأجور والمزايا الاجتماعية. ومع ذلك، فإنَّ لها تأثيرًا تراكميًا أكبر على استقرار ظروف المهنية والعمل النقابي.

ساهمت التحولات السياسية ما بعد 2011 في تثبيت معطى التعددية النقابية، حيث تم اتهام حزب حركة النهضة بتشجيع تأسيس نقابات عمالية جديدة وموازية، داخل ذات القطاعات التي لطالما هيمن عليها الاتحاد العام التونسي للشغل، مثل قطاع النقل والتعليم العالي، فقد تأسست الجامعة العامة التونسية للشغل، واتحاد عمال تونس، والمنظمة التونسية للشغل، ورابطة عمال  تونس، كنقابات جديدة بعد عن انشق ما يقارب 70 ألف منخرط عن الاتحاد العام التونسي للشغل[72].

وقد كشفت هذه التعددية النقابية عن عدم رضا لعدد من القيادات السابقة أو المنخرطين، عن أداء المنظمة الشغيلة، وتحفظاتهم على مواقفها وطرق تفاوضها مع السلطة الحاكمة[73]، كذلك أظهرت التعددية النقابية قوة الانتماء السياسي، وانقسام العمل النقابي بين الولاء إلى اليسار التونسي أو الإسلاميين ما بعد 2011، كما عبر عن رغبة بعض المهنيين والموظفين القطاعيين في الاستقلالية النقابية عن الاتحاد العام للشغل؛ دفاعًا عن حقوقهم ومطالبهم التي لطالما تم تهميشها. وبقدر ما انعكست التعددية النقابية على تقليص تعبئة الموارد للمنظمة الشغيلة، بقدر ما أثبتت تجذر بنى الهيمنة لاتحاد الشغل داخل دوائر صناعة القرار، التي ترفض غالبًا التفاوض أو الرضوخ لمساومات واستراتيجيات الضغط التي تتبعها النقابات الجديدة، بمعنى أكثر وضوحًا، ساهمت المشاركة السياسية للاتحاد العام للشغل في المسار الانتقالي الديمقراطي في تونس ثم تحالفاتها مع السلطة ما بعد 2014 إلى ترسيخ هيمنتها على العمل النقابي، وإضعاف باقي النقابات الجديدة التي استهجنت تأسيسها منذ البداية. فحسب الأمين العام السابق لاتحاد الشغل، فإنَّ التعددية النقابية “تشتت العمال ووحدة الصف النقابي”، لكن رأيه تغير فيما بعد مؤكدًا أنَّ المنظمة الشغيلة لا تناهضها التعددية النقابية “إذا كانت نابعة من إرادة العمال”[74].

استفادت المنظمة العمالية من شرعيتها النضالية ضد منظومة “بن علي”، ثم حكومة الترويكا بقيادة حزب النهضة على وجه الخصوص، حيث عرفت نموًا في العضوية النقابية. وأثرت مواقفها المٌنتصرة لتوّجهات التيار العلماني واليسار التونسي ما بعد 2011، في إعادة توحيد الصفوف النقابية، وتجاوز أوجه الانقسام السابقة؛ بهدف القضاء على الخصم المشترك “حزب النهضة” وحلفائه؛ لكن هذا النفوذ المدني السياسي أدى إلى انفلات نقابي، حيث هيمنت القيادات الميدانية على مؤسسات الدولة، فارضة شروطها المهنية والتفاوضية، فعلى الرغم من غياب الديمقراطية الداخلية صلب المنظمة العمالية، فإنها أصبحت فاعلًا اجتماعيًا لا يتحقق استقرار منظومة الحكم أو استكمال مقتضيات الانتقال الديمقراطي دون موافقته أو رضائه.

التزمت المنظمة العمالية بأداء دورها الأساسي المتمثل في الوساطة بين الشريحة العمالية والسلطة الإدارية المركزية، حيث قامت بالدفاع عن مصالحهم، وضمان حقوقهم المهنية والمالية، إلى جانب تحسين ظروف العمل وزيادة الأجور، يضاف إلى ذلك، لطالما ناضلت القيادات المركزية والميدانية، بالمراوحة بين المهادنة والمعارضة للسلطة الحاكمة، ضدَّ كل أشكال التعسف الإداري، وغيرها من المسائل المتعلقة بالحقوق المهنية. كذلك لطالما مثلت النقابة العمالية فاعلًا شريكًا في تحقيق التنمية، وازدهار القطاع العام ما قبل 2011، إلا أنَّ التغول النقابي أصبح معرقلًا لتحقيق الأرباح أو السير الطبيعي للمرفق العمومي، لذا فإن التزام المنظمة النقابية بواجباتها يستوجب دومًا سلطة حاكمة قوية وقادرة على الهيمنة عليها وعلى المرفق العمومي في الآن ذاته.

