AR EN

حزب العدالة والتنمية المغربي .. مراجعة واستشراف لمستقبله السياسي

د. سعد الدين العثماني
19 نوفمبر 2014
ملخص

 

1. توطئة

تبوأت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في السنتين الأخيرتين مكانة متقدمة داخل الحقل السياسي بعد رياح التغيير التي هبت على المنطقة ، لكنها واجهت تحديات صعبة أثناء القيام بمهامها على مستوى تدبير الشأن العام ، نظراً لأسباب داخلية وخارجية ، مع تباين من منطقة إلى أخرى ، حسب السياق والمآل .

وقد سهلت الدينامية الشعبية والسياسية الممتدة في المنطقة المغاربية والعربية تسارع وتيرة الإصلاحات السياسية بالمملكة المغربية ، خصوصاً بعد الخطاب الملكي يوم 9 مارس 2011، مطلقاً ورش الإصلاح الدستوري ، ثم كان فوز حزب العدالة والتنمية المغربي بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية لـ25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، وهو الذي راكم تجربة غنية في المعارضة السياسية وتبنى شعار " الإصلاح في ظل الاستقرار " ، فشارك لأول مرة في الحكومة وعين أمينه العام الأستاذ عبد الإله بنكيران يوم 3 يناير/ كانون الثاني 2012 رئيساً للحكومة ، وضم تحالف الأغلبية كلاً من : حزب الاستقلال ، وحزب الحركة الشعبية " وكلاهما يمين محافظ " ، وحزب التقدم والاشتراكية " الحزب الشيوعي قديماً ، وضمت النسخة الأولى لهذه الحكومة 31 وزيراً ضمنهم امرأة واحدة و5 وزراء تكنوقراط " غير منتمين لأي حزب سياسي " .

وتعتبر سنة 2013 مثقلة بالتحديات على المستويات الخارجية والداخلية ، وكاد بعضها أن يعصف بالحكومة ، وجعلت المراقبين وعموم المواطنين يستقبلون سنة 2014 بالكثير من الآمال والمحاذير .

 

لا بد من التوقف بداية عند السياق الإقليمي للمغرب والذي يشمل أساساً ثلاثة أبعاد إقليمية هي :

  • الساحل والصحراء التي تعيش تحديات أمنية صعبة ، مقابل وتيرة نمو اقتصادي جيدة في إفريقيا الغربية 
  • شمال إفريقيا التي تعرف مختلف دولها إما عدم استقرار سياسي أو صراعات داخلية .
  • الاتحاد الأوربي الذي يعرف ركوداً اقتصادياً مستمراً خاصة في عدد من دول جنوب القارة الأكثر علاقة بالمغرب.

ومن الطبيعي أن يؤثر كل ذلك بدرجات متفاوتة على الحكومة المغربية سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

 

2. التحديات

واجهت الحكومة في هذه السنة عدة تحديات ، وهي وإن كانت تعني البلد ككل ، إلا أن المتابعين نظروا إليها على أنها تحديات لحزب العدالة والتنمية بالأساس ، وامتحان لكيفية إدارته للمرحلة .

 

2.1. التحديات السياسية والتدبيرية

التحدي السياسي الأبرز : أزمة الأغلبية الحكومية

لقد كان أكبر تحد سياسي واجهته حكومة العدالة والتنمية بعد تغيير قيادة حزب الاستقلال في 23 شتنبر/ أيلول 2012، هو بدء أزمة في الأغلبية الحكومية عمرت حوالي عشرة أشهر ، وخصوصاً بعد قرار المجلس الوطني لحزب الاستقلال في 11 ماي/ آيار 2013 الانسحاب من الحكومة ، مما جعل المغرب يعيش حالة من الركود السياسي في انتظار التشاور حول ما ستؤول إليه الأمور ، وكان أمام الحكومة حلان ممكنان : 

إما الاستقالة والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة ، أو تشكيل تحالف جديد يحظى بالأغلبية المريحة التي تمكنه من إعادة قيادة الحكومة من جديد () . 

