مقدمة:
في جنوب شرق العاصمة السورية دمشق تقع محافظة تُعرف باسم السويداء، كان يتركز بها قبائل بدوية رحل قبل مجيء الدروز إليها، فوفقاً لبحث تكوين السويداء السياسي الصادر عن مصدر دمشق للأبحاث والدراسات ( في حين كان جبل حوران “السويداء” مهجوراً أو خربة كان سهل حوران “درعا والقنيطرة” آهلاً بالحوارنة السنة والمسيحيين وعشائر البدو. ومع هذا فقد كان يتردد على جبل حوران من الناحية الجنوبية والشرقية بعض عشائر البدو غير المستقرين بقصد الرعي الموسمي، وبعض الحوارنة من الناحية الغربية مثل بصرى الشام .
والسؤال من يُعيد إعمار هذه الخربة؟ الجواب ببساطة: إنهم الدروز بعد أن هربوا إليها، فقد كانوا من سكان جبال لبنان و تم تهجيرهم إثر معركة عين دارة عام 1711، التي وقعت في شهر أيار [1] واعتُبرت واحدة من أعنف المعارك الأهلية التي غيّرت الخريطة السياسية والديموغرافية للمنطقة؛ كونها أنهت الوجود التاريخي للحزب اليميني في لبنان ودفعت بالدروز اليمانيين للهجرة الجماعية نحو جبل حوران (السويداء حالياً).[2]
تاريخ الصراع بين البدو و الدروز في السويداء :
لقد امتد الصراع بين البدو والدروز عبر عدة مراحل على مر التاريخ تمحور حول الأراضي والموارد فقد كان البدو يعتبرون الأراضي من حقهم لرعي المواشي بينما الدروز اعتبروا أن الأراضي من حقهم بعد انخراطهم في الزراعة.
عند اندلاع الثورة السورية عام 2011، تعزز الاحتقان بين الطرفين نتيجة غياب القانون وانتشار السلاح بين أبناء المحافظة.
وفي صباح يوم الأحد 12/7/2025 نشب الصراع بين الجانبين، وكان السبب اعتداء البدو على سائق درزي أثناء عودته بسيارة خضار في وقت متأخر، ما أدى إلى حالات عنف بين القبائل العربية والدروز وتدخل الأمن العام السوري لفض الاشتباك. ومنذ ذلك التاريخ حدث شرخ بين المجتمع السوري والمجتمع الدرزي، حيث خرجت أصوات تنادي بالانفصال عن الدولة السورية، وطالبت بحماية دولية وتدخل إسرائيلي.[3]
العلاقة بين إسرائيل و الدروز (حلف الدم):
تربط كل من الأقلية الدرزية والمجتمع اليهودي علاقة وثيقة تسمى “بحلف الدم” فالدعم الإسرائيلي لدروز السويداء يقوم على أساس هذا الحلف وعلى أُسس أمنية وسياسية، وهذا الحلف أنشأه ديفيد بن غوريون عام 1956، حيث تم توقيع اتفاق مع 16 قائد درزي لفرض الخدمة الإلزامية على الدروز في جيش الاحتلال. [4]
وفقاً للرواية المتداولة بين أوساط الدروز أن ميثاق الدم بين الطرفين تأسس منذ خروج بني إسرائيل من مصر، في اللقاء الذي جمع النبي موسى بشعيب -الذي يُعد في التقليد الدرزي أحد أبرز أركان العقيدة التوحيدية، الأمر الذي أضفى بعد روحي على العلاقة.
وعلى أساس هذا الرابط انخرط الدروز في الجيش الإسرائيلي واشتركوا في جميع حروبه ضد العرب، عند اندلاع نكبة 1948، أُنشِأَ ما يُعرف بـ”وحدة الأقليات” التي ضمت 400 درزي، بالإضافة إلى بدو وشركس عرب ضمن صفوفها.[5]
ركّزت إسرائيل على دمج الدروز عبر الجيش والأجهزة الأمنية بوصفه مبدأ حماية، عبر تكريس معادلة «الأمن مقابل الحماية، وليس الأمن مقابل الحقوق»، وجرى ذلك من خلال صناعة شعور بالخوف من المحيط العربي والفوضى، ثم تقديم الاحتلال نفسه كراعٍ وحامٍ للطائفة وظهر ذلك جلياً في أزمة السويداء عندما قدمت إسرائيل مساعدات مالية وعسكرية للدروز.