عرفت المنظمة العمالية الكثير من مظاهر الانشقاق الداخلي؛ بسبب ما يٌعرف بمعضلة الفصل 20، حيث تنقسم قياداتها بين مؤيدين لتنقيح وتمديد الدورة الانتخابية لأعضاء المكتب التنفيذي وآخرين رافضين ومطالبين بترسيخ التداول الديمقراطي على القيادة النقابية، وتتمحور إشكالية الفصل 20 في مساعي التمديد للأمين العام الحالي “نور الدين الطبوبي” التي صادق عليها المجلس الوطني التابع لاتحاد الشغل في 26 أغسطس/آب 2020. فقد تمت الدعوة إلى مؤتمر غير انتخابي بتاريخ 26 و27 أكتوبر/تشرين الأول 2020 بموافقة 96% من أعضاء المجلس الوطني، الذي يبلغ عددهم 560 عضوًا، يتمثل الهدف الرئيسي من المؤتمر الاستثنائي في تنقيح الفصل 20 من القانون الأساسي للمنظمة العمالية، الذي في الأصل لا يسمح بترشح أعضاء المكتب التنفيذي لأكثر من دورتين (5 سنوات قابلة للتجديد)، لذا فإن مساعي التنقيح تهدف إلى التمديد لأعضاء المكتب التنفيذي للمكتب الحالي.

وهكذا انقسم الاتحاد وزادت حدة التوترات بين من يُلقبون بالانقلابيين المؤيدين للتنقيح، والمعارضة النقابية المناهضة للتنقيح، التي لازالت تتواصل إلى حد الآن.[75].

وقد أسست المعارضة النقابية ما يُعرف بـ “تنسيقية القوى النقابية الديمقراطية” بقيادة الكاتب العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي “لسعد اليعقوبي”[76]، وقد نظمت التنسيقية مجموعة من الوقفات الاحتجاجية في ساحة محمد علي “مقر الاتحاد بالعاصمة” تعبيرًا عن مناهضتها وتنديدها بمساعي تنقيح الفصل 20، التي حصل فعليًا في صائفة 2021، وهكذا فإن المؤتمر الذي انعقد في 17 و18 و19 فبراير/شباط 2022 كان حاسمًا، حيث تم انتخاب “نور الدين الطبوبي” مجددًا لمنصب الأمانة العامة، بعد صدور الحكم الاستفتائي للمحكمة الابتدائية، القاضي بشرعية مخرجات المؤتمر الاستثنائي الأخير، فقد قضت المحكمة الابتدائية ببطلان القرار الصادر عن المجلس الوطني للمنظمة الشغلية، المنعقد بتاريخ 24 إلى 26 أغسطس/آب 2020 بعقد مؤتمر استثنائي وغير انتخابي في 8 و9 يوليو/تموز 2021، الذي بمقتضاه حصلت المصادقة على تنقيح الفصل 20[77].

خلال هذه العشرية الأخيرة، بدا واضحًا أن للاتحاد العام التونسي للشغل عداوات مع بعض الفاعلين السياسيين في الداخل التونسي، كما أظهرت هذه العداوات تسريبات واتهامات صريحة وقضايا في المحاكم التونسية، يتم من خلالها إدانة تجاوزات المنظمة العمالية واستنكار تواطؤ وسكوت السلطة الحاكمة أمام هذا النفوذ المتنامي، فعلى سبيل المثال، أكد “عماد الدايمي” أحد قيادات حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، في ندوة صحفية أن المنظمة الشغيلة متورطة في عدم استخلاص ديونها لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في إطار علاقات المحسوبية والولاء للنظام الحاكم السابق والحالي[78]. وتمحورت الاتهامات حول تواطؤ المؤسسات الرئاسية للدولة على إعطاء امتيازات غير مستحقة للمنظمة الشغيلة والتغاضي عن ديونها.

في الحقيقة، يحظى الاتحاد العام التونسي للشغل بهذا الامتياز بمقتضى أمر وزاري في 1992 ينص صراحة على تجميد إجراءات الاستخلاص المالي تجاه كل الصناديق الوطنية. لكن المعارضين يشككون في الصفة القانونية لهذه المذكرة الوزارية، مثلما يستنكرون استمرارية العمل بها وشرعيتها، لذا فإنَّ اتحاد الشغل يواجه دومًا انتقادات بافتقاد الشفافية، واستغلال نفوذه الميداني، وقربه من دوائر صنع القرار؛ للتهرب من واجباته المالية تجاه الدولة.