ويبدو أن الخيار الأول كان مطلباً لشريحة من المنتمين لحزب العدالة والتنمية ومن المواطنين ، لكن خيار استمرار الحكومة والبحث عن حليف جديد وقوي ولو كان معارضاً سابقاً كان الأرجح ضمن الخيارين السابقين () ، وقد طالت مفاوضات تشكيل حكومة جديدة خمسة أشهر لتنتهي بدخول حزب التجمع الوطني للأحرار " من الأحزاب المحسوبة على الوسط " للحكومة ، في الـ 10 من شهر أكتوبر/ تشرين الأول  2013، ويرتفع عدد الوزراء ليصل إلى 39 وزيــراً " كانـــوا 31 في التشكيـــلة الأولى " بيـــنـــهم 6 نـساء " كانت امرأة واحدة " و8 وزراء تكنوقراط " كانوا خمسة " .

ويتهم حزب العدالة والتنمية القيادة الجديدة لحزب الاستقلال بأنه افتعل أزمة الأغلبية الحكومية بهدف التشويش عليها وربما إسقاطها ، تأثراً بالتطورات التي عرفتها دول الثورات الشعبية في المنطقة ، كما يعتبر أن النجاح في " تكوين الحكومة عبر تعديل حكومي هادئ وسلمي وبطريقة ديمقراطية ، فوت الفرصة على من سعوا إلى جر المغرب إلى ما شهدته دول أخرى من عودة للتوتر وعدم الاستقرار " () ، ويعتبر ذلك مؤشراً على تدبير سلس للعلاقة بين الحكومة والمؤسسة الملكية والحفاظ على التوافق الدائم في القضايا الخلافية () ، مع المحافظة على أطروحة " الإصلاح في إطار الاستقرار " وعدم انجرار الحزب إلى الدعوات الملحة للمواجهة والصدام .

التحدي السياسي الثاني : تحدي وضع المقتضيات الدستورية موضع التنفيذ

لقد كان دستور  2011() محطة مهمة في التطور الدستوري المغربي عموماً ، وفي الاستجابة لمطالب شرائح واسعة من الشعب المغربي واحتجاجات فئات منه ، وبالتالي فإن تفعيل مقتضياته يعتبر مهمة أساسية للحكومة في هذه المرحلة ، ومن معالمها الأكثر وضوحاً وإلحاحية : إخراج القوانين التنظيمية التي نص عليها الدستور ، وهي تسعة عشر قانوناً تنظيمياً ، تشمل مجالات مختلفة ذات أهمية خاصة .

التحدي السياسي الثالث : تدبير المرحلة الانتقالية للمؤسسات الدستورية والمنتخبة

أقر الدستور المغربي الجديد جهوية متقدمة قائمة على توزيع جديد وديمقراطي للصلاحيات بين الدولة والجهات على أساس مبادئ موجهة تتمثل في الوحدة الوطنية والترابية ، والتوازن ، والتضامن ، والتدبير الديمقراطي ، وتخويل رؤساء مجالس الجهات سلطة تنفيذ قراراتها عوض ممثلي الدولة " الفصل   138" ، إلى جانب إسهام الجهات والجماعات الترابية في " تفعيل السياسة العامة للدولة وفي إعداد السياسات الترابية ، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين " " الفصل 137 " ، كما أدخل الدستور تعديلات على تركيبة مجلس المستشارين " الغرفة الثانية للبرلمان" ليضم لأول مرة أعضاء ينتخبهم المجلس الجهوي على مستوى كل جهة ، من بين أعضائه ، مع أعضاء ينتخبون من قبل أعضاء المجالس الجماعية ومجالس العمالات والأقاليم " الفصل 63 " ، وتستلزم هذه المقتضيات الجديدة تكييف القوانين معها وتنظيم انتخابات الجهات وباقي الجماعات الترابية وتجديد مجلس المستشارين . 

