قطر ومصر | أبعاد التفاهمات وانعكاساتها العربية

وحدة الرصد والتحليل
15 يونيو 2021
تحميل نسخة pdf

بدأت كل من قطر ومصر عقب اتفاق العلا بتذليل أسباب القطيعة التي استمرت بينهما أكثر من ثلاث سنوات؛ فبعد سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية بين البلدين لعودة العلاقات الثنائية بينهما، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، في 25 من شهر مايو/أيار الماضي، وتبعه توجيه دعوة لزيارة الدوحة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

تأتي هذه الدعوة بالتوازي مع تحركات سياسية ودبلوماسية لحكومتي قطر ومصر على المشهد الإقليمي؛ فقد جاءت عقب جولة وزير الخارجية القطري، التي شملت عدداً من بلدان المنطقة وعلى رأسها ليبيا والسودان، فضلاً عن التحركات المصرية المتواصلة للدعم الإقليمي لها في أزمة سد النهضة، إضافة إلى النشاط الدبلوماسي الدولي الذي تزعمته مصر وأسهمت فيه قطر لأجل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة في شهر مايو/أيار الماضي.

يبحث تقدير الموقف في السياقات التي أدت إلى عودة العلاقات بين قطر ومصر، وأسباب ودوافع الطرفين في تحقيق التفاهمات بينهما، وانعكاسات المصالحة السياسية بين البلدين على أهم ملفات المنطقة العربية الساخنة.

سياقات التفاهم بين قطر ومصر

بدأ البلدان بعودة تدريجية- ما تزال مستمرة- لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بينهما، ويمكن حصر أهم المحطات التي مر بها البلدان بالآتي:

التوقيع على بيان المصالحة الخليجية

منذ بدأت الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران 2017 بين الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) مع قطر، لم تتمكن الوساطة الكويتية من تحقيق أي شيء يذكر لإعادة لم شمل الفرقاء الخليجيين، إلا أن إدارة ترامب في آخر أيام عهدها عمدت إلى تكثيف الضغط على جميع الفرقاء لإنهاء سريع للأزمة.

وهو ما حدث بالفعل؛ إذ تم التوقيع على بيان العلا في 5 يناير/كانون الثاني الماضي الصادر عن القمة الخليجية الحادية والأربعين من قبل وزراء خارجية الدول الخمس لعودة النشاط السياسي بينهم، ورفع الحصار الذي فرضته الدول الأربع على قطر، مقابل تنازل الدوحة عن القضايا التي رفعتها ضد دول الحصار.

ويعد توقيع وزيري خارجية قطر ومصر على بيان العلا المفتاح الأساسي لابتداء خطوات المصالحة بينهما، حيث استؤنفت الرحلات الجوية المباشرة بين قطر ومصر في 18 يناير/كانون الثاني، بعد الحظر الذي فرضه الجانبان على الرحلات والأجواء بينهما، وتبعه تخفيف حدة الحملات الإعلامية بينهما، وهو ما عكس رغبة في إنجاز الطرفين لملف التصالح بينهما.

التقارب السعودي- القطري والتركي-المصري

عقب اتفاق العلا اتخذت كل من السعودية وقطر قراراً بعودة العلاقات بينهما كجزء لا يتجزأ من توحيد الصف الخليجي في مواجهة الأخطار المهددة لأعضائه، ولا سيما مع التوقع الخليجي لسياسة جديدة للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط مع قدوم بايدن للبيت الأبيض.

ساهم هذا التقارب بتهيئة الأجواء في المنطقة لمزيد من التفاهمات، أتبعه تحركات تركية نحو إنهاء الخلاف بينها وبين مصر، واتخذت عدداً من الإجراءات لإظهار رغبتها في فتح صفحة جديدة مع حليف قوي في المنطقة، حسب تصريحات المسؤولين الأتراك. القاهرة بدورها استجابت للخطوات التركية، وردت عليها بالتفاعل الإيجابي، وهو ما مهد الأجواء لإعلان إنهاء الخلاف وإعادة النشاط الدبلوماسي بين البلدين.

وبهذا يبدو التقارب بين قطر ومصر نتيجة طبيعية للتفاهمات التي تشهدها المنطقة في الفترة الأخيرة، وخطوة مسلماً بها لإعادة ترتيب المشهد السياسي في المنطقة على ضوء المصالح المشتركة للفاعلين الأساسيين في منطقة الشرق الأوسط.