 

المراجع

أولًا: المراجع العربية

  • أحمد القلعي، المجتمع المدني التونسي فاعل أساسي قبل الثورة وبعدها، تونس الانتقال الديمقراطي العسير، مركز القاهرة للدراسات وحقوق الإنسان، 2017، ص 152-183.
  • أحمد محمد مصطفى وحياة اليعقوبي، الدور السياسي للنقابات العمالية العربية في ظل ثورات الربيع العربي، المشروع النقابي الإقليمي، منظمة فريديش إيبرت، 2015.
  • أمل المكي، حوار مع النائب التونسي عماد الدايمي من الكتلة الديمقراطية: هكذا كسرت تابوه الاتحاد العام للشغل، المفكرة القانونية، تاريخ النشر: 23/9/2019، https://cutt.us/vaWpy.
  • أميمة المهدي، مواقف المنظمات المدنية في تونس: اختلاف في تأويل النص واشتراك في الخوف على الحريات، المفكرة القانونية، تاريخ النشر: 18/8/2021، https://cutt.us/7uWnC.
  • إيان هارتشورن ويانيكه سترايسر، الاتحاد العام التونسي للشغل والعمال في المرحلة الانتقالية: من مظلة إلى حاضنة، معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية ومعهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة، الجامعة الأمريكية في لبنان، 2017، https://cutt.us/OMCbf.
  • التليلي، وليد، سيناريو خروج الحبيب الصيد: الاستقالة أو سحب الثقة دستوريا، العربي الجديد، تاريخ النشر: 14/7/2016، https://cutt.us/jTpj6.
  • الجريدة المدنية، الاتحاد العام التونسي للشغل يدين الجرائم الصهيونية المتكررة على الشعب الفلسطيني، 2021، https://cutt.us/5qlIL.
  • الجريدة المدنية، حسان الموري: الاتحاد مثل تاريخيًا نقطة التوازن في الصراعات السياسية وهذا أنموذج الدولة القادر على تقديم الحلول، الحوارات، تاريخ النشر: 3/2/2022، https://cutt.us/5sPMv.
  • حاتم الشافعي، التعددية النقابية في تونس: مكسب العمال وعبء على الاقتصاد، مؤسسة الألمانية للأخبار DW، تاريخ النشر: 4/2/2014، https://cutt.us/a8DAr.
  • دنيا حفصة، في انتظار صدور الحكم الاستئنافي: اتحاد الشغل يفتح باب الترشحات لمؤتمره 25: التحضيرات على أشدها لضمان النجاح والرد على الغاضبين. جريدة المغرب. 24/1/ 2022، https://cutt.us/Mv9tX.
  • ريكي هوستروب هوجبول وآخرون، الحوار الوطني في تونس عام 2013: إدارة الازمة السياسية، مؤسسة بيرغهوف، برلين 2017، file:///C:/Users/HP/Downloads/BF_NDH_Tunisia_AR-WEB.pdf.
  • ريم بن خليفة، نعيمة الهمامي: ندافع عن حقوق العمال مهما كان دينهم أو جنسهم أو لغتهم، حوارات، الجريدة المدنية، 2021، https://cutt.us/1qynp.
  • سالم لبيض، عن الخيار الثالث والحاجة إلى الإنقاذ الوطني في تونس، العربي الجديد، تاريخ النشر: 10/12/2021. https://cutt.us/QPwrE.
  • سعد البزاز، الحركة العمالية في تونس 1924-1956: نشأتها ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، دار الزهران للنشر والتوزيع، 2010، ص 9-11.
  • سلوى الحمروني ونضال المكي، المواطنة المتساوية في تونس: الضمانات الدستورية للمساواة بين المواطنين والمواطنات، المنتدى العربي للمواطنة في المرحلة الانتقالية، 2012، https://cutt.us/hz2Kk.
  • صابرين الطرودي، الذكرى 49 لوفاة المناضل النقابي احمد التليلي: التليلي وجه رشالة إلى بورقيبة لكبح جماح التسلط ونزعة الانفراد بالحكم، صحيفة المغرب، تاريخ النشر:27/07/2016. https://ar.lemaghreb.tn/%D.