التحدي السياسي الرابع : مكافحة الفساد

يعتبر الفساد من أكبر عوائق التنمية والنهضة في دول المنطقة ومن بينها المغرب ، كما تعتبر مكافحته أحد المواضيع التي بنى عليها حزب العدالة والتنمية برنامجه السياسي وحملته الانتخابية ، ويرى كثيرون أن نجاح تجربته مرهون بالنجاح فيها .

 

2.2 التحديات الاقتصادية

تأثر المغرب إلى حد ما بالأزمة المالية والاقتصادية التي عرفتها أوربا ، الشريك الاقتصادي والمالي الأساس للمغرب ، وتضررت عدد من مؤشراته الاقتصادية ، ويتضح هذا إذا عرفنا أن حوالي 60 بالمئة من صادرات المغرب ، و80 بالمئة من إيرادات قطاعه السياحي ،  و90 بالمئة من تحويلات مهاجريه ، هي مع دول الاتحاد الأوروبي . 

لذلك جعلت الحكومة تحسين الوضعية الاقتصادية و " الحفاظ على التوازنات المالية والتوازنات الماكرو اقتصادية " هدفا أساسا من أهدافها () ، وغني عن البيان أن تحسين وضعية المواطنين الاجتماعية رهين برفع هذا التحدي .

وبالنظر إلى التزام البرنامج الحكومي بخفض نسبة عجز الموازنة الحكومية إلى ثلاثة بالمئة من الناتج الداخلي الإجمالي () ، وهي تقارب حالياً ستة في المئة ، فإنه من الصعب الالتزام بذلك وفي الوقت نفسه تحقيق أهداف البرنـــامج الحـــكومي بوضع نـظام جبائي تحفيزي للمقاولات الصغرى والمتوسطة " مؤسس على نسبة ضريبية ملائمة " ، وتحسين الخدمات الاجتماعية في الصحة والتعليم ومكافحة الفقر ، وهو ما يستلزم زيادة الإنفاق الحكومي في تلك المجالات . 

 

2.3 التحديات الاجتماعية

 راكم المغرب طيلة عقود عجزاً كبيراً على المستوى الاجتماعي ، لم يعرف بداية التراجع إلا مع تجربة التناوب التي قادها الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998 ، وسرعان ما عاد المنحنى للارتفاع مرة أخرى بسبب السعي للتحكم في النفقات وخاصة الموجهة للخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرهما ، كما عرفت السنوات الثلاثة الأخيرة مناخاً اجتماعياً متوتراً ، وتطلعات ومطالب اجتماعية متصاعدة ، واتسمت سنة 2013 باستمرار الاحتجاجات مركزياً من قبل فئات من العاطلين ، واتجهت أنواع أخرى من الاحتجاجات ليطغى عليها الطابع المحلي ، وكلها مؤشرات ومظاهر تعبر عن ارتفاع سقف انتظارات المغاربة لتحسين ظروف عيشهم وتطوير الخدمات الاجتماعية .

 

3. الأداء الحكومي

هل استطاعت الحكومة الاستجابة لهذه التحديات ؟ وبأي قدر فعلت ذلك ؟

 

3. 1. على المستوى السياسي والتدبيري

على الرغم من الدور المهم للدستور الجديد والإصلاحات السياسية والاقتصادية التي رافقته أو مهدت له ، في تخفيف توترات الشارع ، فإن مشاركة حزب العدالة والتنمية في تدبير الشأن العام وقيادته لحكومة ائتلافية قد أسهم هو أيضاً وبشكل واضح في التحولات الإيجابية التي عرفها المغرب ، وهو ما كرس صورة النموذج المغربي المستقر في ظرف إقليمي ومغاربي وعربي مضطرب ، وغير خاف ما للاستقرار في هذه المرحلة من أهمية بوصفه شرطاً أساساً للإصلاحات الكبرى ولتجنيب الوطن الانزلاق نحو المجهول ، وهو ما جعل استمرار الاستقرار مكسباً في حد ذاته ، كما أن نجاح تشكيل الحكومة الثانية يعتبر هو أيضا مكسباً مهماً أنهى محاولات أطراف سياسية لإسقاطها .