المباحثات الدبلوماسية الثنائية

أولى الخطوات الدبلوماسية بين قطر ومصر كانت في الكويت في 23 فبراير/شباط الماضي، وذلك بالتقاء وفدين من الجانبين لبحث آليات تنفيذ "اتفاق العلا". تبع ذلك لقاء وزير الخارجية القطري بوزير الخارجية المصري في القاهرة في مطلع شهر مارس/آذار، على هامش اجتماعات المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية، ومن ثم قدوم وفد قطري إلى القاهرة في 9 مارس/آذار الماضي بهدف تنسيق آليات عودة العلاقات المصرية القطرية.

وفي منتصف الشهر نفسه جرى اتصال بين وزيري الداخلية القطري والمصري، لمناقشة سبل تطوير التعاون في عدد من القضايا الأمنية التي تجمع البلدين، ثم اتصال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتهنئته بحلول رمضان، في 12 أبريل/نيسان الماضي، ليكون أول اتصال رئاسي بين البلدين منذ القطيعة السياسية في شهر يونيو/حزيران 2017، وخطوة فاصلة لتطوير العلاقات بين الطرفين في مختلف الجوانب الثنائية والإقليمية.

وقد تبع التهنئة لقاء وزيري خارجية البلدين في نهاية شهر مايو/أيار في القاهرة، في إطار جولة وزير الخارجية القطري في المنطقة بهدف تطوير العلاقات الثنائية بين قطر ودول المنطقة التي تمت زيارتها، وفيها سُلِّم الرئيس المصري دعوة رسمية لزيارة قطر.

أبعاد التفاهمات بين قطر ومصر

تأتي المصالحة بين البلدين في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تغيراً في قواعد العداء والتحالف بين قواها، وهو ما يرجح ولادة محاور إقليمية جديدة واستقطاب مختلف عن ذي قبل، السبب الرئيسي في هذا التغير يرجع إلى تبدل مصالح الفاعلين وخارطة المتحالفين الرئيسيين بشكل دراماتيكي سريع في المنطقة نتيجة التفاعل بين قوى المنطقة وطموحاتها مع الواقع الجديد في المشهد السياسي الإقليمي والخارجي.

هيكلة جديدة لخارطة التحالفات الإقليمية

شهدت منطقة الشرق الأوسط تحركات عديدة لإعادة صياغة العلاقات والتحالفات بين أطرافها، فبعد إعلان الرئاسة الأمريكية العودة إلى نهج تعزيز التحالفات مع الدول التي تنسجم مع قيمها، واتباع سياسة الدبلوماسية في معالجة المشاكل الدولية ومنها قضايا منطقة الشرق الأوسط كملف إيران النووي وحرب اليمن والقضية الفلسطينية، رأت قوى المنطقة أن عليها إعادة ترتيب سياساتها الخارجية بما يحقق مصالحها، متأقلمة بذلك مع الواقع الجديد في المشهد الدولي.

كانت قمة العلا بمنزلة الانطلاقة لصياغة جديدة في خارطة التفاهمات بين مختلف قوى المنطقة، وتنقلت التفاعلات الإقليمية المباشرة وغير المباشرة بين عدد من حكومات المنطقة كتلك المفاوضات الرسمية التي جمعت السعودية وقطر، ومصر وتركيا، والسعودية وتركيا، بل إن المفاوضات السياسية وصلت إلى مرحلة متطورة بالتقاء خصوم المنطقة كالسعودية وإيران، والسعودية وسورية، بعد أن كانت هذه المفاوضات ضرباً من المستحيل في مرحلة سابقة قصيرة.

وكجزء من إعادة هيكلة التفاهمات في المنطقة بادرت حكومتا كل من قطر ومصر نحو المصالحة والتنسيق بينهما، وتلاشت مسببات العداء أو حُيدت جانباً، وارتفعت عناصر الوفاق أو تم استجلابها بين الطرفين بما يحقق المصلحة العليا لكل منهما. 

هذا الاتفاق بين الجانبين ينسجم مع طبيعة التحالفات في المنطقة العربية التي تتميز بكونها تحالفات مرنة ولا تحتاج إلى أطر مؤسسية ثابتة وتنظيمات خاصة، وإنما تقتصر على الاستجابة لضرورة إقليمية أو خارجية، وبغرض تحقيق مصلحة مشتركة في أحد الجوانب الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.