  • طارق السعيدي، المنشور 20 وتعطل أطر التفاوض الاجتماعي، الجريدة المدنية، 2021، https://cutt.us/E0Ntp.
  • عبد الغني شفيق، النخبة السياسية في المغرب ومسارات التجدد في البنية والأدوار والوظائف، في كتاب: النخب والانتقال الديمقراطي التشكل والمُهمات والأدوار، تحرير: مهدي المبروك، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2019، ص 373-402.
  • عفيفة المناعي، الاتحاد العام التونسي للشغل والانتقال الديمقراطي، برنامج الدعم للبحث العربي، مبادرة الاصلاح العربي، تاريخ النشر: 4/1/2016، https://cutt.us/XvToU.
  • علي بوشوشة، 25 جويلية و”استفراد” الرئيس بالشعب والدولة. الجريدة المدنية، تاريخ النشر: 7/12/2021، https://cutt.us/C9of9.
  • عياض بن عاشور، تونس: ثورة في بلاد الإسلام، ترجمة فتحي بن الحاج يحي، المغاربية للطباعة وإشهار الكتاب، 2018، ص 183.
  • غربوال شاران، ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي، برنامج العلاقات المدنية العسكرية في الدول العربية، مركز كارنيغي للشرق الاوسط، تاريخ النشر: 24/2/2016، https://cutt.us/Es3mc.
  • فرنسا 24، تونس: اتحاد الشغل يعيد انتخاب الطبوبي أمينًا عامًا ويدعو الرئيس للحوار، تاريخ النشر: 19/2/2022، https://cutt.us/S08MQ.
  • فريق التحرير، الحبيب عاشور “أسد البطحاء” وحامل لواء استقلالية اتحاد الشغل، صحيفة الترا تونس، تاريخ النشر: 4/3/ 2019، https://ultratunisia.ultrasawt.com.
  • مجلة الشغل التونسية، منشورات المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 2004، https://cutt.us/dwiBz.
  • محمد ياسين الجلاصي، الاتحاد العام التونسي للشغل أمام معضلة مزمنة عنوانها الفصل 20، موقع نواة، تاريخ النشر: 2/10/2020، https://cutt.us/X0oiV.
  • مركز القاهرة للدراسات وحقوق الإنسان، قراءة في خصوصية الإسلام الحركي في تونس، تونس الانتقال الديمقراطي العسير، مركز القاهرة للدراسات وحقوق الإنسان، 2017، ص229-240.
  • المفكرة القانونية، حكم قضائي تونسي بضمان التعددية النقابية، تاريخ النشر: 30/6/2015، https://cutt.us/Z5aOV.
  • منظمة هيومن رايتس، ثمن الاستقلالية: إسكات النقابات العمالية والطلابية في تونس، تاريخ النشر 21/10/2010، https://cutt.us/5VfJ5.
  • مؤسسة سوليدار، النساء التونسيات: تونس محفزات التغيير مواصلة النضال من أجل المساواة في الحقوق، 2014، https://cutt.us/a5Xmh.
  • مؤسسة سوليدار، النساء التونسيات: تونس محفزات التغيير مواصلة النضال من أجل المساواة في الحقوق، 2014، https://cutt.us/Hc1Xw.
  • ميراي نجم شكر الله، البحث عن جذور التنظيم الهرمي في الحركة العمالية: من أين يستمد الاتحاد العمالي صفته التمثيلية؟، المفكرة القانونية، تاريخ النشر: 31/7/2012، https://cutt.us/aXKxC.
  • نسرين الحمداوي، الفصل 20 والمؤتمر الاستثنائي يصدعان اتحاد الشغل، جريدة الأحد التونسية، تاريخ النشر: 24/6/2021، https://cutt.us/BuCpY.
  • هالة اليوسفي، المجتمع المدني في تونس، أوريان 21.Orient، تاريخ النشر: 4/1/2017، https://cutt.us/sGux2.
  • ياسين النابلي، أحمد بن صالح وتجربة التعاضد: السير الأعرج وراء مزمار بورقيبة، المفكرة القانونية، تاريخ النشر:17/11/2020، https://cutt.us/wNIVr.

