AR EN

مراوحة الصراع في اليمن واحتمالية التدخل الروسي

وحدة الرصد والتحليل
22 مارس 2018
تحميل نسخة pdf

مقدمة

اتسمت السياسة الروسية فيما يتعلق بالأزمة اليمنية بالحياد، أو الغموض أحياناً، وكانت أقل تقاطعاً مع خط سير السياسة الأمريكية وبعض الدول الغربية، المتمثل في الاعتراف بسلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي، والتعامل معها كسلطة شرعية من جهة، والحيلولة دون هزيمة جماعة الحوثي من جهة ثانية، فهي لم تؤيد عاصفة الحزم، ولم تعلن تأييدها للانقلاب، كما أنها لم تعترض أو تؤيد القرار الأممي رقم 2216 الذي أدان الانقلاب، غير أن طول أمد الصراع، ومراوحة ديناميات الحرب، فتحت الباب أمام تدخلات دولية، وفي المقدمة منها التدخل الروسي، إذ استخدمت روسيا حق الفيتو ضد مشروع قرار تقدمت به بريطانيا في 24‏/02‏/2018، يقضي بتجديد حظر نقل السلاح إلى اليمن، وفرض عقوبات على إيران لدورها في تزويد الحوثيين بالسلاح، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الدور الروسي في المشهد اليمني الذي يبدو أنه بات فضاءً ملائماً لدخول فاعلين جدد، وقد أقر مجلس الأمن مشروعاً روسياً بديلاً عن المشروع البريطاني يستثني البند المتعلق بمعاقبة إيران.

روسيا والدفع نحو التدخل

تدرك القيادة الروسية خصوصية الملف اليمني واختلافه عن الملف السوري من نواح عدة، وبالرغم من تضاؤل حجم الفرص أمام حجم التحديات بالنسبة للدور الروسي في اليمن فإن هناك من يدفع موسكو لاستغلال رتابة الصراع وحالة الفراغ الدولي في المشهد اليمني.

وقد طالب مجلس الشؤون الدولية الروسية(RIAC) ، في تقرير له، حكومة بلاده بانتهاز الفرصة لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي في اليمن؛ معللاً ذلك بتغير جميع المعالم الرئيسية للأزمة اليمنية منذ بداية الحرب وحتى الآن، ووضع التقرير ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الصراع في اليمن، كلها تشير إلى استمراره وتدهور الحالة السياسية والإنسانية ما لم يتدخل طرف خارجي قوي ومقبول من جميع الأطراف في إشارة إلى روسيا.

وتتضح رغبة روسيا في الانخراط في الملف اليمني باعتباره منطقة نفوذ استراتيجية من خلال تصريحات المسؤولين الروس؛ منها ما قاله نائب مدير القسم الإفريقي في وزارة الخارجية الروسية (أوليج أوزيروف) في مؤتمر (فالداي) في مدينة سوتشي الروسية، الذي حمل عنوان (روسيا في الشرق الأوسط.. لاعب في كل الساحات)، حيث قال إن بإمكان روسيا ودول الغرب التعاون بشكل فعال في حل الأزمة اليمنية، وإن حجم التناقضات بين روسيا والغرب أقل في الملف اليمني.

وكان (كيريل سيمنوف)، الخبير غير المقيم في مجلس الشؤون الدولية الروسي، أكثر وضوحاً، حين قال إن روسيا تسعى لتعزيز سمعتها في دور الوسيط في نزاعات عدّة، ومن الممكن أن تمارس تأثيراً في اليمن لدفع الجانبَين إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ في إطار مساعيها للحصول على قاعدة عسكرية دائمة في سواحل البحر الأحمر على غرار بلدان أخرى تملك قواعد عسكرية على مضيق باب المندب في اليمن، بحسب موقع المونيتور الأمريكي، وهو هدف تحدث عنه مسؤولون روس منذ العام 2009.

كان الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح يدرك رغبة موسكو في بناء قاعدة عسكرية، لذلك دعا، في 12 أغسطس/آب 2016، روسيا للتدخل لمحاربة الإرهاب، حسب زعمه، وقال إنه على استعداد لتقديم كل التسهيلات في القواعد والمطارات والموانئ اليمنية.