بعد حرب 1967 وحرب 1973، ترسخ حضور الدروز في الجيش أكثر خصوصاً في المناطق ذات الطابع العربي بسبب فهمهم للثقافة واللغة العربية. ، لقد تعزز حضور الطائفة في المنظومة الأمنية مع ازدياد عدد الضباط الدروز في الجيش وأجهزة الأمن العامة بما فيها “الشاباك”، خلال السبعينات و الثمانينات، كما شارك العديد من ضباط وجنود الدروز في حرب لبنان 1982.[6]
انقسام دروز السويداء في سوريا إلى جهتين:
بعد انتصار الثوار في عملية >>ردع العدوان<< التي قامت بها جماعة شعبية أطلقت على نفسها اسم “هيئة تحرير الشام” وإسقاط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، كان قد شاركت جماعة تابعة لشيخ درزي “ليث البلعوس” في أواخر عملية ردع العدوان حيث زحفوا باتجاه دمشق لإعلان تحرير السويداء و الاحتفال بالنصر ، ظهر في بداية التحرير قبول من قبل الدروز بهذا النصر دعمٌ لهيئة تحرير الشام، لكن بعد عدة أشهر بدا التشرذم جليًّا بين المجتمع الدرزي حيث انقسم إلى: جماعة داعمة للدولة بقيادة ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي، و بين فريق بقيادة حكمت الهجري الزعيم الروحي لطائفة الدروز المعارض للدولة والساعي للانفصال.
بعد أحداث تموز 2025 التي سبق ذكرها، خرج حكمت الهجري يوم الاثنين 25 آب 2025، بفيديو مصور يطالب فيه بانفصال السويداء عن سوريا وتسميتها بـ”دولة الباشان” وطلب من المجتمع الدولي على رأسهم أمريكا وإسرائيل بالموافقة على إعلان الانفصال، في اليوم نفسه خرجت مظاهرات داعمة في السويداء، رُفعت فيها أعلام إسرائيل وشعارات شكر لـ “بنيامين نتنياهو”، الأمر الذي أثار غضب شعبي واسع في عموم المحافظات السورية.[7]
وبَعد الصراع الذي نشب بين البدو والدروز في تموز 2025، وتدخل الأمن العام لإخماد الصراع وتهدئة الوضع، اتخذ الجانب الدرزي موقف أدى لزيادة الشرخ بين المجتمع السوري والمجتمع الدرزي، حيث قام “موفق طريف” الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل باستخدام نفوذه من مجندي الطائفة في الجيش الإسرائيلي وثقله السياسي والديني للضغط على بنيامين نتنياهو لشن ضربات استهدفت وزارة الدفاع في دمشق ردًّا لاعتبار الدروز، حيث اعتبر طريف أنه يجب على إسرائيل أن ترد الجميل بهذه الطريقة.[8]
في 23 آب 2025، تشكل فصيل من مؤيدي حكمت الهجري أطلقوا على أنفسهم اسم “الحرس الوطني” تمثلت مهمته في حماية المنطقة، لكن الحكومة السورية اعتبرتهم ميليشيا خارجة عن القانون حيث قاموا بارتكاب انتهاكات واسعة بحق رجال دين وشخصيات وطنية في السويداء.[9]
كما تناول نشطاء من أبناء محافظة السويداء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يظهر عناصر من ميليشيا الحرس الوطني وهم يعذبون رجل الدين “رائد المتني” عقب اعتقاله، ويقومون بحلق لحيته وشاربه عنوةً.[10]
لقد انتهج الهجري وجماعته تجاه أهل السويداء سياسة العنف والتفرقة على أساس طائفي، وقام بأعمال شبيهة إلى حد ما بأعمال ميليشيات الأسد ضد الشعب السوري خلال فترة الثورة فاتبع سياسة التخويف والاعتقال والتحكم بتوزيع موارد المحافظة على الدائرة المقربة من مؤيديه.