ثانيًا: المراجع الأجنبية

  • Baccar Gherib. Revolution and Transition in Tunisia as Crises of Hegemony. The Journal of North Studies. Routledge Taylor & Francis Group. https://cutt.us/ZuFgb.
  • Edmund Heery & al. Civil Society Organizations and trade Unions: Cooperation, Conflict, Indifference. Journal of Work, Employement and Society. Vol 26. Issue 1. 2012. P 145-160. https://cutt.us/T4Hxj.
  • Hassan, Mazen & al, Explaining divergent transformation paths in Tunisia and Egypt: The role of Inter-Elite Trust, Mediterranean Politics, 2019 https://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.
  • Heyman Richard & Gumbrell McCormick, Rebecca. Syndicats, politique et partis: une nouvelle configuration est-elle possible? la revue de l’IRES. P19-40.
  • Ian Hartshorn & Rudra Sil. the fate of labor after regime change: Lessons from post-communist Poland and post-apartheid South Africa for Tunisia’s Nobel-Prize winning unions. Economic and Industrial Democracy. Vol 40. Issue 1. 2019. https://cutt.us/eu0bG.
  • Ian Hartshorn & Rudra Sil. the fate of labor after regime change: Lessons from post-communist Poland and post-apartheid South Africa for Tunisia’s Nobel-Prize winning unions. Economic and Industrial Democracy. Vol 40. Issue 1. 2019. https://cutt.us/fx5zA
  • Lorenzo Feltrin. Labour and democracy in the Maghreb: the Moroccan and Tunisian trade unions in the 2011 Arab Uprisings. Economic and Industrial Democracy. Vol 40. Issue 1. 2019. https://cutt.us/lnZdT.
  • Ryan Nugen, Elizabeth, The Political Psychology of Repression and Polarization in Authoritarian Regimes, A Dissertation Submitted to the Faculty of Princeton University, 2017, p 156.
  • Sami Adouani & Said ben Sedrine. Trade Union Power and Democratic Transition in Tunisia. Trade Unions in transformation. Friederich Ebert Stiftung. 2018. http://library.fes.de/pdf-files/iez/14064.pdf.
  • Sghaier, Amira Aleya, the Tunisian Revolution: The Revolution of Dignity, the Journal of the Middle East and Africa, Routledge Taylor & Francis Group, Vol 3, Issue 1. 2012. P 18-45.
  • Stephan Schmalz & Klaus Dorre. The Power Resources Approach. Trade Unions in Transformation. Friederich Ebert Stiftung.2018https://www.fes.de/index.php?87033.
  • Stramer Smith, Janicke, Guns or Roses: A Comparative Case Study on the Influence of the Military and the Labor Unions on Regime-Change, A dissertation submitted in University of Nevada, Reno. 2018.
  • Youssfi, Olfa, Ibid / Kasper Ly Netterstrom, the Tunisian General Labor Union and the Advent of Democracy, Middle East Journal, Middle East Institute, Vol 70, Issue 3, Summer 2016. HTTP://DX.DOI.ORG/10.3751/70.3.12.
  • Zartman William & Abdelwaheb Ben Hafaietdh. Beyond the Ideological Claeavage: Something Else. In Arab Spring: Negotiating in the Shadow of the Intifadat. University of Georgia Press. 2015.p 50-79.

[1] Ian Hartshorn & Rudra Sil. the fate of labor after regime change: Lessons from post-communist Poland and post-apartheid South Africa for Tunisia’s Nobel-Prize winning unions. Economic and Industrial Democracy. Vol 40. Issue 1. 2019. https://cutt.us/eu0bG

[2] Lorenzo Feltrin. Labour and democracy in the Maghreb: the Moroccan and Tunisian trade unions in the 2011 Arab Uprisings. Economic and Industrial Democracy. Vol 40. Issue 1. 2019. https://cutt.us/lnZdT

 

[3] Baccar Gherib. Revolution and Transition in Tunisia as Crises of Hegemony. The Journal of North Studies. Routledge Taylor & Francis Group.  2020. https://cutt.us/ZuFgb

 

[4] سالم لبيض، عن الخيار الثالث والحاجة إلى الإنقاذ الوطني في تونس، العربي الجديد، تاريخ النشر: 10/12/2021. https://cutt.us/QPwrE

[5]  عبد الغني شفيق، النخبة السياسية في المغرب ومسارات التجدد في البنية والأدوار والوظائف، في كتاب: النخب والانتقال الديمقراطي التشكل والمُهمات والأدوار، تحرير: مهدي المبروك، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2019، ص 373-402.

[6] هالة اليوسفي، المجتمع المدني في تونس، أوريان 21.Orient، تاريخ النشر: 4/1/2017، https://cutt.us/sGux2

[7]  ميراي نجم شكر الله، البحث عن جذور التنظيم الهرمي في الحركة العمالية: من أين يستمد الاتحاد العمالي صفته التمثيلية؟، المفكرة القانونية، تاريخ النشر: 31/7/2012، https://cutt.us/aXKxC

 

[8]  Edmund Heery & al. Civil Society Organizations and trade Unions: Cooperation, Conflict, Indifference.  Journal of Work, Employement and Society. Vol 26. Issue 1. 2012. P 145-160. https://cutt.us/T4Hxj

[9]  إيان هارتشورن ويانيكه سترايسر، الاتحاد العام التونسي للشغل والعمال في المرحلة الانتقالية: من مظلة إلى حاضنة، معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية ومعهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة، الجامعة الأمريكية في لبنان، 2017. https://cutt.us/OMCbf

 

[10]  مجلة الشغل التونسية، منشورات المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 2004، https://cutt.us/dwiBz

[11] ميراي نجم شكر الله. مرجع سابق.

[12]  أحمد محمد مصطفى وحياة اليعقوبي، الدور السياسي للنقابات العمالية العربية في ظل ثورات الربيع العربي، المشروع النقابي الإقليمي، منظمة فريديش إيبرت، 2015، ص9.

[13] Heyman Richard & Gumbrell McCormick, Rebecca. Syndicats, politique et partis: une nouvelle configuration est-elle possible? la revue de l’IRES. Issue65. P19-40.

 [14]  منظمة هيومن رايتس، ثمن الاستقلالية: إسكات النقابات العمالية والطلابية في تونس، تاريخ النشر 21/10/2010،https://cutt.us/5VfJ5

[15]  Stephan Schmalz & Klaus Dorre. The Power Resources Approach. Trade Unions in Transformation. Friederich Ebert Stiftung.2018  https://www.fes.de/index.php?87033

[16]  قام المستعمر بافتكاك الأراضي من الجماعات المحلية. وبعد الاستقلال، وعوضًا عن العمل على إرجاع الأمور إلى نصابها، تم إجبار الفلاحين التونسيين على التخلي عن أدوارهم الاجتماعية والاقتصادية، والانضمام إلى صفوف اليد العاملة في قطاع الإنتاج الفلاحي ومجال الصناعة.

[17]  سعد البزاز، الحركة العمالية في تونس 1924-1956: نشأتها ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، دار الزهران للنشر والتوزيع، 2010، ص 9-11.

[18]  المرجع نفسه.

[19] Sami Adouani & Said ben Sedrine. Trade Union Power and Democratic Transition in Tunisia. Trade Unions in transformation. Friederich Ebert Stiftung. 2018. http://library.fes.de/pdf-files/iez/14064.pdf

[20] Sami Adouani & Said ben Sedrine. Ibid.p9

[21] Sami Adouani & Said ben Sedrine. Ibid.p9

[22]  المشروع الحضاري حرك البلاد التونسية نحو الحداثة مع الرئيس “بورقيبة”، ونحو النمو والتطور مع الرئيس “بن علي”، ثم المنعطف الذي فرضته قوى الشارع للاتجاه نحو الديمقراطية. ومِن هنا، تم بناء الدولة على أساس المشروع الحضاري، أو دعم قضية عليا متواجدة فعليًا، ولكنَّ أساليبها غير متشابهة غالبًا، فثَورة 2011 تعبر عن نجاحات المقاومة المريرة والمتراكمة لتجاوزات النظام الديكتاتوري، وتفكيك مختلف متاريسه،  ولابد من الإقرار أنه بقدر ما حاولت مختلف القوى الفاعلة في السياق الثوري التونسي، خاصة خلال الأشهر الأولى، تمزيق جميع الروابط مع المنظومة القديمة والالتزام بأخلاقيات “التشارك في صناعة القرار”، باعتبارها الأسلوب الأكثر فعالية للاستقرار وكسب الثقة المتبادلة، بقدر ما عبرت القيادات السياسية الجديدة عن استعدادها للتعامل مع إرث الماضي الديكتاتوري بعقلانية ومنطق الانتقائية النافعة لمصالحها.

[23]  غربوال شاران، ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي، برنامج العلاقات المدنية العسكرية في الدول العربية، مركز كارنيغي للشرق الاوسط، تاريخ النشر: 24/2/2016، https://cutt.us/Es3mc.

 

[24] Sami Adouani & Said ben Sedrine. Ibid.

Sami Adouani & Said ben Sedrine. Ibid. [25]

[26] عفيفة المناعي، الاتحاد العام التونسي للشغل والانتقال الديمقراطي، برنامج الدعم للبحث العربي، مبادرة الاصلاح العربي، تاريخ النشر: 4/1/2016، https://cutt.us/XvToU

[27] Youssfi, Olfa, Ibid / Kasper Ly Netterstrom, the Tunisian General Labor Union and the Advent of Democracy, Middle East Journal, Middle East Institute, Vol 70, Issue 3, Summer 2016. HTTP://DX.DOI.ORG/10.3751/70.3.12

[28]  سالم لبيض. مرجع سابق.

[29] مركز القاهرة للدراسات وحقوق الإنسان، قراءة في خصوصية الإسلام الحركي في تونس، تونس الانتقال الديمقراطي العسير، مركز القاهرة للدراسات وحقوق الإنسان، 2017، ص229-240، وأحمد القلعي، المجتمع المدني التونسي فاعل أساسي قبل الثورة وبعدها، تونس الانتقال الديمقراطي العسير، مركز القاهرة للدراسات وحقوق الإنسان، 2017، ص 152-183.