وعلى مستوى تطبيق مقتضيات الدستور يذهب المراقبون إلى أن هناك بطئاً نسبياً في إخراج القوانين التنظيمية التي نص عليها ، فقد صادق البرلمان المغربي أو يستعد للمصادقة على تسعة من هذه القوانين التسعة عشرة ، بينما بقيت عشرة قوانين تنظيمية تنتظر إتمام صياغتها وإحالتها على البرلمان ، وبعض هذه القوانين ذات أهمية بالغة ينتظر منها أن تعكس خيارات مجتمعية كبرى عبر إشراك مختلف المعنيين وفتح حوار وطني موسع حولها في المجتمع المغربي ، ومن أهم تلك القوانين : القانون التنظيمي المتعلق بالتفعيل الرسمي للغة الأمازيغية ، والذي يقضي بإحداث مجلس وطني للغات والثقافات ، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، وآخر متعلق بالنظام الأساسي للقضاة ، وآخر يخص تحديد صلاحيات الجهات والجماعات الترابية " العمالات والبلديات " في إطار لا مركزية الدولة ، بالإضافة إلى قانون تنظيمي يحدد شروط وكيفيات ممارسة الحق الدستوري في الإضراب.

وعلى مستوى مكافحة الفساد على الرغم من أن باحثين يشهدون أن فتح الحكومة لملفات مهمة : اتسم بنوع من الجرأة السياسية ، مثل ملف مأذونيات " أو رخص استغلال " النقل ومقالع الرمال ، رغم عدم إتمام ما بدأته في هذا الشأن () ، وأنها أقرت مشاريع مهمة ذات دور في الحد من الفساد ، مثل : ميثاق إصلاح العدالة والمرسوم الجديد للصفقات العمومية ، فإن منظمة " الشفافية الدولية " أبانت في تقريرها لسنة 2013 عن تراجع المغرب إلى المركز الـحادي والتسعين بين 177 دولة جرى تصنيفها في سلم ملامسة الرشوة ، وكانت مرتبة المغرب سنة 2012 هي المرتبة الثامنة والثمانين بين 176 دولة مصنفة ، والمرتبة الـ80 سنة 2011 .

كما أن حزم الحكومة في الحرص على إعمال قاعدة الأجر مقابل العمل كما هو الشأن في العديد من الديمقراطيات العريقة ، وكما أكد ذلك الاجتهاد القضائي بشكل صريح في حكم حديث له ، أسهم بشكل واضح في تخفيض مهم في نسب الاضرابات التي كانت تؤثر سلباً على قطاعات حيوية ، وهو ما ساعد على ضمان استمرارية خدمات المرافق العمومية دون المساس بالحق المشروع في الإضراب ، وتعتبر الحكومة أن تلك الإجراءات لها آثار معتبرة على المؤسسات التعليمية التي استطاعت أن تكمل موسمها الدراسي بعد سنوات ماضية تقلصت فيها أيام التدريس إلى حوالي الخمس ، ونفس الشيء بالنسبة للمحاكم أو المستشفيات أو الجماعات المحلية () .

 

3.2. على المستوى الاقتصادي والتنموي () :

عرفت الظرفية الاقتصادية الوطنية تحسن النمو الاقتصادي - ولا سيما خلال الفصل الثالث من سنة 2013- ارتباطاً على الخصوص بالمردود المهم للقطاع الفلاحي " حوالي 97 مليون قنطار " وتسجيل تحسن ، ابتداء من شهر أبريل في جل القطاعات ولو بنسب متباينة ، وهي التي عرفت تراجعاً قبل ذلك ، وقد مكن ذلك من تحقيق معدل نمو يقارب 4,8% خلال سنة 2013 ، واستفاد الاقتصاد المغربي في هذه السنة أيضاً من تراجع أسعار المواد الأولية في السوق الدولية بما فيها أسعار المواد الطاقية ، فتراجعت الفاتورة الطاقية بـ 4.3 في المئة ، وفاتورة استيراد المواد الغذائية بـ 7 في المئة عما كانت عليه السنة الماضية . 

كما تميز السياق الوطني المغربي باستمرار تحسن أداء القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالمهن العالمية الجديدة وتسجيل إسهام إيجابي للمبادلات الخارجية في النمو الاقتصادي ، وتحسن عائدات السياحة ومداخيل مغاربة العالم  مما أسهم في استقرار الموجودات من العملة الصعبة . 

وقامت الحكومة بتطبيق مبدأ الأفضلية الوطنية في طلبات العروض ، مما مكن المقاولات المغربية من زيادة حصتها في الفوز بالصفقات العمومية ، وهو ما أسهم بدوره في تطوير نسيج المقاولات من خلال الاستفادة من الإمكانيات المالية المتاحة في إطار الاستثمار العمومي ، بالإضافة إلى دعم الشفافية وتكافؤ الفرص باعتماد مرسوم جديد للصفقات العمومية ، وبغية تخفيف الضغط على صندوق الدعم للمواد الأساسية قامت الحكومة بتفعيل نظام المقايسة النسبية لأسعار بعض المواد النفطية السائلة واعتماد نظام التأمين ضد تقلبات الأسعار في الأسواق الدولية.

 

كما سجلت مؤشرات المبادلات الخارجية المرتبطة بديناميكية النمو تحسناً ملموساً خلال هذه السنة ، نذكر منها على الخصوص :

  • تحسن تحويلات مغاربة العالم ، حيث وصلت إلى حوالي 54 مليار درهم ، على الرغم من الظرفية الصعبة التي تعيشها منطقة الأورو ، الشريك الاقتصادي الأساس للمغرب .
  • تحسن عائدات السياحة لتصل إلى 53.4  مليار درهم .
  • ارتفاع الصادرات المغربية ، وذلك بفضل تطور صناعة السيارات 19.2% والصناعات الغذائية 5.1% والصناعات الإلكترونية 6% وصناعة الطائرات .2 .

ارتفاع جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية ، حيث ارتفعت مداخيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتصل إلى 25.9 مليار درهم مسجلة ارتفاعاً بنسبة 20.5% إلى حدود نهاية شهر نوفمبر 2013 مقارنة مع نفس الفترة من 2013.

وإجمالاً ، يستدل حزب العدالة والتنمية على تحسن الوضع الاقتصادي بمحافظة المغرب على تنقيط مؤسسات التصنيف الائتماني السيادي في مستواه السابق ، وكسب عشر نقط في مؤشر مناخ الأعمال الذي يصدره البنك الدولي ، وارتفاع التدفق الصافي للاستثمارات الأجنبية بحوالي 25 بالمائة .

وبالمقابل ، برزت عدد من المؤشرات السلبية ، فقد أفادت الإحصائيات بأن نسبة المقاولات التي تم إغلاقها خلال التسعة أشهر الأولى ارتفعت بـمعدل 31.6 % مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2012 ، وبلغ عدد المؤسسات التي تعرضت لضغوطات اقتصادية حوالي 70 % ، وزاد عدد العمال الذين تم تسريحهم بنسبة 134% مقارنة مع سنة  2012.

 
3.3. على المستوى الاجتماعي

تذهب الحكومة إلى أن سياستها الاقتصادية والتدبيرية تراعي الأبعاد الاجتماعية ، وتتخذ تدابير عديدة في هذا المجال ، ونسوق في هذا الصدد الأمثلة التالية :

  • إخراج صندوق دعم التماسك الاجتماعي إلى حيز الوجود ودعم موارده بغلاف مالي 2,5 مليار درهم في 2012 و 3,5 مليار درهم في 2013 ليمول النفقات المتعلقة بالمساهمة في نظام المساعدة الطبية ودعم الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والتمدرس ومحاربة الهدر المدرسي ، مع توسيع قاعدة المستفيدين منه .
  • تفعيل صندوق التكافل العائلي الذي خصص له مبلغ 160 مليون درهم ، قصد مساعدة النساء المطلقات والأطفال الذين صدرت لفائدتهم أحكام قضائية بالنفقة ، عبر تخصيص نفقة مالية شهرية حسب عدد الأطفال .
  • تخفيض أثمنة 1120 نوعاً من الأدوية المرتبطة بالأمراض المزمنة ضمن المرحلة الأولى من عملية تخفيض كلفة العلاج على المواطن .
  • رفع قيمة المنح المرصدة للطلبة الجامعيين لأول مرة منذ حولي أربعين سنة .

 

كما اتخذت الحكومة قرارات ذات تكلفة اجتماعية واقتصادية صعبة بالزيادة للمرة الثانية في أسعار المحروقات ، دون أن يواجه ذلك باحتجاجات كبيرة في الشارع المغربي ، عكس ما كان يراهن عليه البعض وربما حرض عليه كما يذهب إليه بعض الباحثين ، وهو ما يمكن قراءته كما دلت عليه استطلاعات للرأي ، على أن الحكومة وحزب العدالة والتنمية لا زالا يحتفظان بشعبية نسبية لدى فئات فقيرة ومتوسطة ، ويعتقد كثير منهم بأن جهات ما تعرقل عمل الحكومة ويشوشون عليها .

لكن بالمقابل يشير التقرير الاقتصادي والمالي الصادر عن وزارة المالية المغربية إلى استمرار اختلالات كبرى على المستوى الاجتماعي أهمها مستوى تشغيل غير كاف للنمو خصوصاً من حيث الجودة ، ومحدودية آثار برامج التشغيل ، وتأخر في مجال التنمية البشرية ، وضعف من حيث جودة التعليم ، وعلى الرغم من كون هذه الاختلالات ناتجة عن تراكم لسنوات طويلة ، لكن شرائح واسعة من المواطنين تشكو بشكل يومي من ارتفاع الأسعار واستمرار ارتفاع بطالة الخريجين وازدياد التهميش في عدد من المناطق البعيدة ، وهي اختلالات تشعل العديد من الاحتجاجات الشعبية ، وخصوصاً على المستوى المحلي في الأقاليم .

 

4. الآفاق المستقبلية

تعتبر سنة 2014 بالمغرب سنة مفصلية في نجاح العمل الحكومي ، بالنظر إلى أن سنة 2015 هي سنة الانتخابات الجهوية والجماعية ، وسنة 2016 هي سنة الانتخابات التشريعية ، والإعداد لهذين الاستحقاقين قد يطغى على العمل الحكومي طيلة تلك الفترة .

ويبدو أن هناك سيناريوهين :

السيناريو الأول : يعتمد على أن أزمة الأغلبية الحكومية سنة 2013 كانت هي العائق أمام بطء نسبي في العمل الحكومي وتأخر عدد من الإصلاحات ، وبالتالي فإن انتهاء الأزمة سيمكن الحكومة في سنة 2014 من استدراك ما فات ، وقد يساعد على ذلك ما راكمته الحكومة والأحزاب المشكلة لها من تجربة وعلاقات ، ومن تلك الإصلاحات التي يعتبر إجراؤها اختباراً مستقبلياً للحكومة :

  • استكمال ورش تطبيق مقتضيات الدستور الجديد وتأويله تأويلاً ديمقراطياً ، وإصدار القوانين التنظيمية التي نص عليها ، بالإضافة إلى بلورة خيار الجهوية المتقدمة على أرض الواقع ، و أخيراً إجراء الانتخابات الجماعية المقبلة.
  • تطبيق مشروع الجهوية المتقدمة الذي نص عليه الدستور بوصفه من الإصلاحات العميقة والهيكلية التي تمس بنيان الدولة ، ورهاناً سياسياً من شأن تطبيقه أن يسمح للبلاد بإرساء أسس الانتقال الديمقراطي والعدالة بين المناطق والجهات .
  • مراجعة القوانين الانتخابية وتنظيم الانتخابات الجهوية والمحلية ثم الانتخابات التشريعية المقبلة بشكل جيد يقطع مع ممارسات الإفساد الانتخابي .
  • بذل المزيد من الجهود واتخاذ تدابير استعجالية لمحاربة الفساد المالي والإداري والسياسي بجميع مظاهره ، من خلال بلورة خطة وطنية تشترك في وضعها الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني .
  • إصلاح العدالة من خلال تطبيق الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة بمحاور ذات أولوية هي التخليق والاستقلالية والفعالية والتحديث بوصفه ورشاً استراتيجياً يمثل مدخلاً أساس لمحاربة الفساد .
  • إصلاح صندوق المقاصة ، وهو صندوق ذو بعد اجتماعي موجه لدعم القدرة الشرائية للفئات الفقيرة والمعوزة من خلال المساهمة في استقرار أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية ، خاصة وأن هذه الفئات لا تستفيد في الصيغة الحالية إلا من 20%  من مخصصات الصندوق ، وهو ما يتطلب إصلاحاً عميقاً بمنهجية تشاركية .
  • إصلاح أنظمة التقاعد ، حيث أصبح نظام المعاشات المدنية مهدداً بالعجز في نهاية السنة المقبلة ، وصولاً إلى خطر العجز الشامل بعد نفاذ الاحتياطيات في أفق سنة 2021، مما يتطلب إصلاحاً عاجلاً إنقاذاً للنظام وحماية للأجيال المقبلة . 

 

السيناريو الثاني : يفترض بروز أزمات سياسية أخرى يتوعد بها بعض المنافسين السياسيين ، يتكرر به سيناريو الإشغال والإلهاء ، ويرافقه مزيد من البطء في تطبيق الإصلاحات المذكورة ، ويتخوف بعض أعضاء الحزب – في هذا السياق – من انحصار العمل الحكومي في تحديات التدبير اليومي للقضايا المطروحة والمشاكل البارزة والتي لا تنتهي ، مما يفقد الرؤية الحكومية البعد الاستراتيجي في تدبير السياسات الحكومية ، ومما يبرز معه التخوف من " ضياع بوصلة الإصلاح الديمقراطي في متاهة التدبير اليومي للشأن العام وما تعترضه من معوقات " () .

وواضح أن السيناريو الأول سيكون إيجابياً بالنسبة لتجربة الحزب ولمشاركته في الانتخابات المقبلة ، بينما سيضفي السيناريو الثاني عليها طابع الإخفاق ، على حسب حدة العجز عن تطبيق الإصلاحات الموعود بها. 

 

5. وفي الختام

يعطي السياق الداخلي للمغرب مكانة متميزة تخوله استقراراً مقدراً في منطقة متسمة بالاضطراب ، وعلى الرغم من التحديات المتداخلة فإن حزب العدالة والتنمية والحكومة التي يرأسها سجلاً نجاحاً نسبياً سنة 2013 في امتحان استقرار الأغلبية الحكومية ، وتمكنت الحكومة من تجنب العديد من محاولات إسقاطها وشل مشاريعها الإصلاحية . 

وستبين المرحلة المقبلة مدى قدرة المغرب على الموازنة بين مطلبي الإصلاح والاستقرار ، وكسب التحدي الاقتصادي والاجتماعي عبر تحقيق الحد الأدنى من وعود البرنامج الحكومي

التعليقات

اشترك في القائمة البريدية