خلال الأشهر الأخيرة منذ بداية عام 2026، تراجعت الحاضنة الشعبية المؤيدة للهجري، بالتزامن مع تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية والأمنية، واستمرار أزمة الكهرباء والمحروقات وارتفاع معدلات الجريمة والفلتان الأمني، دون قدرة الحرس الوطني على تقديم نموذج إدارة فعلي للمحافظة، كما يعاني الآن أبناء المحافظة من طلبة الشهادات الإعدادية والثانوية من ظلمٍ شديد بسبب منع الحرس الوطني لهم من الذهاب لمراكز الامتحانات، الأمر الذي سيؤدي إلى عرقلة العملية التعليمية في المحافظة.
حرب إيران وانعكاساتها على إسرائيل:
أدت الحرب التي قام بها كل من أميركا وإسرائيل ضد إيران في 28 شباط 2026، إلى تراجع واضح في قوة إسرائيل، حيث كان الهدف من هذه الحرب عملية خاطفة سريعة تقوم على إسقاط النظام الإيراني ووضع نظام يتناسب مع السياسة الأمريكية الإسرائيلية، لكن الحرب استمرت واستنزفت كل الأطراف.
قدرت وزارة المالية والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تكاليف الأمن بنحو 11.5 مليار دولار، و5.9 مليار دولار للأسلحة وعدة تكاليف أخرى تخص الطيران وأيام الاحتياط وفق تقرير ليوفال ساديه.[11]
كما تقدر صحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية كلفة الحرب على إيران بنحو 15 مليار دولار خلال 38 يوما فقط، فيما طلبت وزارة الدفاع أكثر من 12 مليار دولار إضافية لتغطية النفقات العسكرية.
كل ذلك جعل من استمرار دعم إسرائيل للدروز والعداء لحكومة دمشق أمرًا غير مرحب به في الأوساط الإسرائيلية، فإسرائيل في حالة تجعلها تقلص من أعدائها الإقليميين كما يرى العديد من المفكرين والباحثين، كما أن فكرة انفصال السويداء لم تقدم أي فائدة لإسرائيل سوى تكاليف زائدة ، لذلك وفق المعطيات الدولية والإقليمية والأحداث الراهنة من المتوقع تخلّي إسرائيل عن قضية إثارة المشكلات لجارتها سوريا ومحاولة كسب الحكومة السورية من خلال توقيع اتفاق مشترك بين الحكومتين، كما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل من زعزعة استقرار سوريا وقيادتها الجديدة، وفق بيان نشرته منصة تروث سوشيال، وشدد على أن إقامة علاقات جيدة بين البلدين سيدعم جهوده لتحقيق السلام في المنطقة.[12]
في 6 كانون الثاني 2026، نُشِر بيان مشترك بين أمريكا وإسرائيل وسوريا حيث اجتمع مسؤولون إسرائيليون وسوريون رفيعو المستوى في باريس، برعاية ووساطة الولايات المتحدة اتفق الطرفان فيها على التزامهما بالسعي نحو تحقيق ترتيبات أمنية واستقرارية دائمة للبلدين وإنشاء آلية تنسيق مشتركة – خلية اتصالات مخصصة – لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة.[13]
الخاتمة:
لقد أثبتت كل المحاولات الحثيثة الداعية لتقسيم سوريا وفصل أجزاء منها تحت اسم إقليم أو دولة فيدرالية فشلها لأسباب عدة وأهمها أنه لا يمكن لمحافظة سوريا واحدة أن تقوم على أساس دولة نموذجية بسبب الافتقار للموارد المائية والغذائية والمواد الأولية، فلا يمكن لمحافظة مثل السويداء أن تستقل بصناعتها وزراعتها ومواردها لعدم تعدد الموارد أساساً، كما أن للتنوع الديمغرافي أثرًا قويًا على منع التقسيم، فالسويداء ليست دروز فقط، بل يعيش فيها بدو مسلمين ومسيحيين لن يسمحوا بالانفصال.
كما أن حكومة دمشق اليوم تريد دولة موحدة بسيادة وسلطة واحدة وعبّر عن ذلك رئيس الجمهورية العربية السورية في أحد خطاباته حيث قال أن طموحات انفصالية ظهرت لدى شخصيات استقوت بالخارج، وأن ذلك لا يصب في مصلحة سوريا، وأكد الشرع أن سوريا لا تقبل تقسيم أراضيها أو أي طموح لاستقلال جزء منها، وأن “مجتمع السويداء جزء أساسي من المجتمع السوري، وهو مكون أصيل فيه”.[14]
مما سبق نصل إلى نتيجة واضحة أن هذه المحافظة غير قابلة للإنفصال لعدم امتلاكها مقومات الدولة أولاً وعدم قبول حكومة دمشق بهذا الأمر ثانيًا، والتشرذم الواضح في الآونة الأخيرة بين أبناء السويداء ورغبة بعضهم بالعودة إلى حضن الدولة السورية أخيراً.
[1] مكرم رباح ، معركة عين دارة و بوصلة الدروز ، النهار العربي ( 8/6/2022 )، تم الاطلاع بتاريخ ( 31/5/2026 ) https://2u.pw/9yRpQr.
[2] شوكت غرزالدين، تكوين السويداء السياسي 1516-1927، مجلة قلمون، العدد الثامن والعشرون، (7/7/2024)، صفحة 58.
[3] أيمن الشوفي، السبب وراء تفجر المواجهات المسلحة بين الدروز والبدو في السويداء، تاريخ النشر (13/7/2025)، الجزيرة نت، تاريخ الاطلاع (31/5/2026) https://shortlink.uk/1w4mL .
[4] باسل المحمد، نار السويداء وثلج الجولان وحلف الدم بين اليهود والدروز، تاريخ النشر (20/7/2025)، الجزيرة نت، تاريخ الاطلاع (31/5/2026)، https://shortlink.uk/1w4ng .
[5] محمد السكري، الدروز في فلسطين وسوريا: أسئلة الحقوق والهوية والتمييز، تاريخ النشر (29/3/2026)، سجل، تاريخ الاطلاع (31/5/2026)، https://sijil-sy.org/15788.
[6] محمد السكري، مرجع سابق.
[7] حكمت الهجري يدعو لدعم الانفصال عن سوريا، تاريخ النشر (25/8/2025) ، سكاي نيوز عربية ،تاريخ الاطلاع( 31/5/2026 )، https://shortlink.uk/1qFIq .
[8] ضربات إسرائيلية في قلب دمشق تعجل باتفاق لوقف النار في السويداء، تاريخ النشر (16/7/2025)، ميدل ايست اونلاين، تاريخ الاطلاع (31/5/2026)، https://middle-east-online.com/en/node/797460 .
[9] صراع نفوذ وانقسامات تضرب ميليشيا الحرس الوطني التابعة للهجري في السويداء، تاريخ النشر (25/5/2026)، شبكة شام، تاريخ الاطلاع (31/5/2026)، https://shortlink.uk/1qFIR .
[10] ميليشيا الهجري ترتكب انتهاكات بحق رجال دين وشخصيات وطنية في السويداء، تاريخ النشر (30/11/2025)، الإخبارية، تاريخ الاطلاع (31/5/2026)، https://shortlink.uk/1qFJf .
[11] كم خسرت إسرائيل خلال 40 يوم من حرب إيران؟، تم النشر (10/4/2026)، الجزيرة نت، تم الاطلاع (31/5/2026)، https://shortlink.uk/1qFJp .
[12] ترامب يطالب إسرائيل بعدم زعزعة استقرار سوريا ويحث على الحوار، تم النشر (1/12/2025)، DW، تم الاطلاع (31/5/2026)، https://shortlink.uk/1qFJM .
[13] نص البيان بشأن الترتيبات الأمنية و آلية التنسيق بين إسرائيل و سوريا، تم النشر (7/1/2026)، الجزيرة نت، تم الاطلاع(31/5/2026 )، https://shortlink.uk/1qFJW .
[14] الشرع: أحداث السويداء كشفت عن طموحات انفصالية خطيرة، تم النشر (19/7/2025)، سكاي نيوز عربي، تم الاطلاع (31/5/2026)، https://shortlink.uk/1qFKb .