على صعيد آخر يحاول الحوثيون والإيرانيون دفع موسكو نحو التدخل في اليمن لإحداث توازن دولي ضاغط؛ حيث نفذ الحوثيون علناً ثلاث وقفات جماهيرية أمام السفارة الروسية تطالب روسيا بالتدخل، وفيما يتعلق بالموقف الإيراني فيبدو أن طهران قد حسمت موقفها في اليمن، حيث قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، إن بلاده ستتدخل في اليمن بدعم من روسيا على غرار ما حدث في العراق وسوريا.

مخاوف موسكو من الانزلاق في الملف اليمني

لا شك أن لروسيا تخوفاتها من القفز إلى الملف اليمني قبل استقرار الوضع في سوريا، ولعل التهديدات الأمريكية بضرب قوات النظام السوري هي محاولة لوقف طموح روسيا إلى الانفتاح أكثر على ملفات أخرى مثل ليبيا واليمن، كما أن الصراع المحتدم بين الرياض وطهران، وقرب الأخيرة من موسكو، له تأثيراته في قبول الرياض بدخول موسكو على خط الأزمة اليمنية إلا في إطاره المحدود، لذلك تبذل موسكو جهوداً لتطمين الرياض بالدور الذي ستقوم به كوسيط في الأزمة اليمنية.

في الحقيقة أن موسكو خسرت حليفها صالح الذي كانت تسعى من خلاله إلى الدخول للساحة اليمنية بأقل تكاليف، وباتت المهمة شاقة أمامها حيث وضعتها جماعة الحوثي، ومن ورائهم إيران، بمقتل حليفها صالح، أمام حقيقة التعامل معها فقط. بيد أن روسيا قد تستمر في العمل مع بعض الشخصيات التي حلّت مكان صالح، ففي 26 يناير/كانون الثاني 2018، اجتمع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بأحمد صالح، نجل الرئيس السابق.

السيناريوهات المستقبلية

ينضبط الدور الروسي في اليمن بجملة من المحددات، منها تزايد حالة التدويل للأزمة اليمنية، وتنامي الدور الروسي إقليمياً ودولياً، ورغبة روسيا في الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، واستماتة الحوثيين لاستجلاب الدور الروسي بغرض إحداث توازنات دولية، والتحالف القائم بين روسيا وإيران، وتلاشي دور السلطة الشرعية أو تراجع دورها داخلياً وخارجياً، ومن هذه العوامل يمكن اشتقاق السيناريوهات التالية:

  • سيناريو تزايد الحضور السياسي والعسكري:

يتوقع هذا السيناريو تزايد الدور الروسي في اليمن في المرحلة المقبلة، ويستند إلى تدويل الأزمة اليمنية، فالوضع في اليمن منذ عام 2011 يندرج تحت بنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وغالباً ما يؤكد مجلس الأمن في قراراته بشأن اليمن "عزمه على إبقاء الحالة في اليمن قيد الاستعراض المستمر، ... وإبقاء المسألة قيد نظره الفعلي"، ومثل هذا الوضع يمنح روسيا هامشاً كبيراً في التأثير في القرارات الدولية التي تتخذ بشأن اليمن، وفي المساومة من خلال مراعاة وجهة نظر روسيا في مقابل تأييدها لصيغة القرارات التي يمكن أن يتخذها مجلس الأمن، ولتجنب اعتراضها وتصويتها ضد أي قرار.

ومن المؤشرات المساندة لهذا السيناريو تصاعد الدور الروسي وحضوره الكثيف في قضايا المنطقة، ورغبة القيادة الروسية في إعادة التوازن إلى بنية النظام الدولي، بفرض وضع الثنائية القطبية مستغلة حالة التخبط التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما في ظل إدارة الرئيس ترامب، والشكوك التي تحيط بطريقة وصوله إلى السلطة وأسلوبه في التعامل مع الملفات والأطراف الدولية.

ثمة أمور أخرى تدفع باتجاه تحقيق هذا السيناريو؛ منها تصاعد الخلافات بين روسيا وبريطانيا بسبب اتهامات الحكومة البريطانية للأولى بالتورط في قتل العميل الروسي المزدوج، وتبادل فرض عقوبات متبادلة بين الطرفين، وإمكانية مشاركة دول أوروبية في فرض تلك العقوبات، وما يلوح في الأفق من إمكانية توجيه الولايات المتحدة لضربات عسكرية لمواقع محتملة في سوريا، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة التوتر بين روسيا من جهة والدول الغربية من جهة ثانية، ووضعٌ مثل هذا قد يؤدي إلى توظيف كل طرف للأوراق التي يملكها في تعامله مع الطرف الآخر، ما يعني زيادة تشدد روسيا حيال الوضع في اليمن، واستجابتها لمناداة جماعة الحوثي بالتدخل، وذلك لمنع تمكين السعودية من تحقيق إنجازات معينة في الملف اليمني، لا سيما في ظل تنامي التحالف بين المملكة العربية السعودية وبريطانيا، بعد زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى لندن.