[30]عياض بن عاشور، تونس: ثورة في بلاد الإسلام، ترجمة فتحي بن الحاج يحي، المغاربية للطباعة وإشهار الكتاب، 2018، ص 183.

[31] عفيفة المناعي، مرجع سابق، ص 14.

[32] Stramer Smith, Janicke, Guns or Roses: A Comparative Case Study on the Influence of the Military and the Labor Unions on Regime-Change, A dissertation submitted in University of Nevada, Reno. 2018.

[33] Hassan, Mazen & al, Explaining divergent transformation paths in Tunisia and Egypt: The role of Inter-Elite Trust, Mediterranean Politics, 2019 https://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.

[34]  سعد البزاز. مرجع سابق. 2010. ص 125-129

[35] فريق التحرير، الحبيب عاشور “أسد البطحاء” وحامل لواء استقلالية اتحاد الشغل، صحيفة الترا تونس، تاريخ النشر: 4/3/ 2019. https://ultratunisia.ultrasawt.com

[36]  المرجع نفسه.

[37]  صابرين الطرودي، الذكرى 49 لوفاة المناضل النقابي احمد التليلي: التليلي وجه رشالة إلى بورقيبة لكبح جماح التسلط ونزعة الانفراد بالحكم، صحيفة المغرب، تاريخ النشر:27/07/2016. https://ar.lemaghreb.tn/%D

[38]  ياسين النابلي، أحمد بن صالح وتجربة التعاضد: السير الأعرج وراء مزمار بورقيبة، المفكرة القانونية، تاريخ النشر:17/11/2020، https://cutt.us/wNIVr

[39] المرجع نفسه.

[40]  فرنسا 24، تونس: اتحاد الشغل يعيد انتخاب الطبوبي أمينًا عامًا ويدعو الرئيس للحوار، تاريخ النشر: 19/2/2022، https://cutt.us/S08MQ

 

[41] Ian Hartshorn & Rudra Sil. the fate of labor after regime change: Lessons from post-communist Poland and post-apartheid South Africa for Tunisia’s Nobel-Prize winning unions. Economic and Industrial Democracy. Vol 40. Issue 1. 2019. https://cutt.us/6hVhj

[42]  مؤسسة سوليدار، النساء التونسيات: تونس محفزات التغيير مواصلة النضال من أجل المساواة في الحقوق، 2014، https://cutt.us/a5Xmh

[43]  سلوى الحمروني ونضال المكي، المواطنة المتساوية في تونس: الضمانات الدستورية للمساواة بين المواطنين والمواطنات، المنتدى العربي للمواطنة في المرحلة الانتقالية، 2012، https://cutt.us/hz2Kk

 

[44]  الجريدة المدنية، الاتحاد العام التونسي للشغل يدين الجرائم الصهيونية المتكررة على الشعب الفلسطيني، 2021، https://cutt.us/5qlIL

[45]     ريم بن خليفة، نعيمة الهمامي: ندافع عن حقوق العمال مهما كان دينهم أو جنسهم أو لغتهم، حوارات، الجريدة المدنية،2021،  https://cutt.us/1qynp

[46]  المرجع نفسه.

[47]  المرجع نفسه.

[48] طارق السعيدي، المنشور 20 وتعطل أطر التفاوض الاجتماعي، الجريدة المدنية، 2021، https://cutt.us/E0Ntp

[49]  إيان هارتشورن ويانيكه سترايسر، مرجع سابق، ص 11.

[50]  إيان هارتشورن ويانيكه سترايسر، مرجع سابق، ص13.

[51]  الجريدة المدنية، حسان الموري: الاتحاد مثل تاريخيًا نقطة التوازن في الصراعات السياسية وهذا أنموذج الدولة القادر على تقديم الحلول، الحوارات، تاريخ النشر: 3/2/2022،  https://cutt.us/5sPMv

[52]  خيمة حشاد: كناية عن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أسسه “فرحات حشاد”، وقام الاستعمار الفرنسي باغتياله.

[53] Sghaier, Amira Aleya, the Tunisian Revolution: The Revolution of Dignity, the Journal of the Middle East and Africa, Routledge Taylor & Francis Group, Vol 3, Issue 1. 2012. P 18-45.

 

[54] Ryan Nugen, Elizabeth, The Political Psychology of Repression and Polarization in Authoritarian Regimes, A Dissertation Submitted to the Faculty of Princeton University, 2017, p 156.

[55]  أحمد محمد مصطفى وحياة اليعقوبي، مرجع سابق، ص 9.

[56] عفيفة المناعي، مرجع سابق.

[57] أحمد محمد مصطفى وحياة اليعقوبي، مرجع سابق، ص 1-40.

 [58] تمثلت النقطة الخلافية الكبرى في الحوار الوطني الاقتصادي آنذاك في موقف الاتحاد العام الرافض لسعي منظمة الأعراف للانحراف بالأهداف الأساسية المتعلقة بإيجاد حلول للمشاكل العاجلة إلى مناقشة الإجراءات الهيكلية والاستراتيجية للاقتصاد الوطني، إذ سعى الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة إلى حسم العديد من الملفات الاستراتيجية، كوضعية القطاع العمومي، ودعم المواد الأساسية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتأجيل النظر في مطالب الترفيع في الأجور في القطاع العام والخاص، تحت مظلة الهدنة الاجتماعية، وهو ما اعتبره سامي العوادي، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد، خطًا أحمر لا يدخل ضمن صلاحيات جلسات الحوار الوطني أو الحكومة الانتقالية. https://cutt.us/TaSLQ

 

 

[59]  إيان هارتشورن ويانيكه سترايسر. مرجع سابق.

 

[60]  ريكي هوستروب هوجبول وآخرون، الحوار الوطني في تونس عام 2013: إدارة الازمة السياسية، مؤسسة بيرغهوف، برلين 2017، file:///C:/Users/HP/Downloads/BF_NDH_Tunisia_AR-WEB.pdf

 

 

 

[61] Zartman William & Abdelwaheb Ben Hafaietdh. Beyond the Ideological Claeavage: Something Else. In Arab Spring: Negotiating in the Shadow of the Intifadat.  Athens.University of Georgia Press. 2015.p 50-79.

[62]  عفيفة المناعي. مرجع سابق.

[63] Youssfi, Olfa, Ibid

[64] عفيفة المناعي. مرجع سابق.

[65] Hartshorn, Ian M, Ibid, 2018

[66]التليلي، وليد، سيناريو خروج الحبيب الصيد: الاستقالة أو سحب الثقة دستوريا، العربي الجديد، تاريخ النشر: 14/7/2016، https://cutt.us/jTpj6.

[67]  علي بوشوشة، 25 جويلية و”استفراد” الرئيس بالشعب والدولة. الجريدة المدنية، تاريخ النشر: 7/12/2021، https://cutt.us/C9of9.

[68]  أميمة المهدي، مواقف المنظمات المدنية في تونس: اختلاف في تأويل النص واشتراك في الخوف على الحريات، المفكرة القانونية، تاريخ النشر: 18/8/2021،  https://cutt.us/7uWnC

 

[69]  طارق السعيدي. مرجع سابق.

[70]  علي بوشوشة. مرجع سابق.

[71] مؤسسة سوليدار، النساء التونسيات: تونس محفزات التغيير مواصلة النضال من أجل المساواة في الحقوق، 2014، https://cutt.us/Hc1Xw

 

[72]  حاتم الشافعي، التعددية النقابية في تونس: مكسب العمال وعبء على الاقتصاد، مؤسسة الألمانية للأخبار DW، تاريخ النشر: 4/2/2014، https://cutt.us/a8DAr

[73] المفكرة القانونية، حكم قضائي تونسي بضمان التعددية النقابية، تاريخ النشر: 30/6/2015، https://cutt.us/Z5aOV

 

[74]  حاتم الشافعي. مرجع سابق.

[75]  محمد ياسين الجلاصي، الاتحاد العام التونسي للشغل أمام معضلة مزمنة عنوانها الفصل 20، موقع نواة، تاريخ النشر: 2/10/2020، https://cutt.us/X0oiV

[76]  نسرين الحمداوي، الفصل 20 والمؤتمر الاستثنائي يصدعان اتحاد الشغل، جريدة الأحد التونسية، تاريخ النشر: 24/6/2021، https://cutt.us/BuCpY

[77]  دنيا حفصة، في انتظار صدور الحكم الاستئنافي: اتحاد الشغل يفتح باب الترشحات لمؤتمره 25: التحضيرات على أشدها لضمان النجاح والرد على الغاضبين. جريدة المغرب. 24/1/ 2022، https://cutt.us/Mv9tX

 

[78]  أمل المكي، حوار مع النائب التونسي عماد الدايمي من الكتلة الديمقراطية: هكذا كسرت تابوه الاتحاد العام للشغل، المفكرة القانونية، تاريخ النشر: 23/9/2019، https://cutt.us/vaWpy

 

الكلمات المفتاحية :