البعد الاقتصادي

تعاني مصر مؤخراً عدداً من الأزمات الاقتصادية والأوضاع المعيشية المتردية، وهذا ما يجعل الحكومة المصرية تتفاعل مع أي عوامل تسهم في تقليص الضرر على الواقع الاقتصادي المصري، ولعل الوعود القطرية بمنح تعويضات لمصر عقب اتفاق العلا دفع القاهرة إلى التفاعل الإيجابي مع الدوحة في إعادة فتح مجال العمل المشترك بينهما.

من جهة مقابلة، يرى الجانب القطري مصر كوجهة جذابة تتيح فرصاً استثمارية واقتصادية عديدة، سواء من حيث الأيدي العاملة أو الموقع الاستراتيجي أو البيئة الجاذبة للاستثمار، وهو ما يدفع بقطر إلى العودة إلى الاستثمار مجدداً في مصر بعد التوقف الذي جرى عام 2017 نتيجة الخلاف بينهما.

إن الدافع الاقتصادي لكلا الجانبين، وفي ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، سوف يسهم في تثبيت التفاهمات السياسية بينهما، وذلك لكون قطر تمتلك أكثر من 220 شركة ونشاطاً اقتصادياً في مصر، مملوكة للحكومة أو لرجال أعمال قطريين، فضلاً عن العمالة المصرية في قطر التي تصل إلى قرابة 400 ألف عامل، يرسلون العملة الصعبة بشكل مستمر إلى بلدهم الأم. 

المكاسب الأمنية

يواجه الجانب المصري تدهوراً في علاقاته مع دول الغرب بسبب الملف الحقوقي الشائك لمصر وأعداد المعتقلين السياسيين وسلب حريات التعبير والصحافة، وهذا ما يدفع الجانب المصري إلى زيادة حلفائه بعيداً عن الغرب. قطر من جهة أخرى ترغب في الاستفادة من ثقل مصر في المنطقة فيما يتعلق بالجوانب الأمنية الخاصة بقطر، وكذلك التنسيق الأمني المشترك لإدارة ملفات المنطقة الأمنية.

القاهرة عند تسريع تفاهمها مع قطر رغبت بشكل كبير في تحييد آلة الإعلام القطرية، التي أسهمت بدور كبير في تعرية انتهاكات النظام المصري الحقوقية أمام الرأي العام الدولي، وباءت كل محاولات النظام المصري في معالجة صورته وسمعته بالفشل أمام ما أدين به عالمياً.

انعكاسات التقارب بين قطر ومصر على ملفات المنطقة العربية

تجلت ثمار التقارب الذي جمع بين الجانين سريعاً في المشهد العربي، فقد مثل وقف إطلاق النار في غزة الذي حمل اسم مصر وشاركت به قطر، تجسيداً لحالة الوفاق التي توصلت إليها قطر ومصر. وأهم الملفات التي ربما يكون للتقارب الانعكاس الأبرز عليها ما يأتي:

الملف الخليجي

عكست الأزمة الخليجية مدى التأثير السلبي للانقسام العربي على استقرار الخليج وأمنه القومي، ومما لا شك فيه أن المصالحة الخليجية ساهمت بشكل كبير في تقليل حدة الاستقطاب بين المحاور المتنازعة، وعدلت من أجواء العداء والنزاع في المنطقة.

وفي هذا السياق من المحتمل أن المصالحة الخليجية قد تساهم في إعادة ترتيب البيت الخليجي، بهدف سعي دول الخليج للعمل الموحد مع دول المنطقة في القضايا التي تمس وجوده، ولا سيما التهديد الإيراني، وكذلك لتحقيق استقرار أكبر للأنظمة القائمة في الخليج والمنطقة بشكل عام.

أيضاً قد تنعكس التفاهمات الحالية على مستوى التقارب السعودي-الإماراتي، الذي بدأت معالمه بالبروز في حرب اليمن وأظهر حالة الانقسام بين الرؤية السعودية والإماراتية في حل أزمة الحرب في اليمن. 

إن التفاعلات الإقليمية الجارية أظهرت ملامح لنشوء حلف رباعي (سعودي-مصري-قطري-تركي)، والذي إذا ما أنشئ فقد يغير ملامح المشهد السياسي ككل في المنطقة، وهو ما قد يجعل الإمارات تحلق جانباً عن تحالفات المنطقة، وعن حماية المصالح المشتركة لدوله.

الملف الفلسطيني

كان لكل من قطر ومصر دور مهم في وقف التصعيد الأخير بين المقاومة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي، على اعتبار أنهما أكثر الأطراف الإقليمية قابلية للتواصل مع كل أطراف النزاع، ولا سيما المقاومة الفلسطينية.

أظهر عدوان الكيان الإسرائيلي الأخير على غزة مكانة مصر ومركزيتها في السياسة الإقليمية، وأهمية دورها الوسيط بين مختلف الأطراف الإقليمية، وهو ما أهمله الجانب الإماراتي في علاقته الأخيرة مع الكيان الإسرائيلي.

إذ مثلت القضية الفلسطينية ووقف العدوان على غزة نقطة التقاء للجانبين لتنسيق الجهود وتفعيل الدبلوماسية الثنائية بينهما، كما أن الجانب الإعلامي لكلا الطرفين أشاد بدور الطرف الآخر وجهوده في معالجة الصراع القائم، وهو ما يظهر إمكانية التعاون المشترك المستقبلي بينهما في قضايا وملفات تتعلق بمعالجة القضية الفلسطينية وإيجاد حل عادل للشعب الفلسطيني.

من المرجح أن تنعكس التفاهمات الحالية بين قطر ومصر بتجميد تطبيع جديد مع الكيان الإسرائيلي مع دول عربية وإسلامية، ولو في لفترة مؤقتة، وعودة تدريجية للتنسيق العربي المشترك في القضية الأولى الجامعة لهم "القضية الفلسطينية".

ملف سد النهضة

تبذل كل من مصر والسودان جهوداً حثيثة في معالجة أزمة سد النهضة، ومنها استمالة الأطراف الإقليميين والدوليين لدعم مطالبهما المشروعة في النسبة المتفق عليها في مياه نهر النيل. وفي الزيارة الأخيرة للوزير القطري أظهرت قطر مساعيها لتقديم كل ما يلزم لإنجاز مفاوضات سد النهضة مع الجانب الإثيوبي، ولا سيما أن هذه الزيارة أتت بعد أيام من القرار الإماراتي بسحب مبادرته للمصالحة بين الخرطوم وأديس أبابا في ملفات الحدود وسد النهضة.

تبدو المبادرة القطرية التي حملها وزير خارجيتها في جولته الأخيرة أكثر جدية بهدف تعزيز علاقات بلاده مع مصر والسودان، فالمبادرة كانت مباشرة مع الجهات الرسمية للبلدين، ولم تنكر حق القاهرة والخرطوم في أمنهما المائي، على عكس المبادرة الإماراتية التي سحبتها مؤخراً لرفض حكومتي مصر والسودان بنودها التي تجاهلت حقوق البلدين، فضلاً عن إصدارها بياناً بشأن الأزمة أقرب إلى كونه يساوي بين الضحية والجلاد.

الملف الليبي

تحتل قطر ومصر دوراً جوهرياً في إدارة الملف الليبي، إلا أنهما تحملان رؤى متعارضة في دعم فريقين متقاتلين على الساحة الليبية؛ فمصر التي تمتلك شريطاً حدودياً طويلاً مع ليبيا دعمت خليفة حفتر وميليشياته منذ بدء الانشقاق الليبي حمايةً لمصالحها القومية، ورعايةً لأجندة محاربة الثورات العربية ورموزها القائمة.

قطر بدورها تتمتع بعلاقات شراكة سياسية واقتصادية وأمنية مع الجانب الليبي الممثل بحكومة الوفاق، حيث سبق أن وقعت قطر عدداً من الاتفاقيات لتعزيز علاقاتها مع ليبيا، كان آخرها الاتفاقية الأمنية لتعزيز التعاون في المجال الأمني بينهما في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.

لذلك، في حال توصلت حكومتا قطر ومصر إلى توافق واضح المعالم بينهما فإن ذلك سينعكس إيجابياً على مسار المصالحة الوطنية القائمة في ليبيا، والذي إلى الآن يسير وفق الجدول المقرر له بناء على اتفاق المصالحة الوطنية الليبية.

خاتمة

يبدو أن كلاً من قطر ومصر قد أخذتا على عاتقهما التنسيق الجاد والحازم لأجل عودة طبيعية للعلاقات فيما بينهما، فكلتاهما التزمتا- حتى الآن- بالحدود التي وضعها اتفاق العلا، وقررتا ترك ملفات الخلاف جانباً، وتحركتا نحو معالجة القضايا التي تشغلهما باتساق ثنائي جيد. 

وفي حال قرر الرئيس السيسي تلبية دعوة الأمير تميم بن حمد، فإن موازين التحالفات الجديدة في المنطقة قد تتجه نحو مزيد من التدعيم والتثبيت للتفاهمات الجارية، وتحقيق مستوى أعلى من الاتزان في العلاقات البينية بين دول المنطقة.