وإذا ما تحقق هذا السيناريو فسيكون من مظاهره تزايد الدعم السياسي الروسي للحوثيين في المحافل الدولية وتحديداً في مجلس الأمن الدولي، وقد يصل إلى دعم عسكري غير مباشر من خلال تزويدهم- بواسطة إيران- بتقنيات عسكرية نوعية قد تؤثر في المسار العسكري للصراع في اليمن، والضغط على دولة الإمارات وحلفائها بعدم تمرير قرار رفع الحظر عن أحمد علي، نجل الرئيس اليمني السابق.

وفي جنوب اليمن ترتبط روسيا ببعض قيادات تيار فك الارتباط ذات الخلفية (الاشتراكية)، سواء بصورة مباشرة أو من خلال علاقة تلك القيادات بالنظام الإيراني، وتحديداً الجناح التابع لرئيس الشطر الجنوبي سابقاً علي سالم البيض، وهو ما قد يمكن موسكو من خلط الأوراق في جنوب اليمن، والضغط على واشنطن ولندن بتهديد مصالحهما على السواحل اليمنية ومضيق باب المندب.

  • سيناريو تكثيف الحضور الدبلوماسي مع تضاؤل إمكانية التدخل العسكري:

عكس السيناريو الأول؛ فإن هذا السيناريو- وهو الأرجح- يميل إلى فرضية استمرار الحضور الروسي في حالته الراهنة المتمثلة في التوفيق بين الاعتراف بالحكومة الشرعية والحيلولة دون انهيار جماعة الحوثي؛ من خلال استخدام حق (الفيتو) في التصدي لأي قرارات تهدف إلى إلحاق الهزيمة بهم، لكن دون تدخل عسكري واضح، حيث سيكون الحضور الروسي كثيفاً في المسار السياسي والدبلوماسي، ومنعدماً- أو في أحسن الأحوال ضعيفاً- في المسار العسكري.

ويعتمد هذا السيناريو على مجموعة مؤشرات؛ أهمها إدراك موسكو أن اليمن كما أفغانستان وباكستان والصومال تقع ضمن الاهتمام الأمني الأمريكي المباشر، بمعنى أنها تقع تحت النفوذ المباشر للمؤسسات الأمنية والعسكرية والبحثية الأمريكية، بالإضافة إلى رغبتها في إثبات فاعليتها الدبلوماسية وقدرتها على التأثير السياسي.

كما يرتبط هذا السيناريو أيضاً بالتخوفات السعودية المستمرة من التدخل الروسي في اليمن، إضافة إلى ذلك انزلاق روسيا في مستنقع الملف السوري وما يحيط به من تداعيات وتفاعلات، سواء في مسار التدخل العسكري التركي في سوريا، وإمكانية الضربات العسكرية الأمريكية، أو في التفاعلات المتصلة بالحالة الإنسانية والتداعيات المترتبة على ذلك.

 ختاماً

أصبح المشهد اليمني يسير نحو أن يصبح إحدى أوراق اللعب الدولية، وبات مرشحاً لدخول فاعلين دوليين جدد، وبلا شك فإن روسيا قد تجد في اليمن ورقة مقايضة مع الأطراف المنافسين لها في الشأن السوري، ولهذا جاء الفيتو الروسي ضد مشروع القرار البريطاني حول اليمن، لكن المواقف والتوجهات الدولية، ومن بينها الموقف الروسي، تظل محكومة ببقاء وفاعلية السلطة الشرعية المتمثلة بالرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، فكلما تآكلت هذه الشرعية تعددت أطراف الصراع الداخلي، وبالتأكيد دخول أطراف دولية أكثر، مما سينعكس بظلاله على مستقبل الصراع العربي الإيراني، فإذا لم يحسن معسكر الشرعية والتحالف العربي الداعم لها إصلاح وضعهم وتعزيز تماسكهم، فسيجدون أنفسهم في خضم صراعات دولية وإقليمية أوسع.

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية